وصال المَحْبوب بَلية لا تعادلها أَيَّة بَلية أُخْرى.
الى / آنَّا الشَفيعة.
قتلتني وأنبرت تسأل بي:
أيُّها الناسُ لِمَن هذا القَتيلُ؟
مهيار الديلمي.
"1".
تَضْطَجعين بَعد الغَداء عَلى الأريكة وَتُساومين تَلاقي
الأشْجار في الظَهيرَة التي ماتَتَ وَتَحَلَّلَت. اللحظة
المُنْبَثقة مِن البركان تَنْفَجرُ برِّقة والماضي لا يَعود.
لماذا سواكِ مِن النساء لا يحْرصْنَ على الاحتفاظ
بشَبابهنَّ؟ الآخَرون خَرَجوا ليصطادوا طائر الرَغْبَة
المُنَقَّط وأنْتِ تَنْتَظرين أن يَتَجَلَّى لَكِ الله بَعد شرابكِ
نصف لتر مِن الفودكا. إشارة مُسْتَفْسِرة أتَلَقَّاها أثْناء
نَوم القَيْلولَة وأحْدسُ انَكِ سَتَحْتَرقين في مَرسى
الأيَّام. ضياء وَجْهكِ المُرْعب يشارك النَدى تَوْزيْعه
البذار عَلى المُنْعَزلين. وَجَّهَ الدَعْوَة اليكِ أكْثَر مِن
ضَيْف للرَقْص والصَيْد وأحَبّتْكِ شعوب الصَيْف.
كُنْتِ مُتَغَطّرسة وَتَملأين وعاء سخْطكِ بالسهام
المُزْدوجة وَلا تَشْتَركين مَعَ فُرْسان الطِّراد حين
يَكْمنون للنجوم بالأحْراش. التَقَيْتكِ عام 2001
عند باب المَصْعَد وَكانَت تَنّورتكِ المُزغْردة تَقْذفُ
الشَرر. جَسَدكِ الجَريء التَصَقَ بي وَصَرَخْناً مَعاً
في الليل. بَعد الجنس كُنْتُ أحاولُ أن أنْسى القردة
التي هَجَرَتْني وَبَكيْتُ طَويلاً. طَبَخْتِ بَعض الأشياء
التي بَدَت لي غَريبة بسَبب التَوابل التي لَم اعتدها
وَعاوَدْنا الشَراب. أنتِ أوَّل امرأة أعرفها وَيَطيبُ
لي الغوص في بِرْكَتها التي تُنَدّي خَسارَتي في ما
رَغْبْتُ بامتلاكه. سواكِ ذرق عصفور يُلَطِّخ فوطَة
الثَمَرَة.
"2".
بَعد الاجهاز على قارورة العرق في كلّ لَيلة،
يَكون جهازي العَصَبي قَد تَدمَّر كلّه وأحاول
الغناء حَسَب الطريقة الشَعبية. عَن ماذا أغني؟
ربما عَن امرأة لا بظر لَها ولا أثداء. وجبات
الطعام الخَفيفة قَبل الشَراب، لا تساعد الزُبّ
على النعظ، والمرء يكابد طوال النَهار مَع
الغير في انتظامه أمام كارثة الدوام بدائرة العَمل.
محيط اجتماعي بائس يصعب اختراقه والعيش
فيه، أحاولُ عَدم الدنو مِنه. أنتِ تَتحمَّلين الذي
سيحلّ بي، قلتُ هذا الكلام الى امرأة أحببتها
فَهَجَرتني وفضَّلَت عليّ العجوز صاحب الزُبّ
الرخو. ندبتُ حظَّي وأضعتُ معها كلّ اتصال.
"3".
الابطاء في القذف أو سرعته، لا يهمّني وفكرة العجز
عَن الانتصاب تفزعني. البعض يلجأ الى الرُّقى ولا
يخجل مِن تكرار التفاهات.
أحياناً أستعيد الخِدَع القديمة وأقول لزوجتي انني
سأذهب يوم غد الى زيارة صديق مريض.
أذهب الى المبغى وأختار فتاة لا بأس بها.
زعزعة الحياة الزوجية لا تحتاج الى مجادلة،
ويُمكن للزوج والزوجة التغلّب على مشاكلهما
وترك الأسرَّة التي لَم تُستكْمل بَعد.
أستفيقُ مِن نوم القيلولة وأرى الاضطراب في
المُجتمع، والبَشَر لا يأبهون للظهيرة التي تشْفط
النسيم وتبقي على الهراوات.
"4".
قَبل الحَصاد ذَهبتُ مَعها الى الحقل،
وكانت قَد أخبَرتني أن في صندوق
سيارتها أكثر مِن 5 زجاجات نبيذ أحمر.
التخلّص مِن اللحظات الجرداء والغَداء
في الحقول، فكرة عظيمة. أتحاملُ دائماً
وأنا أسمعها تُدندنُ في المطبخ وتقلي
السَمك، أو تُقشِّر رؤوس البَصل. هَل يمكننا
أن نتنايك وهي تحمل السكين وتُقطِّع
الخبز؟ مَرَّ بنا بَعض الموتى ولبَّوا دعوتنا
لِهم على الغَداء. انقَضَت الظهيرة ورَغبوا
العودة مَعنا الى المنزل. تَجَمَّدَت في دموعي
البتلات وزوجتي على عجالتها قالت لَهم:
"نحنُ لا ننفق المال مِن أجل العيش معكم".
السبَّاحون غَطَسوا في الحانة وأكملنا معهم
الشراب.
"5".
نتلامسُ أنا وأنتِ قَبل الذهاب الى السرير،
وأغلب كلامنا توريات.
مدمنو مَرض الاتصال بالغَرقى، ينفصلون
عَن ذواتهم أثناء الغوص في بئر الجماع،
ولا تكلّف في ما بَينهم.
كتبتُ اليكِ قَبل ولادتي
انَّني يقلقني البعد عنكِ،
وكنتِ تمسكين الحَربة
المُتنزّهة بَين فخذيكِ.
تعرَّضتُ الى أكثر مِن
صَدمة وأنا أهزّكِ وأتلقَّى
الثمار مِن تباهيكِ بِما
تفعَلينه بي. شَعَر عانتكِ
شراع المركب الذي ينقلني
الى أرض الذروة، وأنتِ
لا تتأفَّفين في فترات الطمث.
"6".
البعض مِن ذوي الأطماع تحالفوا مَع السَحَرة
ضدّي، ولَن يسوءَني انَّهُم يحاولون نيل رضاكِ.
في جسدي ميزتين أنت تحبينهما.
تراطم الثيران
والرهز الوثني.
تُكبّلينني بالأصفاد،
واتخذ التدابير لكي
لا أحقد عليكِ. ألاحقكِ.
أعضّكِ، ألحَسكِ، أصْعَدكِ،
وكلّ شيء لدي رهين في
دهليزكِ غير المرئي.
"7".
تغزلُ افروديت في المطبخ وتشرب الجنّ بالليمون.
أسمعها تُغنّي ولا أريد الاقتراب منها، لئلا تنتهي
الفرادة في هذه اللحظة. مِن أعراض مرضي حين
النوم معها، الرعشة وعدم الكلام والانقضاض بقوَّة
على الثمرة. مراسم الدخول في القبر، تتطلَّبُ منّي
أن لا أبقى بلا حراك. أظنُّ نفسي انَّني سأموت ولا
أشبع مِن شمّ العطور، وفرجها لا تنتهي مؤونته مهما
طال الزَمن.
"8".
نَّيْككِ والعيون مغمضة، لحظة جُوِّفت فيها
رغبة الامتناع عَن انضاج الرغيف، والرغيف
لا ينضج إلاَّ اذا التهبت الشعلة العميقة للدموع.
ألق النجمة في توتّركِ وأنتِ تتأوَّهين وتزدادين
ضراوة، يسعفني في الدخول الى الجاذبية ولا
نماء إلاَّ حين تتقطّع أنفاسي وأنفاسكِ.
تبدَّدت الابر الضخمة للذَّة،
وغمستُ المجذاف في مياه نهركِ،
وصعب عليّ الاياب مِن أرض
الدعابات التي نمتُ فيها معكِ.
"9".
مُدركاً حاجتكِ الى تغيير الطقس والشوَّاية التي شُغِفْتِ
بما أضعهُ عليها مِن لحوم الطرائد.
مسحتُ المرايا في غرفة النوم
وسقيتُ الزهور
والتوابل تتأوَّه في المطبخ
والنعناع في ابريق الشاي.
المُحبّون بعد الذهاب الى حديقة النَّيْك
يزدادون نباهة، وفي فرارهم مِن الظلام
الرزين للظهيرة المرخية.
يُشيّدون أبنية ويدكّون الأوتاد في الحُفَر.
استدارتكِ وأنتِ تنتهكين حُرمة كُل شيء
وتنظرين إليّ، وسرعة أنفاسكِ التي ليس
لَها ما يفوقها. يتعاونان ضدّي وأقاسي الميل
الى عناقكِ ومضاجعتكِ.
"10".
تُصفَّفين شَعركِ وتنزعين عنكِ الهراء الفاتر للنسك.
أنتِ فظَّة وبعض النساء يحلو للمرء اغراؤهنَّ بتبادل
الهدايا. تحدَّدت ساعة مَوتي مع موتكِ، وأنتِ تسخرين
مِن فزعي حين أذوب في نار بئركِ التي تغلي.
لماذا تضاعفين علي العضّ وتقبضين على فروة رأسي
وأنت غضبى وترهزين والجمر يتطاير مِن أنفاسك؟
ترفعين فخذيكِ وتعجِّلين بضربي في الفأس، وأنا لا
أملك إلاَّ الوثبة للتناوب على السقوط فوق اللوز المشتعل
لجسدكِ.
"11"
شيَع كثيرة عرفتها في الماضي وكانت تُربّي الغزلان.
البعض منها أخذت كفايتها مِن ما يُجمِّلُ موتها، وأنتِ
بوصفكِ الجميلة في كُلّ العصور.
هزَّة الانتصاب أثناء تعرَّيكِ،
والحرير يلمعُ في قفاكِ.
تضفي على نفسي البهجة.
كُلّ ما بَين نهديكِ وفخذيكِ،
أقبِّلهُ بتَوقِّر وأنتِ تتنهَّدين
وتضغطين وتنفصلين عَن
نفسك، وتدخلين في برَّيِّة جسدي.
"12".
أحفرُ ما بيني وبينكِ الخندق وأنتِ تغازلين
أثناء الجماع، الحليب الذي تتعطَّشين اليه.
تستلقين على السرير وتثيرين بي الحميَّة
فأرفعُ وجهكِ اللهبي وأقبِّلكِ وترتخي الرزَّة.
نلتُ لديكِ الحظوة وأنتِ تدخلين المحراث
في تنَّوركِ، وتتمرَّنين على موتكِ قَبل قدومه.
"13".
رأيتُ افروديت تغبشُ وتتقدَّمُ في السنّ
ولا يساورها الشكّ مِن الزَمَن المُهيأ
للاندثار. تَعوَّدتْ وأُبتليتْ بتلقَّي الصحة
الدائمة مِن الله. نتلامسُ وأهجسُ انَّها
لا تريد أن نفترق بَعد الموت. تتحسَّسُ
القش والمنقار وتتنهَّد بسرعة، فأسمع
صوت الفراولة التي تطلق شعاعها نحو
الرغبة في التعرَّي. بعد القذف تذهب
الى الاغتسال وتطيل مكوثها في الحمَّام.
أنعظُ وتتعاظم عندي الحُمَّى. الأفضل أن
أروِّضُ الوحش سواء كان نائماً أو قائماً.
رغبتُ في الهجوم على الوعّاظ وعانيتُ
مرارة ما يصلني مِن المُسنّين.
"14".
سخطكِ علي يسوءَني ويتعذَّر أن أصف لكِ
شعوري. تقرّين انَّكِ بعد النَّيْك تشعرين بما
تشعر به البذرة العطشى، وأنا أحاولُ أن ألبّي
حاجتكِ وأرضيكِ. زيادة احساسكِ بالانتساب
الى زُمرة المسعورين، ينجيني مِن الأصائل التي
تخيف مراكب الغيوم. ثبت لدي الآن بعد أن
زرعت في داخكِ النطفة، انَّكِ تثأرين مِن قُصر
العُمر، وتُحركّكِ الرغبة في المزيد مِن النَّيْك.
"15".
تحتاجين مثلي الى ارواء الأجمة فأضمّكِ إليّ
وذراعكِ على بطني، تتلمَّسين الزغب. أعانقكِ
وأضعُ على خدَّيكِ الزبيب والسمسم.
سريرنا يعلو فيه بريق اللذَّة، وضمَّة الثديين
تتحوَّل الى اثم اقترفه وتغفرين لي.
