اعتراف

سلام عليك هنالك حيث تنامين أمّي. وبعد، فهذا كتاب أبثك فيه اعترافي وأطلب عفوك عنّي، فقد غلبتني السنون. تذكرت أنّك اوصيتني بثلاث، وأنك قلت: بنيّ، تعدّ الحدود وكن شامخا كالجبل، وسر للأمام. ولكنّني لم أسر للأمام ولم أتعدّ الحدود ولا كنت مثل الجبل. هذا اعترافي، فهل تغفرين؟ دعيني أقصّ عليك الحكايه. أنا اليوم في غاية الاستياء، وفي ذروة اليأس والانكسار. حبست حياتي على قصّة من غبار، وأنفقت عمري على كذبة سافرة. تذللت حتى شربت الغبار، وألزمت نفسي بكل القيود، قيد يسمّى الوسط، وقيد يسمّى التعقّل والانضباط، وقيد يسمّى التريث والانتظار، وها أنني اليوم، أمشي على حافة الموت كل نهار، أفكّر كيف أطير؟ وكيف أحطّ بلا أجنحة؟ يدور السؤال، وما من جواب. ومن أين يأتي الجواب وأنت تنامين تحت التراب؟
تنهض أمّي، تزيح ترابا ثقيلا. تعال بنيّ، هنا تحت ظل الصنوبر حيث جلسنا طويلا، وحيث تحدثنا سرا وجهرا، وحيث قرأنا الكتاب، وحيث ضحكنا، وحيث بكينا، وحيث أطلّ علينا أبوك. أتذكر كيف أطلّ علينا؟ وكيف أزاح ترابا ثقيلا؟ تذكّر قليلا. أتذكر كيف نهانا عن الالتفات؟ وكيف نهانا عن السير نحو الوراء؟ أنا اليوم أروي لك قصّتي من جديد. تعال بنيّ، وهات يديك. أمدّ يديّ، فتنهض أمّي وتمسح عني الغبار. رأيتها تمشي، حسبتها تنوي الدخول إلى قبرها من جديد، ولكنّها طارت فطار حمام الصنوبر، وطرت وراءها مثل الحمام. طرنا بعيدا وعدنا. حططنا. قالت: أتعرف كيف تطير؟ ها أنت مثلي تماما تطير. أزح عنك كل تراب ثقيل، توقّف عن السير نحو الوراء، وطف حول نفسك حتّى الدوار. طوافك هذا يزيل القيود ويمسح عنك الغبار، وينبت فيك الحياة. طوافك هذا يذيب الجليد، ويمحو الحدود، ويزرع فيك الهوى من جديد.
سلام عليك هنالك حيث تنامين أمّي، وهاتي الكتاب، كتاب أبي. أخط عليه جميع الوصايا لعلّي أكون نبيّا وأكسر كل القيود.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...