أعضّكِ وتواصلين الضلال متأوّهة،
وسرَّتكِ النبع الذي يروي العطشان.
أعرفكِ لا ترضين إلاَّ بتقديم المزيد
مِن الثمار التي تدفعني الى الزلَّة.
"16".
ودادي لكِ شراكة ونتقاسمُ فيه التشبّث بدوام العُمر،
وسواكِ مِن البنات أغلبهنَّ تحرَّرنَ ومنعنَ أنفسهنَّ
مِن الاستلقاء على الأسرَّة التي تنهش دغلها الشمس.
وقفتكِ المتحفّظة وأنا أتعرَّضُ لمخاطر الدخول
معكِ الى الجزيرة المعشبة، تعلَّمتُ منها الحذر
الواجب مِن ملاقاة الجنّية فيكِ. شلَّت مداعبتي
لبظركِ يدي وزعمتُ انَّني تغلبتُ على غيظي
منكِ، وانكببتُ عليكِ أحميكِ مِن رشقات السهام.
"17".
تمدَّدتُ على السرير أنظرُ الى العنكبوت،
وأنتِ ذهبتِ للتبوّل تشكين مِن الكوابيس
التي تفزعكِ وتلطِّخُ طعام الخُضَر الذي
طبخته أمّكِ في الظهيرة. تتقافزُ في نومكِ
الغيلان وتعلِّقين على مخدَّتكِ القش المُتيبّس
للوقت وبتقدّمكِ في السنّ.
تُروَّضين الوحش في
أعماقكِ عبر شراب الفودكا.
امتلكتُ معكِ أجمل الأزمان
وكنتُ تخافين انحناءة الغيمة،
ولي خبرة في لمس المجسَّات
وأفهم سبب انفصال النور عَن
الظلمة في حياة المُسنّين.
"18".
برفقة شَجَرة مهجورة تضرَّعتُ الى الله،
أن يلهمكِ طريقة ما تتجنَّبين فيها عبور
الفخاخ. تتكوَّمُ على طاولة الطعام في
مطبخكِ الأضاحي، وأنتِ بشفرتكِ الحادَّة
تحاولين ايقاع الضرر بي. أنتِ أضحية
مثلي وجمالكِ الذائب يندثر ويلتهمه السأم.
مستيقظة طوال الليل وتربضُ فوق رأسكِ
طاحونة الأيَّام، ولا أقوى على الفكاك مِن
تأفّفكِ وأنتِ تميلين الى العَيش مَع العجائز.
أصغي اليكِ وأنتِ تتأّوَّهين وتزرعين بذور
اليأس، ولا تبالين في الحجارة التي أتوسّدها
بأرض الوحدة الموحشة.
"19".
بَعد العشاء لمحتُ على وجهكِ مجذاف الرغبة،
وازدحم الغروب بالشُعَل الضخمة. دعوتكِ الى
حانة وكنتِ سخية وأظهرتِ أشياء اسودَّت منذ
زَمَن بعيد. مهمّة احاطتكِ بالدفء ليست سهلة
وكلّ ما أقوله لكِ، تشكِّكين فيه وتنكسر في داخلكِ
الأضواء العميقة لصوامع اللذَّة. دَنوتُ منكِ أحاول
لملمة شظايا تنهدّاتكِ ورأيتُ طائر نقَّار الخشب
يبني عشّه في شجَرة وَجهكِ.
"20"
أنتِ أكثر طمأنينة منّي حين نعبر الجسر ولا تُفكّرين
في السقوط الى الأعماق. تسيرين الى جانبي صامتة
والأعشاب الليّنة للظهيرة تتشظَّى وتجثم على ذراعيكِ.
البعض مِن المقتولين يتقدَّمون الينا ويعرضون جروحهم
المسوّدة، وأنتِ لا تبالين في الذين فرَّقتهم ضَربة المِدية
عَن ضوء النهار. بودّي أن أمتلك مثلكِ فضيلة النظر
باشمئزاز الى الغير، لكنَّني أعجزُ عَن مسايرتكِ وأنتِ
تتذمَّرين وتشعرين بالغيظ مِن الحشود التي تدخل رمل
التاريخ بلا نَدم.
"21".
حصلنا بعد الحصاد على المال وأنتِ ذهبتِ
تتنزَّهين في أرض غريبة. المنفيون عبروا
الجزر والتزموا بِما تمَّ فرضه عليهم، لكنَّكِ
فُتِنتِ بالتغيّرات في الفصول وترغبين أن
تكوني مثلهم. تكثرين علي اللوم وتغتاظين
مِن عَيشي في أرض محايدة، ولا تنامين تحت
النسمة المتصدّعة. بامكاني أن أتصنَّع تعزية
العريس في ليلة عرسه، وأن أتلامسُ مَع ما
يغريني في الدنو مِن الموت، لكنَّني يصعب
علي أن أستدير والتقط ما يسقط منّي. تركتُ
لكِ الفضّة وانشغلتُ أحاول أن أتأقلم مَع ابر
السأم بعد فراقكِ.
"22".
يمتدحكِ البعض ممن لا يعاودون النظر الى
شحنة الشرّ التي تتعاظم فيكِ، والمفترض أن
لا يطري عليكِ هؤلاء. تتحيَّنين الفُرصة في
التخلّص منّي ومِن أمّك النائمة في غرفتها،
وعيدان القصب تنزل حادَّة على الطرق التي
تمشين فيها. راقبتكِ وكانت تثيركِ الرائحة
القويَّة للحُمَّى المتنقّلة، وكنتِ تلوّحين للمرض
المسقي وفي يدكِ حجارة البركان.
حياتكِ تقاوم الرغبة الحاَّرة، ولا تتحرَّكين حين
تتهدَّم الصخور وتسقط مِن فوق الجبل.
لماذا تنطفىء شمس الصيف في جبينكِ،
وكلّ ما رغبتِ فيه اجتاز المقابر وتقدَّم
ينام في حضنكِ؟
"23".
نَجَت مِن الغرق دُميتكِ التي رَميتها في النَهر،
وأعلمُ انَّكِ الآن مُتكئة على جعبة سهامكِ ولا
تراوغين الذين يقفون في المراصد، مِن أجل
سلبكِ الريش الأزرق لشجرة حَياتكِ.
كنتُ معكِ أثناء حصاد القمح، وكان الجيران
يُكوِّمون أغطيتهم على الحزم المُنتحبة.
أسوأ ما فيكِ هو اصغائكِ الى العفاريت التي
تتحرَّكُ في أحلام اليقظة. صلَّيتُ الى الله عسى
أن يقبل صَلاتي، ويخلّصكِ مِن دموعكِ
المتواصلة. الزحمة في الطريق الى القبر، كبيرة
والنجوم فوق الآبار تدنو لتلامس جسدكِ البضّ
المُرتجف
"24".
لاقتناص لحظة تخلو مِن الريبة معكِ،
أرمي بقايا الماضي وأستعدّ لانفجار
النصل. لماذا تحبّذين التجوال بَين الأشجار
المتكسّرة، والرقود بلا تنفّس؟ سحبتكِ مِن
الهاوية تغمركِ ندف الثلج، وكنتِ ترتدين
شراع مَركب الهلع. أعرفُ الكثير مِن النساء
يرفلنَ بالعافية ولا يتأهّبنَ الى دخول الغابة.
انتهى البريق في عينيك
والليل أطال مكوثه على
أغصان رغبتكِ التي تجمَّدت.
"25".
مُبقياً على بعض الأشياء أحاولُ الاحتفاظ بشعوري
نحوكِ، وأريدُ أن أبوح لكِ بِما ألقاهُ حين تفترقين عنّي.
يُماحككِ السأم ولا تتلقَّينَ مِن الله النُعمى، وأنا مثلكِ
يصعب علي التكيّف مَع الذين
يساهمون في تدمير الظهيرة
التي نتضرَّعُ فيها ونطلب
الرجاء مِن المثاليين الغرقى.
حاجتنا الى الراحة بَعد رحلة
العذاب الطويلة، يجدر بِنا أن
نحرص عليها وأن لا نُكمِّمُ البوق
الذي يطلق الأصوات في جنازة
الماضي.
"26".
قريبان مِن بعضنا تتربَّصُ بِنا خِدَع العادات الزوجية
وهي تُراهنُ على مجيء طائر الخطَّاف، كما لو انه
سيخلّصها مِن التحسّر على أيَّام الشباب.
ذهبنا الى المطبخ فتعثَّرت وأمسكت القِدر المليء
بالرز، وثقلت عليها العواصف.
عيناها تتقافزُ فيهما الحباحب والبريق الجميل،
يعاينه كُلّ ضيف ندعوه الى الوليمة.
ترغبُ في اعادة تصميم ديكور غرفة النوم،
وأعرفُ انها تحاول التمويه على ما في داخلها.
حظوظي في ترضيتها ضئيلة ولا أستطيع أن
أصلح الآلات الميئوس مِنها.
"27".
تكوَّنت عندي وعندها على مرّ الأعوام،
الرغبة في الافلات مِن ابر الايمان الذي
يدنِّس العَيش، ومثلها أحاول طلب العون
ولو بالتلميح مِن بعض الآلهة الذين نسهر
معهم في الكافتيريا.
وصلنا الجزيرة ورأينا المعادن تثغو،
ورغبتُ أن لا يعاودها التفكير في
شرور يوم القيامة.
مرَّت بِنا ناقلة المواشي
وقالت:"هَل ستحصي التوابيت؟".
تسرَّعتُ في الاجابة وقلتُ:"لا".
"28".
لانارة الطريق الى الآبار وتلقَّي المُعجزة،
أحتاجُ الى ابتسامتكِ وأنتِ تودّعينني وفوق
رأسكِ الأفياء الخضر للمماشي.
غيرتكِ مِن المرأة التي تفرطُ في
اطلاق النار على الشحارير،
وبندقيتها المُزيَّتة تشبه تنكة
النفاية. امتياز عظيم يُمكِّنكِ
مِن الغلبة على الذين يُدمِّرون
الغابات بأفعالم البطولية.
"29".
يقظان في السرير أنفضُ عنَّي العطر الغامض
لخصلات شَعركِ، وأنتِ تزدادين بهاء في
عريكِ وتتلقَّين انذار الكابوس. شاهدتُ الغيلان
تسبقكِ في النزول الى المنحدر، وأيقظتكِ قبل
رمي نفسكِ. هَل كُتِب علي أن أستبق دائماً
لحظة سقوطكِ في الهاوية وأجنّبكِ مرض
الفراق؟ يُروَّعني تفكيركِ في الانتحار ولا
امكانية لي لأتبَّنى ما ترغبين فيه.
"30".
تعودين مِن العَمل منهكة وترصّين دموعكِ الفاخرة
على دولاب الثياب. أعانقكِ لأجنّبكِ التعثّر بثمرة
الخيانة، لكنّكِ لا تبالين ثمّ تشرعين برمي فرو النمور
والثعالب مِن الشرفة. كنتُ أنتسبُ الى زُمرة السكرانين
وما زلت، وأنت اعتدتِ الحياة معي على هذه الطريقة.
لا يمكنكِ الآن التخلَّي عن حماستكِ التي أعرفها، ولا
التراجع عَن ما شاركتكِ فيه. الصراحة معكِ تخرق
كلّ شيء وتوسّع المصائب.
"31".
لا أرغَبُ الآن رؤيَتكِ مُتَوسِّدة الظلال الموهنة للرَغبة.
حبّكِ المَسْعور والمُتْرع بأضواء شلاَّلات الرَهبة، طاقة
عَظيمة لَيْسَ بوسعي تَحمِّلُ ثقلها. صَمْتكِ يَقْسو على
اللحظة المُنْكَمشة للعناق وفراء السرير يَتَلمَّظُ وَيَتَلفَّع
بعريكِ الذي يَفيض على البَراري. رَبيع الموت قَريب
منّا وَنَسْمَع ثغاء ضواريه. المداعبة لَحظة مَصْعوقة ولا
شراع يَنْقذنا مِن الغَرق اذا وَصَل طوفان الجرح الى
العَتَبة المَهْجورة للشَيْخوخة. الزَمَن أغْرَقَت ذَخائره
الريشة التي غَرَسها الطَبيب في مُسْتَقْبَل الطَبيعة، وأنتِ
تَذْرفين الأيَّام ولا تبالين بالظمأ. نَدى لَيل الأرملة حول
عنقكِ يَتَلاشى في الظَهيرة وَيُرَفْرف لازورد الشَمس
المغناجة على مُحبّيكِ الساهرين. سَهم يُغنّي لنَهْديكِ
الظاهرين أثْناء عبوره فضاء الغبطة. ثعبان آدم الذي
علَّمه مداعبة غَريمه قَبل الشروع بحرث حَقَله.
32".
أغْفو وأتلقَّى مِن برْكان هجْرانكِ النَداوة.
"أنا وأنْتِ لا نُحِّبُ بَعْضنا"،
وعلى طَريقة الشاعر العذْري القَديم.
نُحِّبُ الجَمْرة المُتحرِّكة في الحُبِّ.
أعتَقدْتُ على الدوام أنَّني في مضاعفتي
لتدْمير ذاتي بغيابكِ، أحاولُ أن أطْفىء
عَطشي مِن نَبْعكِ الجامد.
لَحْظة المَوت التي أنْتظرها بَعْدَما شاب
رأسي، ويَئسْتُ مِن اشارة لطيفة مِنْكِ.
لا تَفي بوعْدها، وها أنا أخاطبكِ وأتحمَّل
ثقل ودادكِ، وأنْتِ عَذْراء ومَكْشوفة تَحْت
الأقْواس الباطنية للنجوم.
لا أسْتَطيع قبول وصالكِ وأنْتِ تحاولين
اسْتخْدامي مُجرَّد كيْفية للتَقَرب مِن ظلِّ
الزَمَن. المجاملة الغرامية خَطرة عليّ
وعَليْك، والارتباك في زلزال السَرير، لَهُ
الأفْضَليَّة بملامسة خًصلات شَعَر الزهْرة الدبقة
التي تُطوِّقكِ ضَعيفة وَوَحيدة في الفَجْر.
"33".
تواصلُ السيّدة في المَطْبَخ حياكة شَيء ما،
ولا تَشْعر بالاعتدال مَعَ الحَيوان الذي يَثْغو
وَيَقف بمحاذاة نَهارها النازف.
الفلاَّحون أجدادها وَصَلوا الى الصَخْرة
التي حَبَسوا فيها إلههم، وانتَزَعوا الاعتراف
منه. العَيْش في المُدن الغَريبة يَحْتاج الى
تَفاهم مَعَ المَصاعد النموذجية للأشْجار.
الأفياء مُنْهكة وَتَنْخَسفُ فيها الجَمْرَة
اللافحة للمُعْجزة، وَلَيْس بامكان المرء حين
تَخطّيه حاجز مَوته. تَحاشي اللّبدة المُمْتَلئة
بفصوص الخَواتم المُريبة للغَرقى التُعَساء.
نَظَراتها تُلاحقني وأسْمَع الثَغاء
يَنْطَلقُ بقوَّة مِن جِزَّة الصوف المَصْبوغة.
الظل يَتَمطَّى فوق جنازة طَعام
الغَداء وَهيَ لا يمْكنها أن تَثب وَتَتَخلَّص مِن خزانة أيَّامها
المُتَجمِّدة في الحَظائر.
"34".
يجرحني تمنّعكِ، وتقترب منّي المَنيَّة حين تتمايلين،
وأرى الغيوم التي نزلت على مهل مِن عينيكِ.
تضعين قدمكِ على فخذي وتفرطين في الدنوّ مِن
الايلاج، وأنا مثلكِ ألهثُ وأقترب مِن موتي.
عصا تفلتُ منّي وليتها تبقى منتصبة،
اعرضي جواهركِ وأنا مُمتنٌّ اليكِ،
وأحاولُ أن أثيركِ وأضع ابهامي في
بظركِ. مُنهمكان في الاغارة على
بعضنا البعض، نشهقُ ونزفر ونميلُ
الى تذوّق ثمار جسدينا.
تَقبَّلتُ الدخول الى بئر الوحش المُقبَّب،
ولَم أتوجَّس مِن الجرح الذي يتدثَّر بالجمر.
"35".
ما لا نمقته حين تأتي شهور القيظ، تُبدِّدهُ أوراق الأشجار
التي تُذهِّبُ ثدييكِ، وأنتِ تعلمين أن الحُبّ في نقائه. ضمَّة
ينتج عَنها غزل القطن ونسجه مَع الوردة.
يُؤمّنُ لَنا التَعرَّي قَبل التهتّك وملامسة المرتفعات
والمغاور، تجنَّب السقوط على الحافَّة المائلة للخمول.
وَرثنا مِن الذين سبقونا الحيل الكثيرة،
وكُلّ نومة قيلولة معكِ في النهار القائظ.
نتقاسمُ فيها الارتياع مِن الريش المتطاير للزَمَن.
"36".
كثيرون اندحروا وقلَّ نشاطهم، نتفوا شَعر آباطهم
ورموا آلاتهم في الهاوية.
أصعّدُ معكِ الرغبة وأنتِ ترفعين وجهكِ
وتنامين عليّ، وتدنين مِن موتكِ المُبَرَّأ مِن
الرعونة. أنتِ في الأعلى وأنا في الأسفل.
ألحسُ الشدق المُخيف والشِعْرة الرهيفة،
وأنتِ تمصّين الحربة وتسلبين منها الدموع
الفوَّارة.
"37".
تتلطَّفين باخفاء رغبتكِ ورموشكِ التي تشير الى
أن أشارككِ الدعابات والمشاحنات. أعرفُ منها
القصد. أفترض أن سواكِ من النساء يتقاسمنَ ما
يضفي الغبطة عليهنَّ مِن دون مواربة، وأنتِ غير
منشغلة في الفرو الذي يتساقط في فرْجكِ. حلمتُ
مثلكِ أثناء صراعي مَع الوحش الذي في داخلكِ،
بالطهر الذي يؤدَّي الى النومة المرتعشة بَين ضوء
جمالكِ والارتعاشة القويَّة في نهديكِ وشفتيكِ.
"38".
كُنتُ أدعوكِ الى النوم تَحت الأشجار المنتفخة الأرداف،
وكان الظل يضنيكِ ولا تتحقَّقينَ مِن موتكِ، إلاَّ حين
تشرق شمس ألوهَتكِ، وأنا في الحمَّام أليِّفُ جسدكِ
وأناولكِ كأس النبيذ والشموع تطلق شعلها المثيرة.
التنوّع في أشكال النَّيْك يضطرّني الى الخصومة معكِ،
وأنتِ ما بين العضَّة والعضَّة تخفركِ الأعشاب الزكية
المنطلقة مِن ابطيكِ.
لحظة فريدة انقطع فيها
مرور النسيم، وتوجَّب علينا
الاحتراق في نار الخلق.
"39".
سَقَطَ نَدى مِن القَمر على الصينية وعلى أطْباق الطَعام،
وأنا مِن الذين يرْهبهم هذا الإله الذي يسْتَحْوذ على النساء
أثناء فَترات حيْضهنَّ. وَصَفْتُ لجارتي وهي تضع الدخن
للطيور، على سياج شرْفَتها مَرارة دخوله في مَطْبَخي،
فأنْكَرَت فَرضية تَملّقه لَها ولغيْرها مِن النساء أثْناء الحيض.
تَجرَّعْتُ المَرارة وخرجْتُ مَع الكلب ليتبرَّز.
في مَدخل الغابة رأيْتُ شَجَرة تحْتَضر والى جانبها
تصْطفُّ الشلالات. قطفْتُ ثَمرة وأخْفيْتها بَين الأخْتام
التي أخْتمُ فيها رسائلي الى الربّ. عُلَماء الفلك أجْروا
على ما يحيط بالحقْل تغيّرات، وظننْتُ انَّهُم تَجشَّموا
العناء الكبير مِن أجل صدّ ما يتساقط مِن السَماء. أثْبَتَ
اكتشافهم للمَنيّ فَوق الأسرَّة التي يرْقد عَليها الإله الشَبق،
صحّة فرضيتي، لكنَّ الجارة التي بَين فخذيها الحَرير
المُبلَّل لتأمين احتياجاتها مِن الحوانيت، أخذت منّي
قطع النقد المعْدَنية و ذَيل الكلب رَهينة.
لذَّة دخول الأرض الرطْبة لا توازيها أيَّة لذَّة أُخْرى.
"40".
أقفُ على ضفّة النَهْر وأنتِ تَعْبرين في القارب الى الضفّة
الأخْرى، الله على يَمينكِ، والشَيْطان على يَساركِ. هَل لي
أن أضَع تَحْت وسادتكِ المورفين مِن أجل أن تَضجِّي بكلّ
التَعْبيرات اللطيفة التي عَرفْتها عنْكِ في الماضي؟ تَقولين
أن الأكل بالمطاعم تنْقصه الفيتامينات، وأنا أعرفُ سخْطكِ
على الفَتيات الجَميلات اللواتي،
يَمْضَغْن الطَعام بشراهة وآباطهنَّ
نتنة. تَعدّين نَفْسكِ مِن طَبَقة أرْقى وأنا سَجَّلْتُ ضدّكِ عدَّة
ملاحظات تديْنكِ. لا أمانعُ انْتقادكِ لبعْض المظاهر الغَريبة
عنْد النَّاس، وَشَكوْتُ منْكِ ومِن انْفعالاتكِ حين نُدْعى الى
حَفْل زَفاف، أو حين نَتلامَس قَبْل النَّيْك في كوخ الحَقل.
"41".
كُنْتُ مُتردِّداً بسحْب القارب الى الضفّة، وأنْتِ سارعْتِ للامْساك
بنوافذ الغيوم المُتراصَّة. هَل يَتَوجَّب عَليْنا تَكفّل ضيافة الغُرباء
أثناء اندفاعهم الى البراري؟ أنتِ تعتقدين انَّنا نمْتلكُ ما يليق بكلّ
عابر، لكن الحفاوة بالغير تتطلَّبُ أن نحْصل على امتيازات مِن
الآلهة. في شَبابي شَربْتُ البيرة مَعَ عرائس البَحر ورأيتُ جَمال
السيراميك الذي يُزيّنُ أصْداغهنَّ. طَبْعاً كان هذا قَبْل أن التقيكِ
وأنتِ بجمالكِ الفوضوي، تضعين فوق ركْبَتيكِ قبعتكِ المنْسوجة
مِن فَرو الثعالب. كان الحُبّ فعل ثقافة يطْمئنُّ اليه العاشق ومعَ
انَّهُ يخْلو مِن الأفْياء المُدلَّاة. احتجْنا لادامته الى تَقَنية وَعَرفْنا أن
لا مَجال للاستخْفاف بعظمته.
"42".
الكَثير مِن ما تَقوله لي عَن ماضي حَياتها، يظلُّ بالنسْبة لي
غير قابل للتَصْديق، وفي خُطَّتي لجَعْلها لا تَتَحرَّجُ مِن أَيّ
اسْتهْتار في رواية حُبّها الأَوَّل. سَمحْتُ لَها بالعَودَة الى زَمَن
المُراهقة لأكْتَشف طَريقة تَفْكيرها عَن عَمل الأَدلاَّء في بَرّيَّة
النَّيْك. فَتاة في السادسة عشرة مِن عُمْرها فَقَدت الاهتمام بكلِّ
ما يَمت بصلة للعَناكب المُعلَّقة على الحائط، وَحاوَلَت التَمتّع
مَع المَحْبوب. حكاية جَميلة. بَرَّرْتُ لَها هذا الشيء، لكنَّها
صَدَمتْني بسؤال عَن الكيْفية التي ضاجعْتُ فيها أَوَّل امرأة في
حَياتي. أخْبَرتها كاذباً انَّني كُنتُ في مُراهقتي قَد تَملَّكْتُ فَتاة
وتَمَلَّكَتْني، عُمرها يُقارب عُمْري. كانت لحْظة مروعة حين
عَلِمَتْ انَّنا لَم نَتَنايَك.
"43".
كَيْلا تساوركِ الشكوك مِن فكْرة اطلاق النار على نَفْسي،
أو الانتحار مِن أعلى بناية في المَدينة. تَركْتكِ وَحيدة
تَسْتَريح على وَجْهكِ الأيَّام المُرتَّبة التي أمْضَيْناها مَعاً.
أنتِ امرأة متناقضة وعلى الرغم مِن عَدَم ولعكِ باطفاء
الشموع الضامرة للعُمْر، تٌفضِّلين أن يحْظر عليّ تَبنّي
إلهة صَغيرة. البَعض مِمَّن يَعْرفكِ يَقول عَنْكِ، انَّكِ لَكِ
أكْثَر مِن حزام، وتحاولين اجتياز البَرّيَّة الكَبيرة للسَرير
في لحظات الصحّة والمَرض. لَكَمْتُ حائط الماضي
وعدْتُ الى البَيْت أتَبادل القُبْلات مَع أثْوابكِ الميتة.
"44".
تُطيلين النَظَر الى وَجْهكِ في المرآة وأعْرف غروركِ.
مُقيَّدة بحبال كهولتكِ وتتأفَّفين، كأنَّكِ عجوز تَعود مِن
المَتْجَرّ بَعد أن باعت حَليب معزتها. هاهي علبة زينَتكِ
التي قَذفتِها في الطوفان، تَرْتدُّ عَليكِ وأنْتِ لا تمْلكين ما
لسواكِ مِن النساء في حلبة الرَقْص. بالنسْبة لي فقَد لبثْتُ
في كوخ السأم، أتوسَّلُ الى الله مِن أجل أن يُخلِّصني مِن
الرقود على عشب المَرض. للاحتفاء بالثأر مِن الزَمَن
يَتَوجَّبُ عَلَيْنا اقْتفاء أثر الذين ماتوا، والتنازل الالزامي
عَن الرَغْبَة في الخلود. مَبْعَث أمل لِمَن أحْرَقَت الصاعقة
محاصيلهم.
"45".
أَمْضَيْنا الصَيْف بَعيداً عَن المَخْدوعين الذين يَغْزلون صوف تذمّرهم
مِن الأوقات الثقيلة، وكُنْتِ أنْتِ تعتَقدين انَّنا قَد أسأنا الى صاحب
النزل. أنا رأيْته أكثَر مِن مَرَّة في المَدينة يَرْمي مخْطوطات غَريبة
بالجَداول الضَحْلة، ويحوِّلُ الأشْجار الى قبور مُحطَّمة.
أوْضَحْتُ لَكِ صعوبة العَيْش مَعَ الآخرين، وأعْلَمُ أن خبْرَتكِ في ما
يَتَوجَّسُ مِنْه الأطبّاء. ضَئيلة ولا تسْعفكِ في عبور الطريق المُسيَّج.
هَل تتذكَّرين تلْك السَهْرة الفاشلة في الحانة التي التقيْنا فيها الشاعر
العجوز؟ كان يكْتب على الآلة الكاتبة خيباته ويقرأها عَلَيْنا.
أكْثَر الشعراء ليسوا كفؤين وطَبْعاً أنا لا أبرىء نَفْسي مِنْهم.
كانت السوق التي يقْصدها بَعد الظَهيرة مالك العقارات البَخيل،
زاعماً انَّهُ يشاركنا ازْدراء المرور بالأبْواب المُقْفلة. مليئة بالذين
يَقْترفون الاثم ولا يؤمنون بأيّ إله. أتَخيَّلكِ في حَياتكِ الفَرْدية لا
تَهمّكِ المُخدَّرات، ولا ضرورة اللقاء بمعالجكِ النَفْسي. كان عَليك
أن تَسْتَمرّي بطلاء أظافرك وَعَدم التَقرّب مِن الأفْظاظ الذين يهزّون
ظلال الأبْنية أثناء تساقط الثلج. الشرّ الآن يتعاظم في العالم أكثر مِن
أيّ وقْت مَضى، وأخْشى أن يقْتادنا التَجمّع مَعَ الحشود الى أن نتلقَّى
جَزاء اتّصالنا الوَثيق بهم.
"46".
يُيسِّرُ لَكِ تَنْظيم العلاقة مَعَ موظَّف استعلامات الفندق،
أن تَنْدَمجي مَعَ مِمَّن يحوزون أطواق النَجاة أثناء الغَرق.
أخْتكِ رَكَنَت سيَّارتها قُرب سياج الحَديقة وَرَحلت تطوف
العالم، وأنتِ تعلمين غيرتها الشَديدة مِن النساء العاشقات
وارتيابها وَعَدم مشاركتنا ما نفْعله في البيت. هَل دَعاها
الالحاح مِن قبل الآلهة الى دخول الفردوس قَبل أن تَترجَّل
مِن مَركبة حَياتها؟ أقْفَلتُ الهاتف وانتطرْتكِ على أمل أن
نَحْصل على البضائع التي تتركها السيدات في الفندق.
لكُثْرة ما بكِ مِن غبار الشاحنات، جَعلْتِ رَماد الماضي
يعاودنا ولَم نجد ظلال الشاطىء الذي يُمْكننا النَوم عندها.
حَرصْتُ دائماً على اقْناعكِ، مَع وفرة الطَرائد في الليل،
أن تَبْتَعدي عَن الذين يُحرِّضون القنبلة على الانفجار،
لكنَّكِ أقْصَيْتِ الأشياء الجميلة مِن عالمكِ، وما عاد يهمّكِ
أيّ مشْروع يكْفل لَنا الاتصال بالموتى. حَياتي مَعكِ كانت
على الدوام خسارة فادحة.
"47".
سَوَّغْتُ لَكِ مخالَفة ما أمَرَكِ بهِ الطَبيب، وأنْتِ تَعْلَمين
أن القنْديل المُهَدىء للحُبِّ يَسْتَجيبُ لندائكِ لَو أردتِ
الشفاء مِن ما تَرْتابين مِنْه، ويُسبِّبُ لَكِ الأذى. اصْطحابي
لَكِ الى البار وأنتِ غيورة وَحَزينة، حَياة مُضاعة ولا
يوْرثكِ السأم تكْرار الأحجية عَن حَياتنا الخاصَّة. في
صندوق سيَّارتكِ الشوَّاية واللحم والبيرة، والظَهيرة
أكْثَر مِن رائعة، لكنَّ احْتكاككِ بأقْمشة الغيوم وَعَدم
تَحوّلكِ الى مشاهدة الأيائل وهي تطْفر سياج الحَقْل.
كان نَذير شؤم بالنسْبَة لي. سافَرْتِ الصَيْف الماضي
مَعَ شلّة مخاتلة مِن الغُرَباء الى طنْجة تحاولين رَمي
الأنْفاق في الطَريق التي أسْلكها حين ذهابي الى العَمل،
وأنتِ تعْلمين انَّني أفْضَلُ مَن يَعْتَمدهُ ملاك الحُبّ في
ايْصال رسالته الى المَحْبوب وَحَنانه المُخيف. مدْمِنو
الجَزع تَحَمَّلوا سَنَوات الهجْران، والبَعَض مِنْهم لبَّد
بالفراغ الأيَّام المُتَّضعة. أغْلَظْتُ لَكِ الكلام وأنْبأتكِ أن
التَزوّد بمؤونة كافية قَبل الشروع بالرحلة، يطيل العُمر
وينْبغي تَجَنّب الاعتماد على الغَير.
"48".
أشاطركِ الارْتياب مِن التَبضَّع بدافع الحاجة الى ما يَرْتَهنُ
بهِ جَمال وَجْهكِ اللاهب. المحال التجارية وصالات العَرض
والميادين المليئة بأفياء النهار المُجنَّحة، تَجْتَذبُ الذين يحْسنون
مجازاة الآلهة لَهُم. ثَرْوَتكِ التي لا يُبْليها الزَمَن هي السَكينة
التي لا تُضاهى لشَجَرة الغيوم التي تنوحُ في عَيْنَيكِ، وأنا كَما
تَعْلَمين أفْتَدي حَقل دموعكِ بروحي. جاءت الشاحنة وأنتِ
كَدَّسْتِ فيها البَضائع والنَوابض المَلْفوفة لتابوتكِ، وعلى الرغم
مِن تَفْتيتي للصخرة المُتَكتِّمة التي سأدْفنكِ تَحْتها. أحاولُ أن
أبْقى مُبَرَّاً مِن ذَنْب الحَياة التي عشْتها مَعكِ أزيحُ الفراء عَن
البئر. كُلّ يَوم تحاذي الشمْس الزَغب الجَميل في علامة قَبْركِ،
وَبَدل أن تَتَنسّكي، فأنَّكِ تُخالفين شَرْط الحُبّ الذي بَهَرني به
الزَمَن المتناوب لجمالكِ.
"49".
تَلَقَّى العُشَّاق طوال العصور التَقْدير الكامل مِن لدُن الله،
وَحَصَلوا عبر اتّصالهم به على تَلْبية حَوائجهم كلّها.
المَفْتونون بالجَمال تَعَرَّضوا للاصابات بسهام الصَواعق
وأَطْلَقْنا عَلَيْهم التَسْمية الجَليلَة" أَهْل التَبَرّم مِن الحُكَماء".
أَنا نَقْسي بصفَتي أَحَدهم، وَمَعَ أن الشاعرة التي أحْبَبتْها طوال
حَياتي، على النَقيض مِنِّي ولا تشْبهني. لَم أَقْنَطُ مِن رَحْمَة
رَبَّي وَقَنَعْتُ بنَصيبي مِن مَصائب الغرام والسَهَر والهجْران.
الشَهامة في طَلَب وصال المَحْبوب بَلية لا تعادلها أَيَّة بَلية
أُخْرى في العالم.
"50".
لَيْسَت القَطيْعَة مَعَ المحبوبَة كارثة، وَمَعَ ندْرَة العلاج إِذا
اشْتَدَّت المَواجيد. نلْجَأُ الى طَلَب المَعونة مِن الله ونَتَطلَّعُ
للحْظة الوصال التي لا ينْهكها تَفاديْنا للفائض مِن وَقْت
الفراق. كُثْرَة تَوسّلاتي لانخيدوانا الجَميلة وَرَغْبَتي في تَجْديد
العَهد مَعها دائماً، أَورَثَتني العوز ونَصيْبي مِن مَحَبَّتها
أَلْجأني الى الافْراط في أَن أهيءُ نِفْسي للمَوت وأَطْنبُ
في مَديح حَظَّي بتَلقَّي البَلايا. أُديْنَت تَجارب كَثيرة في
الحُبِّ، لكنَّ ميْراثنا مِنْه فيه أَشْياء مُرَوَّعة وَتدْخلنا قَبل
التَمرّن على الغَرق الى الأرض التي لا يَنْفَصل فيها
العاشق عَن العاشقة.
"51".
تمْثالان مِن حَجَر البازلت وَضَعهما العُشَّاق لي ولَها
على طَريق الأَبَدية، وكُلّ عَمَل يُخَلِّدُ غَرْقى الحُبّ.
يَكون التَشاور فيه مَعَ المُحبِّين معْجزة يَتَماهون فيها
مَعَ دوافعهم للخلود. في القَانون الإلهي حَول المنافسة
واللاتوافق مَعَ العاشقة بالعَيْش تَحْت سَعير جَمْرة الحُبّ،
يَحْتاج العاشق الى وجود بَعض المراقبين الذين يُمْكن
امْتداحهم. بالنسْبَة لي، نَدمْتُ مَرَّات مُتَعدِّدة على فُقْداني
لانخيدوانا التي جاءت إِليّ مِن الفرْدوس، ولَو كانَت لي
الدراية في معادلَتها بروحي لِما حالَ بَيْني وَبَيْن المَرأة
التي أَحْبَبْتها، هذا التَباين في عَدَم الاسْتجابة للالْتماس
الذي قَدَّمْته الى الله للخلاص مِن هسْتيريا الغياب.
"52".
بمفارَقة صَعْبَة لكُلِّ ما تَعاقَب عليّ مِن شرور ومشاحنات،
أُتيْحَ لي الافْلات مِن العَيْش بَيْن الجَميلات اللواتي عَرَفْتهنَّ
في شَبابي. الأَلَم فَناء مَنْزل يصْلح للسَكن مهما قَلَّ زَمَن
الوصال، لكنَّ التوتّرات فيه، يُخْشى مِنْها على الدَوام.
امرأة كَثيرة الحنان قَبَّلَتْني وَرَكَبت القطار ولَم تَعد، وامرأة
صَبَغَت شَعْرها لاثبات البراءة مِن كَوْنها عاهرة، والثالثة
ذات الحَواجب المُزجَّجة. اشْتَرَكتْ مَع الثانية في تَدْمير ما
ذَخَرْته وحاولتُ صيانته. اسْتَقَلَّت عَنّي وأسْرَفَت في القَطيْعَة.
يلْزمنا أَثْناء التَصَدَّي للذين يَقْنصون بالحيْلَة، أَن لا نحاول
الكَسْب. الانْعامات نَتَلقَّاها مِن الله وَهوَ الذي يَمْنحنا النَبيذ والخُبْز.
"53".
قالَت: أنْتَ كَبرْت وَمَباضع الطَبيْب أَحْدَثَت في جسْمك
الندوب. أَيَّاً كانَت الطَريقَة التي أنْهي فيها حَياتي مَعها،
سأبْقى أشاركها الرَغْبة ولا أكْتَرث لِما حَصَلْتُ عَلَيْه مِن
العكازة التي تشْعرني بالغثيان. يُهَيءُ العاشق أَكْثَر مِن
كَيْفية لارسال نذوره الى العاشقة، لكنَّ الاتحاد في الحُبِّ
يلْغي امْكانية مَوتي وَحيداً. أريدُ أن أكابد ولا أريد الكَفّ
عَن تَوْجيه اللوم الى المُنْفَصمين. تَزَيَّنْتُ الآن، وَتَملّك نار
فراق المَحْبوبَة، رَهين بِما لا يَتَهشَّمُ في قارب الطاقة على
البَلْوى.
الى / آنَّا الشَفيعة.
قتلتني وأنبرت تسأل بي:
أيُّها الناسُ لِمَن هذا القَتيلُ؟
مهيار الديلمي.
"1".
تَضْطَجعين بَعد الغَداء عَلى الأريكة وَتُساومين تَلاقي
الأشْجار في الظَهيرَة التي ماتَتَ وَتَحَلَّلَت. اللحظة
المُنْبَثقة مِن البركان تَنْفَجرُ برِّقة والماضي لا يَعود.
لماذا سواكِ مِن النساء لا يحْرصْنَ على الاحتفاظ
بشَبابهنَّ؟ الآخَرون خَرَجوا ليصطادوا طائر الرَغْبَة
المُنَقَّط وأنْتِ تَنْتَظرين أن يَتَجَلَّى لَكِ الله بَعد شرابكِ
نصف لتر مِن الفودكا. إشارة مُسْتَفْسِرة أتَلَقَّاها أثْناء
نَوم القَيْلولَة وأحْدسُ انَكِ سَتَحْتَرقين في مَرسى
الأيَّام. ضياء وَجْهكِ المُرْعب يشارك النَدى تَوْزيْعه
البذار عَلى المُنْعَزلين. وَجَّهَ الدَعْوَة اليكِ أكْثَر مِن
ضَيْف للرَقْص والصَيْد وأحَبّتْكِ شعوب الصَيْف.
كُنْتِ مُتَغَطّرسة وَتَملأين وعاء سخْطكِ بالسهام
المُزْدوجة وَلا تَشْتَركين مَعَ فُرْسان الطِّراد حين
يَكْمنون للنجوم بالأحْراش. التَقَيْتكِ عام 2001
عند باب المَصْعَد وَكانَت تَنّورتكِ المُزغْردة تَقْذفُ
الشَرر. جَسَدكِ الجَريء التَصَقَ بي وَصَرَخْناً مَعاً
في الليل. بَعد الجنس كُنْتُ أحاولُ أن أنْسى القردة
التي هَجَرَتْني وَبَكيْتُ طَويلاً. طَبَخْتِ بَعض الأشياء
التي بَدَت لي غَريبة بسَبب التَوابل التي لَم اعتدها
وَعاوَدْنا الشَراب. أنتِ أوَّل امرأة أعرفها وَيَطيبُ
لي الغوص في بِرْكَتها التي تُنَدّي خَسارَتي في ما
رَغْبْتُ بامتلاكه. سواكِ ذرق عصفور يُلَطِّخ فوطَة
الثَمَرَة.
"2".
بَعد الاجهاز على قارورة العرق في كلّ لَيلة،
يَكون جهازي العَصَبي قَد تَدمَّر كلّه وأحاول
الغناء حَسَب الطريقة الشَعبية. عَن ماذا أغني؟
ربما عَن امرأة لا بظر لَها ولا أثداء. وجبات
الطعام الخَفيفة قَبل الشَراب، لا تساعد الزُبّ
على النعظ، والمرء يكابد طوال النَهار مَع
الغير في انتظامه أمام كارثة الدوام بدائرة العَمل.
محيط اجتماعي بائس يصعب اختراقه والعيش
فيه، أحاولُ عَدم الدنو مِنه. أنتِ تَتحمَّلين الذي
سيحلّ بي، قلتُ هذا الكلام الى امرأة أحببتها
فَهَجَرتني وفضَّلَت عليّ العجوز صاحب الزُبّ
الرخو. ندبتُ حظَّي وأضعتُ معها كلّ اتصال.
"3".
الابطاء في القذف أو سرعته، لا يهمّني وفكرة العجز
عَن الانتصاب تفزعني. البعض يلجأ الى الرُّقى ولا
يخجل مِن تكرار التفاهات.
أحياناً أستعيد الخِدَع القديمة وأقول لزوجتي انني
سأذهب يوم غد الى زيارة صديق مريض.
أذهب الى المبغى وأختار فتاة لا بأس بها.
زعزعة الحياة الزوجية لا تحتاج الى مجادلة،
ويُمكن للزوج والزوجة التغلّب على مشاكلهما
وترك الأسرَّة التي لَم تُستكْمل بَعد.
أستفيقُ مِن نوم القيلولة وأرى الاضطراب في
المُجتمع، والبَشَر لا يأبهون للظهيرة التي تشْفط
النسيم وتبقي على الهراوات.
"4".
قَبل الحَصاد ذَهبتُ مَعها الى الحقل،
وكانت قَد أخبَرتني أن في صندوق
سيارتها أكثر مِن 5 زجاجات نبيذ أحمر.
التخلّص مِن اللحظات الجرداء والغَداء
في الحقول، فكرة عظيمة. أتحاملُ دائماً
وأنا أسمعها تُدندنُ في المطبخ وتقلي
السَمك، أو تُقشِّر رؤوس البَصل. هَل يمكننا
أن نتنايك وهي تحمل السكين وتُقطِّع
الخبز؟ مَرَّ بنا بَعض الموتى ولبَّوا دعوتنا
لِهم على الغَداء. انقَضَت الظهيرة ورَغبوا
العودة مَعنا الى المنزل. تَجَمَّدَت في دموعي
البتلات وزوجتي على عجالتها قالت لَهم:
"نحنُ لا ننفق المال مِن أجل العيش معكم".
السبَّاحون غَطَسوا في الحانة وأكملنا معهم
الشراب.
"5".
نتلامسُ أنا وأنتِ قَبل الذهاب الى السرير،
وأغلب كلامنا توريات.
مدمنو مَرض الاتصال بالغَرقى، ينفصلون
عَن ذواتهم أثناء الغوص في بئر الجماع،
ولا تكلّف في ما بَينهم.
كتبتُ اليكِ قَبل ولادتي
انَّني يقلقني البعد عنكِ،
وكنتِ تمسكين الحَربة
المُتنزّهة بَين فخذيكِ.
تعرَّضتُ الى أكثر مِن
صَدمة وأنا أهزّكِ وأتلقَّى
الثمار مِن تباهيكِ بِما
تفعَلينه بي. شَعَر عانتكِ
شراع المركب الذي ينقلني
الى أرض الذروة، وأنتِ
لا تتأفَّفين في فترات الطمث.
"6".
البعض مِن ذوي الأطماع تحالفوا مَع السَحَرة
ضدّي، ولَن يسوءَني انَّهُم يحاولون نيل رضاكِ.
في جسدي ميزتين أنت تحبينهما.
تراطم الثيران
والرهز الوثني.
تُكبّلينني بالأصفاد،
واتخذ التدابير لكي
لا أحقد عليكِ. ألاحقكِ.
أعضّكِ، ألحَسكِ، أصْعَدكِ،
وكلّ شيء لدي رهين في
دهليزكِ غير المرئي.
"7".
تغزلُ افروديت في المطبخ وتشرب الجنّ بالليمون.
أسمعها تُغنّي ولا أريد الاقتراب منها، لئلا تنتهي
الفرادة في هذه اللحظة. مِن أعراض مرضي حين
النوم معها، الرعشة وعدم الكلام والانقضاض بقوَّة
على الثمرة. مراسم الدخول في القبر، تتطلَّبُ منّي
أن لا أبقى بلا حراك. أظنُّ نفسي انَّني سأموت ولا
أشبع مِن شمّ العطور، وفرجها لا تنتهي مؤونته مهما
طال الزَمن.
"8".
نَّيْككِ والعيون مغمضة، لحظة جُوِّفت فيها
رغبة الامتناع عَن انضاج الرغيف، والرغيف
لا ينضج إلاَّ اذا التهبت الشعلة العميقة للدموع.
ألق النجمة في توتّركِ وأنتِ تتأوَّهين وتزدادين
ضراوة، يسعفني في الدخول الى الجاذبية ولا
نماء إلاَّ حين تتقطّع أنفاسي وأنفاسكِ.
تبدَّدت الابر الضخمة للذَّة،
وغمستُ المجذاف في مياه نهركِ،
وصعب عليّ الاياب مِن أرض
الدعابات التي نمتُ فيها معكِ.
"9".
مُدركاً حاجتكِ الى تغيير الطقس والشوَّاية التي شُغِفْتِ
بما أضعهُ عليها مِن لحوم الطرائد.
مسحتُ المرايا في غرفة النوم
وسقيتُ الزهور
والتوابل تتأوَّه في المطبخ
والنعناع في ابريق الشاي.
المُحبّون بعد الذهاب الى حديقة النَّيْك
يزدادون نباهة، وفي فرارهم مِن الظلام
الرزين للظهيرة المرخية.
يُشيّدون أبنية ويدكّون الأوتاد في الحُفَر.
استدارتكِ وأنتِ تنتهكين حُرمة كُل شيء
وتنظرين إليّ، وسرعة أنفاسكِ التي ليس
لَها ما يفوقها. يتعاونان ضدّي وأقاسي الميل
الى عناقكِ ومضاجعتكِ.
"10".
تُصفَّفين شَعركِ وتنزعين عنكِ الهراء الفاتر للنسك.
أنتِ فظَّة وبعض النساء يحلو للمرء اغراؤهنَّ بتبادل
الهدايا. تحدَّدت ساعة مَوتي مع موتكِ، وأنتِ تسخرين
مِن فزعي حين أذوب في نار بئركِ التي تغلي.
لماذا تضاعفين علي العضّ وتقبضين على فروة رأسي
وأنت غضبى وترهزين والجمر يتطاير مِن أنفاسك؟
ترفعين فخذيكِ وتعجِّلين بضربي في الفأس، وأنا لا
أملك إلاَّ الوثبة للتناوب على السقوط فوق اللوز المشتعل
لجسدكِ.
"11"
شيَع كثيرة عرفتها في الماضي وكانت تُربّي الغزلان.
البعض منها أخذت كفايتها مِن ما يُجمِّلُ موتها، وأنتِ
بوصفكِ الجميلة في كُلّ العصور.
هزَّة الانتصاب أثناء تعرَّيكِ،
والحرير يلمعُ في قفاكِ.
تضفي على نفسي البهجة.
كُلّ ما بَين نهديكِ وفخذيكِ،
أقبِّلهُ بتَوقِّر وأنتِ تتنهَّدين
وتضغطين وتنفصلين عَن
نفسك، وتدخلين في برَّيِّة جسدي.
"12".
أحفرُ ما بيني وبينكِ الخندق وأنتِ تغازلين
أثناء الجماع، الحليب الذي تتعطَّشين اليه.
تستلقين على السرير وتثيرين بي الحميَّة
فأرفعُ وجهكِ اللهبي وأقبِّلكِ وترتخي الرزَّة.
نلتُ لديكِ الحظوة وأنتِ تدخلين المحراث
في تنَّوركِ، وتتمرَّنين على موتكِ قَبل قدومه.
"13".
رأيتُ افروديت تغبشُ وتتقدَّمُ في السنّ
ولا يساورها الشكّ مِن الزَمَن المُهيأ
للاندثار. تَعوَّدتْ وأُبتليتْ بتلقَّي الصحة
الدائمة مِن الله. نتلامسُ وأهجسُ انَّها
لا تريد أن نفترق بَعد الموت. تتحسَّسُ
القش والمنقار وتتنهَّد بسرعة، فأسمع
صوت الفراولة التي تطلق شعاعها نحو
الرغبة في التعرَّي. بعد القذف تذهب
الى الاغتسال وتطيل مكوثها في الحمَّام.
أنعظُ وتتعاظم عندي الحُمَّى. الأفضل أن
أروِّضُ الوحش سواء كان نائماً أو قائماً.
رغبتُ في الهجوم على الوعّاظ وعانيتُ
مرارة ما يصلني مِن المُسنّين.
"14".
سخطكِ علي يسوءَني ويتعذَّر أن أصف لكِ
شعوري. تقرّين انَّكِ بعد النَّيْك تشعرين بما
تشعر به البذرة العطشى، وأنا أحاولُ أن ألبّي
حاجتكِ وأرضيكِ. زيادة احساسكِ بالانتساب
الى زُمرة المسعورين، ينجيني مِن الأصائل التي
تخيف مراكب الغيوم. ثبت لدي الآن بعد أن
زرعت في داخكِ النطفة، انَّكِ تثأرين مِن قُصر
العُمر، وتُحركّكِ الرغبة في المزيد مِن النَّيْك.
"15".
تحتاجين مثلي الى ارواء الأجمة فأضمّكِ إليّ
وذراعكِ على بطني، تتلمَّسين الزغب. أعانقكِ
وأضعُ على خدَّيكِ الزبيب والسمسم.
سريرنا يعلو فيه بريق اللذَّة، وضمَّة الثديين
تتحوَّل الى اثم اقترفه وتغفرين لي.
أعضّكِ وتواصلين الضلال متأوّهة،
وسرَّتكِ النبع الذي يروي العطشان.
أعرفكِ لا ترضين إلاَّ بتقديم المزيد
مِن الثمار التي تدفعني الى الزلَّة.
"16".
ودادي لكِ شراكة ونتقاسمُ فيه التشبّث بدوام العُمر،
وسواكِ مِن البنات أغلبهنَّ تحرَّرنَ ومنعنَ أنفسهنَّ
مِن الاستلقاء على الأسرَّة التي تنهش دغلها الشمس.
وقفتكِ المتحفّظة وأنا أتعرَّضُ لمخاطر الدخول
معكِ الى الجزيرة المعشبة، تعلَّمتُ منها الحذر
الواجب مِن ملاقاة الجنّية فيكِ. شلَّت مداعبتي
لبظركِ يدي وزعمتُ انَّني تغلبتُ على غيظي
منكِ، وانكببتُ عليكِ أحميكِ مِن رشقات السهام.
"17".
تمدَّدتُ على السرير أنظرُ الى العنكبوت،
وأنتِ ذهبتِ للتبوّل تشكين مِن الكوابيس
التي تفزعكِ وتلطِّخُ طعام الخُضَر الذي
طبخته أمّكِ في الظهيرة. تتقافزُ في نومكِ
الغيلان وتعلِّقين على مخدَّتكِ القش المُتيبّس
للوقت وبتقدّمكِ في السنّ.
تُروَّضين الوحش في
أعماقكِ عبر شراب الفودكا.
امتلكتُ معكِ أجمل الأزمان
وكنتُ تخافين انحناءة الغيمة،
ولي خبرة في لمس المجسَّات
وأفهم سبب انفصال النور عَن
الظلمة في حياة المُسنّين.
"18".
برفقة شَجَرة مهجورة تضرَّعتُ الى الله،
أن يلهمكِ طريقة ما تتجنَّبين فيها عبور
الفخاخ. تتكوَّمُ على طاولة الطعام في
مطبخكِ الأضاحي، وأنتِ بشفرتكِ الحادَّة
تحاولين ايقاع الضرر بي. أنتِ أضحية
مثلي وجمالكِ الذائب يندثر ويلتهمه السأم.
مستيقظة طوال الليل وتربضُ فوق رأسكِ
طاحونة الأيَّام، ولا أقوى على الفكاك مِن
تأفّفكِ وأنتِ تميلين الى العَيش مَع العجائز.
أصغي اليكِ وأنتِ تتأّوَّهين وتزرعين بذور
اليأس، ولا تبالين في الحجارة التي أتوسّدها
بأرض الوحدة الموحشة.
"19".
بَعد العشاء لمحتُ على وجهكِ مجذاف الرغبة،
وازدحم الغروب بالشُعَل الضخمة. دعوتكِ الى
حانة وكنتِ سخية وأظهرتِ أشياء اسودَّت منذ
زَمَن بعيد. مهمّة احاطتكِ بالدفء ليست سهلة
وكلّ ما أقوله لكِ، تشكِّكين فيه وتنكسر في داخلكِ
الأضواء العميقة لصوامع اللذَّة. دَنوتُ منكِ أحاول
لملمة شظايا تنهدّاتكِ ورأيتُ طائر نقَّار الخشب
يبني عشّه في شجَرة وَجهكِ.
"20"
أنتِ أكثر طمأنينة منّي حين نعبر الجسر ولا تُفكّرين
في السقوط الى الأعماق. تسيرين الى جانبي صامتة
والأعشاب الليّنة للظهيرة تتشظَّى وتجثم على ذراعيكِ.
البعض مِن المقتولين يتقدَّمون الينا ويعرضون جروحهم
المسوّدة، وأنتِ لا تبالين في الذين فرَّقتهم ضَربة المِدية
عَن ضوء النهار. بودّي أن أمتلك مثلكِ فضيلة النظر
باشمئزاز الى الغير، لكنَّني أعجزُ عَن مسايرتكِ وأنتِ
تتذمَّرين وتشعرين بالغيظ مِن الحشود التي تدخل رمل
التاريخ بلا نَدم.
"21".
حصلنا بعد الحصاد على المال وأنتِ ذهبتِ
تتنزَّهين في أرض غريبة. المنفيون عبروا
الجزر والتزموا بِما تمَّ فرضه عليهم، لكنَّكِ
فُتِنتِ بالتغيّرات في الفصول وترغبين أن
تكوني مثلهم. تكثرين علي اللوم وتغتاظين
مِن عَيشي في أرض محايدة، ولا تنامين تحت
النسمة المتصدّعة. بامكاني أن أتصنَّع تعزية
العريس في ليلة عرسه، وأن أتلامسُ مَع ما
يغريني في الدنو مِن الموت، لكنَّني يصعب
علي أن أستدير والتقط ما يسقط منّي. تركتُ
لكِ الفضّة وانشغلتُ أحاول أن أتأقلم مَع ابر
السأم بعد فراقكِ.
"22".
يمتدحكِ البعض ممن لا يعاودون النظر الى
شحنة الشرّ التي تتعاظم فيكِ، والمفترض أن
لا يطري عليكِ هؤلاء. تتحيَّنين الفُرصة في
التخلّص منّي ومِن أمّك النائمة في غرفتها،
وعيدان القصب تنزل حادَّة على الطرق التي
تمشين فيها. راقبتكِ وكانت تثيركِ الرائحة
القويَّة للحُمَّى المتنقّلة، وكنتِ تلوّحين للمرض
المسقي وفي يدكِ حجارة البركان.
حياتكِ تقاوم الرغبة الحاَّرة، ولا تتحرَّكين حين
تتهدَّم الصخور وتسقط مِن فوق الجبل.
لماذا تنطفىء شمس الصيف في جبينكِ،
وكلّ ما رغبتِ فيه اجتاز المقابر وتقدَّم
ينام في حضنكِ؟
"23".
نَجَت مِن الغرق دُميتكِ التي رَميتها في النَهر،
وأعلمُ انَّكِ الآن مُتكئة على جعبة سهامكِ ولا
تراوغين الذين يقفون في المراصد، مِن أجل
سلبكِ الريش الأزرق لشجرة حَياتكِ.
كنتُ معكِ أثناء حصاد القمح، وكان الجيران
يُكوِّمون أغطيتهم على الحزم المُنتحبة.
أسوأ ما فيكِ هو اصغائكِ الى العفاريت التي
تتحرَّكُ في أحلام اليقظة. صلَّيتُ الى الله عسى
أن يقبل صَلاتي، ويخلّصكِ مِن دموعكِ
المتواصلة. الزحمة في الطريق الى القبر، كبيرة
والنجوم فوق الآبار تدنو لتلامس جسدكِ البضّ
المُرتجف
"24".
لاقتناص لحظة تخلو مِن الريبة معكِ،
أرمي بقايا الماضي وأستعدّ لانفجار
النصل. لماذا تحبّذين التجوال بَين الأشجار
المتكسّرة، والرقود بلا تنفّس؟ سحبتكِ مِن
الهاوية تغمركِ ندف الثلج، وكنتِ ترتدين
شراع مَركب الهلع. أعرفُ الكثير مِن النساء
يرفلنَ بالعافية ولا يتأهّبنَ الى دخول الغابة.
انتهى البريق في عينيك
والليل أطال مكوثه على
أغصان رغبتكِ التي تجمَّدت.
"25".
مُبقياً على بعض الأشياء أحاولُ الاحتفاظ بشعوري
نحوكِ، وأريدُ أن أبوح لكِ بِما ألقاهُ حين تفترقين عنّي.
يُماحككِ السأم ولا تتلقَّينَ مِن الله النُعمى، وأنا مثلكِ
يصعب علي التكيّف مَع الذين
يساهمون في تدمير الظهيرة
التي نتضرَّعُ فيها ونطلب
الرجاء مِن المثاليين الغرقى.
حاجتنا الى الراحة بَعد رحلة
العذاب الطويلة، يجدر بِنا أن
نحرص عليها وأن لا نُكمِّمُ البوق
الذي يطلق الأصوات في جنازة
الماضي.
"26".
قريبان مِن بعضنا تتربَّصُ بِنا خِدَع العادات الزوجية
وهي تُراهنُ على مجيء طائر الخطَّاف، كما لو انه
سيخلّصها مِن التحسّر على أيَّام الشباب.
ذهبنا الى المطبخ فتعثَّرت وأمسكت القِدر المليء
بالرز، وثقلت عليها العواصف.
عيناها تتقافزُ فيهما الحباحب والبريق الجميل،
يعاينه كُلّ ضيف ندعوه الى الوليمة.
ترغبُ في اعادة تصميم ديكور غرفة النوم،
وأعرفُ انها تحاول التمويه على ما في داخلها.
حظوظي في ترضيتها ضئيلة ولا أستطيع أن
أصلح الآلات الميئوس مِنها.
"27".
تكوَّنت عندي وعندها على مرّ الأعوام،
الرغبة في الافلات مِن ابر الايمان الذي
يدنِّس العَيش، ومثلها أحاول طلب العون
ولو بالتلميح مِن بعض الآلهة الذين نسهر
معهم في الكافتيريا.
وصلنا الجزيرة ورأينا المعادن تثغو،
ورغبتُ أن لا يعاودها التفكير في
شرور يوم القيامة.
مرَّت بِنا ناقلة المواشي
وقالت:"هَل ستحصي التوابيت؟".
تسرَّعتُ في الاجابة وقلتُ:"لا".
"28".
لانارة الطريق الى الآبار وتلقَّي المُعجزة،
أحتاجُ الى ابتسامتكِ وأنتِ تودّعينني وفوق
رأسكِ الأفياء الخضر للمماشي.
غيرتكِ مِن المرأة التي تفرطُ في
اطلاق النار على الشحارير،
وبندقيتها المُزيَّتة تشبه تنكة
النفاية. امتياز عظيم يُمكِّنكِ
مِن الغلبة على الذين يُدمِّرون
الغابات بأفعالم البطولية.
"29".
يقظان في السرير أنفضُ عنَّي العطر الغامض
لخصلات شَعركِ، وأنتِ تزدادين بهاء في
عريكِ وتتلقَّين انذار الكابوس. شاهدتُ الغيلان
تسبقكِ في النزول الى المنحدر، وأيقظتكِ قبل
رمي نفسكِ. هَل كُتِب علي أن أستبق دائماً
لحظة سقوطكِ في الهاوية وأجنّبكِ مرض
الفراق؟ يُروَّعني تفكيركِ في الانتحار ولا
امكانية لي لأتبَّنى ما ترغبين فيه.
"30".
تعودين مِن العَمل منهكة وترصّين دموعكِ الفاخرة
على دولاب الثياب. أعانقكِ لأجنّبكِ التعثّر بثمرة
الخيانة، لكنّكِ لا تبالين ثمّ تشرعين برمي فرو النمور
والثعالب مِن الشرفة. كنتُ أنتسبُ الى زُمرة السكرانين
وما زلت، وأنت اعتدتِ الحياة معي على هذه الطريقة.
لا يمكنكِ الآن التخلَّي عن حماستكِ التي أعرفها، ولا
التراجع عَن ما شاركتكِ فيه. الصراحة معكِ تخرق
كلّ شيء وتوسّع المصائب.
"31".
لا أرغَبُ الآن رؤيَتكِ مُتَوسِّدة الظلال الموهنة للرَغبة.
حبّكِ المَسْعور والمُتْرع بأضواء شلاَّلات الرَهبة، طاقة
عَظيمة لَيْسَ بوسعي تَحمِّلُ ثقلها. صَمْتكِ يَقْسو على
اللحظة المُنْكَمشة للعناق وفراء السرير يَتَلمَّظُ وَيَتَلفَّع
بعريكِ الذي يَفيض على البَراري. رَبيع الموت قَريب
منّا وَنَسْمَع ثغاء ضواريه. المداعبة لَحظة مَصْعوقة ولا
شراع يَنْقذنا مِن الغَرق اذا وَصَل طوفان الجرح الى
العَتَبة المَهْجورة للشَيْخوخة. الزَمَن أغْرَقَت ذَخائره
الريشة التي غَرَسها الطَبيب في مُسْتَقْبَل الطَبيعة، وأنتِ
تَذْرفين الأيَّام ولا تبالين بالظمأ. نَدى لَيل الأرملة حول
عنقكِ يَتَلاشى في الظَهيرة وَيُرَفْرف لازورد الشَمس
المغناجة على مُحبّيكِ الساهرين. سَهم يُغنّي لنَهْديكِ
الظاهرين أثْناء عبوره فضاء الغبطة. ثعبان آدم الذي
علَّمه مداعبة غَريمه قَبل الشروع بحرث حَقَله.
32".
أغْفو وأتلقَّى مِن برْكان هجْرانكِ النَداوة.
"أنا وأنْتِ لا نُحِّبُ بَعْضنا"،
وعلى طَريقة الشاعر العذْري القَديم.
نُحِّبُ الجَمْرة المُتحرِّكة في الحُبِّ.
أعتَقدْتُ على الدوام أنَّني في مضاعفتي
لتدْمير ذاتي بغيابكِ، أحاولُ أن أطْفىء
عَطشي مِن نَبْعكِ الجامد.
لَحْظة المَوت التي أنْتظرها بَعْدَما شاب
رأسي، ويَئسْتُ مِن اشارة لطيفة مِنْكِ.
لا تَفي بوعْدها، وها أنا أخاطبكِ وأتحمَّل
ثقل ودادكِ، وأنْتِ عَذْراء ومَكْشوفة تَحْت
الأقْواس الباطنية للنجوم.
لا أسْتَطيع قبول وصالكِ وأنْتِ تحاولين
اسْتخْدامي مُجرَّد كيْفية للتَقَرب مِن ظلِّ
الزَمَن. المجاملة الغرامية خَطرة عليّ
وعَليْك، والارتباك في زلزال السَرير، لَهُ
الأفْضَليَّة بملامسة خًصلات شَعَر الزهْرة الدبقة
التي تُطوِّقكِ ضَعيفة وَوَحيدة في الفَجْر.
"33".
تواصلُ السيّدة في المَطْبَخ حياكة شَيء ما،
ولا تَشْعر بالاعتدال مَعَ الحَيوان الذي يَثْغو
وَيَقف بمحاذاة نَهارها النازف.
الفلاَّحون أجدادها وَصَلوا الى الصَخْرة
التي حَبَسوا فيها إلههم، وانتَزَعوا الاعتراف
منه. العَيْش في المُدن الغَريبة يَحْتاج الى
تَفاهم مَعَ المَصاعد النموذجية للأشْجار.
الأفياء مُنْهكة وَتَنْخَسفُ فيها الجَمْرَة
اللافحة للمُعْجزة، وَلَيْس بامكان المرء حين
تَخطّيه حاجز مَوته. تَحاشي اللّبدة المُمْتَلئة
بفصوص الخَواتم المُريبة للغَرقى التُعَساء.
نَظَراتها تُلاحقني وأسْمَع الثَغاء
يَنْطَلقُ بقوَّة مِن جِزَّة الصوف المَصْبوغة.
الظل يَتَمطَّى فوق جنازة طَعام
الغَداء وَهيَ لا يمْكنها أن تَثب وَتَتَخلَّص مِن خزانة أيَّامها
المُتَجمِّدة في الحَظائر.
"34".
يجرحني تمنّعكِ، وتقترب منّي المَنيَّة حين تتمايلين،
وأرى الغيوم التي نزلت على مهل مِن عينيكِ.
تضعين قدمكِ على فخذي وتفرطين في الدنوّ مِن
الايلاج، وأنا مثلكِ ألهثُ وأقترب مِن موتي.
عصا تفلتُ منّي وليتها تبقى منتصبة،
اعرضي جواهركِ وأنا مُمتنٌّ اليكِ،
وأحاولُ أن أثيركِ وأضع ابهامي في
بظركِ. مُنهمكان في الاغارة على
بعضنا البعض، نشهقُ ونزفر ونميلُ
الى تذوّق ثمار جسدينا.
تَقبَّلتُ الدخول الى بئر الوحش المُقبَّب،
ولَم أتوجَّس مِن الجرح الذي يتدثَّر بالجمر.
"35".
ما لا نمقته حين تأتي شهور القيظ، تُبدِّدهُ أوراق الأشجار
التي تُذهِّبُ ثدييكِ، وأنتِ تعلمين أن الحُبّ في نقائه. ضمَّة
ينتج عَنها غزل القطن ونسجه مَع الوردة.
يُؤمّنُ لَنا التَعرَّي قَبل التهتّك وملامسة المرتفعات
والمغاور، تجنَّب السقوط على الحافَّة المائلة للخمول.
وَرثنا مِن الذين سبقونا الحيل الكثيرة،
وكُلّ نومة قيلولة معكِ في النهار القائظ.
نتقاسمُ فيها الارتياع مِن الريش المتطاير للزَمَن.
"36".
كثيرون اندحروا وقلَّ نشاطهم، نتفوا شَعر آباطهم
ورموا آلاتهم في الهاوية.
أصعّدُ معكِ الرغبة وأنتِ ترفعين وجهكِ
وتنامين عليّ، وتدنين مِن موتكِ المُبَرَّأ مِن
الرعونة. أنتِ في الأعلى وأنا في الأسفل.
ألحسُ الشدق المُخيف والشِعْرة الرهيفة،
وأنتِ تمصّين الحربة وتسلبين منها الدموع
الفوَّارة.
"37".
تتلطَّفين باخفاء رغبتكِ ورموشكِ التي تشير الى
أن أشارككِ الدعابات والمشاحنات. أعرفُ منها
القصد. أفترض أن سواكِ من النساء يتقاسمنَ ما
يضفي الغبطة عليهنَّ مِن دون مواربة، وأنتِ غير
منشغلة في الفرو الذي يتساقط في فرْجكِ. حلمتُ
مثلكِ أثناء صراعي مَع الوحش الذي في داخلكِ،
بالطهر الذي يؤدَّي الى النومة المرتعشة بَين ضوء
جمالكِ والارتعاشة القويَّة في نهديكِ وشفتيكِ.
"38".
كُنتُ أدعوكِ الى النوم تَحت الأشجار المنتفخة الأرداف،
وكان الظل يضنيكِ ولا تتحقَّقينَ مِن موتكِ، إلاَّ حين
تشرق شمس ألوهَتكِ، وأنا في الحمَّام أليِّفُ جسدكِ
وأناولكِ كأس النبيذ والشموع تطلق شعلها المثيرة.
التنوّع في أشكال النَّيْك يضطرّني الى الخصومة معكِ،
وأنتِ ما بين العضَّة والعضَّة تخفركِ الأعشاب الزكية
المنطلقة مِن ابطيكِ.
لحظة فريدة انقطع فيها
مرور النسيم، وتوجَّب علينا
الاحتراق في نار الخلق.
"39".
سَقَطَ نَدى مِن القَمر على الصينية وعلى أطْباق الطَعام،
وأنا مِن الذين يرْهبهم هذا الإله الذي يسْتَحْوذ على النساء
أثناء فَترات حيْضهنَّ. وَصَفْتُ لجارتي وهي تضع الدخن
للطيور، على سياج شرْفَتها مَرارة دخوله في مَطْبَخي،
فأنْكَرَت فَرضية تَملّقه لَها ولغيْرها مِن النساء أثْناء الحيض.
تَجرَّعْتُ المَرارة وخرجْتُ مَع الكلب ليتبرَّز.
في مَدخل الغابة رأيْتُ شَجَرة تحْتَضر والى جانبها
تصْطفُّ الشلالات. قطفْتُ ثَمرة وأخْفيْتها بَين الأخْتام
التي أخْتمُ فيها رسائلي الى الربّ. عُلَماء الفلك أجْروا
على ما يحيط بالحقْل تغيّرات، وظننْتُ انَّهُم تَجشَّموا
العناء الكبير مِن أجل صدّ ما يتساقط مِن السَماء. أثْبَتَ
اكتشافهم للمَنيّ فَوق الأسرَّة التي يرْقد عَليها الإله الشَبق،
صحّة فرضيتي، لكنَّ الجارة التي بَين فخذيها الحَرير
المُبلَّل لتأمين احتياجاتها مِن الحوانيت، أخذت منّي
قطع النقد المعْدَنية و ذَيل الكلب رَهينة.
لذَّة دخول الأرض الرطْبة لا توازيها أيَّة لذَّة أُخْرى.
"40".
أقفُ على ضفّة النَهْر وأنتِ تَعْبرين في القارب الى الضفّة
الأخْرى، الله على يَمينكِ، والشَيْطان على يَساركِ. هَل لي
أن أضَع تَحْت وسادتكِ المورفين مِن أجل أن تَضجِّي بكلّ
التَعْبيرات اللطيفة التي عَرفْتها عنْكِ في الماضي؟ تَقولين
أن الأكل بالمطاعم تنْقصه الفيتامينات، وأنا أعرفُ سخْطكِ
على الفَتيات الجَميلات اللواتي،
يَمْضَغْن الطَعام بشراهة وآباطهنَّ
نتنة. تَعدّين نَفْسكِ مِن طَبَقة أرْقى وأنا سَجَّلْتُ ضدّكِ عدَّة
ملاحظات تديْنكِ. لا أمانعُ انْتقادكِ لبعْض المظاهر الغَريبة
عنْد النَّاس، وَشَكوْتُ منْكِ ومِن انْفعالاتكِ حين نُدْعى الى
حَفْل زَفاف، أو حين نَتلامَس قَبْل النَّيْك في كوخ الحَقل.
"41".
كُنْتُ مُتردِّداً بسحْب القارب الى الضفّة، وأنْتِ سارعْتِ للامْساك
بنوافذ الغيوم المُتراصَّة. هَل يَتَوجَّب عَليْنا تَكفّل ضيافة الغُرباء
أثناء اندفاعهم الى البراري؟ أنتِ تعتقدين انَّنا نمْتلكُ ما يليق بكلّ
عابر، لكن الحفاوة بالغير تتطلَّبُ أن نحْصل على امتيازات مِن
الآلهة. في شَبابي شَربْتُ البيرة مَعَ عرائس البَحر ورأيتُ جَمال
السيراميك الذي يُزيّنُ أصْداغهنَّ. طَبْعاً كان هذا قَبْل أن التقيكِ
وأنتِ بجمالكِ الفوضوي، تضعين فوق ركْبَتيكِ قبعتكِ المنْسوجة
مِن فَرو الثعالب. كان الحُبّ فعل ثقافة يطْمئنُّ اليه العاشق ومعَ
انَّهُ يخْلو مِن الأفْياء المُدلَّاة. احتجْنا لادامته الى تَقَنية وَعَرفْنا أن
لا مَجال للاستخْفاف بعظمته.
"42".
الكَثير مِن ما تَقوله لي عَن ماضي حَياتها، يظلُّ بالنسْبة لي
غير قابل للتَصْديق، وفي خُطَّتي لجَعْلها لا تَتَحرَّجُ مِن أَيّ
اسْتهْتار في رواية حُبّها الأَوَّل. سَمحْتُ لَها بالعَودَة الى زَمَن
المُراهقة لأكْتَشف طَريقة تَفْكيرها عَن عَمل الأَدلاَّء في بَرّيَّة
النَّيْك. فَتاة في السادسة عشرة مِن عُمْرها فَقَدت الاهتمام بكلِّ
ما يَمت بصلة للعَناكب المُعلَّقة على الحائط، وَحاوَلَت التَمتّع
مَع المَحْبوب. حكاية جَميلة. بَرَّرْتُ لَها هذا الشيء، لكنَّها
صَدَمتْني بسؤال عَن الكيْفية التي ضاجعْتُ فيها أَوَّل امرأة في
حَياتي. أخْبَرتها كاذباً انَّني كُنتُ في مُراهقتي قَد تَملَّكْتُ فَتاة
وتَمَلَّكَتْني، عُمرها يُقارب عُمْري. كانت لحْظة مروعة حين
عَلِمَتْ انَّنا لَم نَتَنايَك.
"43".
كَيْلا تساوركِ الشكوك مِن فكْرة اطلاق النار على نَفْسي،
أو الانتحار مِن أعلى بناية في المَدينة. تَركْتكِ وَحيدة
تَسْتَريح على وَجْهكِ الأيَّام المُرتَّبة التي أمْضَيْناها مَعاً.
أنتِ امرأة متناقضة وعلى الرغم مِن عَدَم ولعكِ باطفاء
الشموع الضامرة للعُمْر، تٌفضِّلين أن يحْظر عليّ تَبنّي
إلهة صَغيرة. البَعض مِمَّن يَعْرفكِ يَقول عَنْكِ، انَّكِ لَكِ
أكْثَر مِن حزام، وتحاولين اجتياز البَرّيَّة الكَبيرة للسَرير
في لحظات الصحّة والمَرض. لَكَمْتُ حائط الماضي
وعدْتُ الى البَيْت أتَبادل القُبْلات مَع أثْوابكِ الميتة.
"44".
تُطيلين النَظَر الى وَجْهكِ في المرآة وأعْرف غروركِ.
مُقيَّدة بحبال كهولتكِ وتتأفَّفين، كأنَّكِ عجوز تَعود مِن
المَتْجَرّ بَعد أن باعت حَليب معزتها. هاهي علبة زينَتكِ
التي قَذفتِها في الطوفان، تَرْتدُّ عَليكِ وأنْتِ لا تمْلكين ما
لسواكِ مِن النساء في حلبة الرَقْص. بالنسْبة لي فقَد لبثْتُ
في كوخ السأم، أتوسَّلُ الى الله مِن أجل أن يُخلِّصني مِن
الرقود على عشب المَرض. للاحتفاء بالثأر مِن الزَمَن
يَتَوجَّبُ عَلَيْنا اقْتفاء أثر الذين ماتوا، والتنازل الالزامي
عَن الرَغْبَة في الخلود. مَبْعَث أمل لِمَن أحْرَقَت الصاعقة
محاصيلهم.
"45".
أَمْضَيْنا الصَيْف بَعيداً عَن المَخْدوعين الذين يَغْزلون صوف تذمّرهم
مِن الأوقات الثقيلة، وكُنْتِ أنْتِ تعتَقدين انَّنا قَد أسأنا الى صاحب
النزل. أنا رأيْته أكثَر مِن مَرَّة في المَدينة يَرْمي مخْطوطات غَريبة
بالجَداول الضَحْلة، ويحوِّلُ الأشْجار الى قبور مُحطَّمة.
أوْضَحْتُ لَكِ صعوبة العَيْش مَعَ الآخرين، وأعْلَمُ أن خبْرَتكِ في ما
يَتَوجَّسُ مِنْه الأطبّاء. ضَئيلة ولا تسْعفكِ في عبور الطريق المُسيَّج.
هَل تتذكَّرين تلْك السَهْرة الفاشلة في الحانة التي التقيْنا فيها الشاعر
العجوز؟ كان يكْتب على الآلة الكاتبة خيباته ويقرأها عَلَيْنا.
أكْثَر الشعراء ليسوا كفؤين وطَبْعاً أنا لا أبرىء نَفْسي مِنْهم.
كانت السوق التي يقْصدها بَعد الظَهيرة مالك العقارات البَخيل،
زاعماً انَّهُ يشاركنا ازْدراء المرور بالأبْواب المُقْفلة. مليئة بالذين
يَقْترفون الاثم ولا يؤمنون بأيّ إله. أتَخيَّلكِ في حَياتكِ الفَرْدية لا
تَهمّكِ المُخدَّرات، ولا ضرورة اللقاء بمعالجكِ النَفْسي. كان عَليك
أن تَسْتَمرّي بطلاء أظافرك وَعَدم التَقرّب مِن الأفْظاظ الذين يهزّون
ظلال الأبْنية أثناء تساقط الثلج. الشرّ الآن يتعاظم في العالم أكثر مِن
أيّ وقْت مَضى، وأخْشى أن يقْتادنا التَجمّع مَعَ الحشود الى أن نتلقَّى
جَزاء اتّصالنا الوَثيق بهم.
"46".
يُيسِّرُ لَكِ تَنْظيم العلاقة مَعَ موظَّف استعلامات الفندق،
أن تَنْدَمجي مَعَ مِمَّن يحوزون أطواق النَجاة أثناء الغَرق.
أخْتكِ رَكَنَت سيَّارتها قُرب سياج الحَديقة وَرَحلت تطوف
العالم، وأنتِ تعلمين غيرتها الشَديدة مِن النساء العاشقات
وارتيابها وَعَدم مشاركتنا ما نفْعله في البيت. هَل دَعاها
الالحاح مِن قبل الآلهة الى دخول الفردوس قَبل أن تَترجَّل
مِن مَركبة حَياتها؟ أقْفَلتُ الهاتف وانتطرْتكِ على أمل أن
نَحْصل على البضائع التي تتركها السيدات في الفندق.
لكُثْرة ما بكِ مِن غبار الشاحنات، جَعلْتِ رَماد الماضي
يعاودنا ولَم نجد ظلال الشاطىء الذي يُمْكننا النَوم عندها.
حَرصْتُ دائماً على اقْناعكِ، مَع وفرة الطَرائد في الليل،
أن تَبْتَعدي عَن الذين يُحرِّضون القنبلة على الانفجار،
لكنَّكِ أقْصَيْتِ الأشياء الجميلة مِن عالمكِ، وما عاد يهمّكِ
أيّ مشْروع يكْفل لَنا الاتصال بالموتى. حَياتي مَعكِ كانت
على الدوام خسارة فادحة.
"47".
سَوَّغْتُ لَكِ مخالَفة ما أمَرَكِ بهِ الطَبيب، وأنْتِ تَعْلَمين
أن القنْديل المُهَدىء للحُبِّ يَسْتَجيبُ لندائكِ لَو أردتِ
الشفاء مِن ما تَرْتابين مِنْه، ويُسبِّبُ لَكِ الأذى. اصْطحابي
لَكِ الى البار وأنتِ غيورة وَحَزينة، حَياة مُضاعة ولا
يوْرثكِ السأم تكْرار الأحجية عَن حَياتنا الخاصَّة. في
صندوق سيَّارتكِ الشوَّاية واللحم والبيرة، والظَهيرة
أكْثَر مِن رائعة، لكنَّ احْتكاككِ بأقْمشة الغيوم وَعَدم
تَحوّلكِ الى مشاهدة الأيائل وهي تطْفر سياج الحَقْل.
كان نَذير شؤم بالنسْبَة لي. سافَرْتِ الصَيْف الماضي
مَعَ شلّة مخاتلة مِن الغُرَباء الى طنْجة تحاولين رَمي
الأنْفاق في الطَريق التي أسْلكها حين ذهابي الى العَمل،
وأنتِ تعْلمين انَّني أفْضَلُ مَن يَعْتَمدهُ ملاك الحُبّ في
ايْصال رسالته الى المَحْبوب وَحَنانه المُخيف. مدْمِنو
الجَزع تَحَمَّلوا سَنَوات الهجْران، والبَعَض مِنْهم لبَّد
بالفراغ الأيَّام المُتَّضعة. أغْلَظْتُ لَكِ الكلام وأنْبأتكِ أن
التَزوّد بمؤونة كافية قَبل الشروع بالرحلة، يطيل العُمر
وينْبغي تَجَنّب الاعتماد على الغَير.
"48".
أشاطركِ الارْتياب مِن التَبضَّع بدافع الحاجة الى ما يَرْتَهنُ
بهِ جَمال وَجْهكِ اللاهب. المحال التجارية وصالات العَرض
والميادين المليئة بأفياء النهار المُجنَّحة، تَجْتَذبُ الذين يحْسنون
مجازاة الآلهة لَهُم. ثَرْوَتكِ التي لا يُبْليها الزَمَن هي السَكينة
التي لا تُضاهى لشَجَرة الغيوم التي تنوحُ في عَيْنَيكِ، وأنا كَما
تَعْلَمين أفْتَدي حَقل دموعكِ بروحي. جاءت الشاحنة وأنتِ
كَدَّسْتِ فيها البَضائع والنَوابض المَلْفوفة لتابوتكِ، وعلى الرغم
مِن تَفْتيتي للصخرة المُتَكتِّمة التي سأدْفنكِ تَحْتها. أحاولُ أن
أبْقى مُبَرَّاً مِن ذَنْب الحَياة التي عشْتها مَعكِ أزيحُ الفراء عَن
البئر. كُلّ يَوم تحاذي الشمْس الزَغب الجَميل في علامة قَبْركِ،
وَبَدل أن تَتَنسّكي، فأنَّكِ تُخالفين شَرْط الحُبّ الذي بَهَرني به
الزَمَن المتناوب لجمالكِ.
"49".
تَلَقَّى العُشَّاق طوال العصور التَقْدير الكامل مِن لدُن الله،
وَحَصَلوا عبر اتّصالهم به على تَلْبية حَوائجهم كلّها.
المَفْتونون بالجَمال تَعَرَّضوا للاصابات بسهام الصَواعق
وأَطْلَقْنا عَلَيْهم التَسْمية الجَليلَة" أَهْل التَبَرّم مِن الحُكَماء".
أَنا نَقْسي بصفَتي أَحَدهم، وَمَعَ أن الشاعرة التي أحْبَبتْها طوال
حَياتي، على النَقيض مِنِّي ولا تشْبهني. لَم أَقْنَطُ مِن رَحْمَة
رَبَّي وَقَنَعْتُ بنَصيبي مِن مَصائب الغرام والسَهَر والهجْران.
الشَهامة في طَلَب وصال المَحْبوب بَلية لا تعادلها أَيَّة بَلية
أُخْرى في العالم.
"50".
لَيْسَت القَطيْعَة مَعَ المحبوبَة كارثة، وَمَعَ ندْرَة العلاج إِذا
اشْتَدَّت المَواجيد. نلْجَأُ الى طَلَب المَعونة مِن الله ونَتَطلَّعُ
للحْظة الوصال التي لا ينْهكها تَفاديْنا للفائض مِن وَقْت
الفراق. كُثْرَة تَوسّلاتي لانخيدوانا الجَميلة وَرَغْبَتي في تَجْديد
العَهد مَعها دائماً، أَورَثَتني العوز ونَصيْبي مِن مَحَبَّتها
أَلْجأني الى الافْراط في أَن أهيءُ نِفْسي للمَوت وأَطْنبُ
في مَديح حَظَّي بتَلقَّي البَلايا. أُديْنَت تَجارب كَثيرة في
الحُبِّ، لكنَّ ميْراثنا مِنْه فيه أَشْياء مُرَوَّعة وَتدْخلنا قَبل
التَمرّن على الغَرق الى الأرض التي لا يَنْفَصل فيها
العاشق عَن العاشقة.
"51".
تمْثالان مِن حَجَر البازلت وَضَعهما العُشَّاق لي ولَها
على طَريق الأَبَدية، وكُلّ عَمَل يُخَلِّدُ غَرْقى الحُبّ.
يَكون التَشاور فيه مَعَ المُحبِّين معْجزة يَتَماهون فيها
مَعَ دوافعهم للخلود. في القَانون الإلهي حَول المنافسة
واللاتوافق مَعَ العاشقة بالعَيْش تَحْت سَعير جَمْرة الحُبّ،
يَحْتاج العاشق الى وجود بَعض المراقبين الذين يُمْكن
امْتداحهم. بالنسْبَة لي، نَدمْتُ مَرَّات مُتَعدِّدة على فُقْداني
لانخيدوانا التي جاءت إِليّ مِن الفرْدوس، ولَو كانَت لي
الدراية في معادلَتها بروحي لِما حالَ بَيْني وَبَيْن المَرأة
التي أَحْبَبْتها، هذا التَباين في عَدَم الاسْتجابة للالْتماس
الذي قَدَّمْته الى الله للخلاص مِن هسْتيريا الغياب.
"52".
بمفارَقة صَعْبَة لكُلِّ ما تَعاقَب عليّ مِن شرور ومشاحنات،
أُتيْحَ لي الافْلات مِن العَيْش بَيْن الجَميلات اللواتي عَرَفْتهنَّ
في شَبابي. الأَلَم فَناء مَنْزل يصْلح للسَكن مهما قَلَّ زَمَن
الوصال، لكنَّ التوتّرات فيه، يُخْشى مِنْها على الدَوام.
امرأة كَثيرة الحنان قَبَّلَتْني وَرَكَبت القطار ولَم تَعد، وامرأة
صَبَغَت شَعْرها لاثبات البراءة مِن كَوْنها عاهرة، والثالثة
ذات الحَواجب المُزجَّجة. اشْتَرَكتْ مَع الثانية في تَدْمير ما
ذَخَرْته وحاولتُ صيانته. اسْتَقَلَّت عَنّي وأسْرَفَت في القَطيْعَة.
يلْزمنا أَثْناء التَصَدَّي للذين يَقْنصون بالحيْلَة، أَن لا نحاول
الكَسْب. الانْعامات نَتَلقَّاها مِن الله وَهوَ الذي يَمْنحنا النَبيذ والخُبْز.
"53".
قالَت: أنْتَ كَبرْت وَمَباضع الطَبيْب أَحْدَثَت في جسْمك
الندوب. أَيَّاً كانَت الطَريقَة التي أنْهي فيها حَياتي مَعها،
سأبْقى أشاركها الرَغْبة ولا أكْتَرث لِما حَصَلْتُ عَلَيْه مِن
العكازة التي تشْعرني بالغثيان. يُهَيءُ العاشق أَكْثَر مِن
كَيْفية لارسال نذوره الى العاشقة، لكنَّ الاتحاد في الحُبِّ
يلْغي امْكانية مَوتي وَحيداً. أريدُ أن أكابد ولا أريد الكَفّ
عَن تَوْجيه اللوم الى المُنْفَصمين. تَزَيَّنْتُ الآن، وَتَملّك نار
فراق المَحْبوبَة، رَهين بِما لا يَتَهشَّمُ في قارب الطاقة على
البَلْوى.