كرة القدم السي حاميد اليوسفي - الله يحفظنا ويحفظكم من التناوي في كرة القدم*

لن أتحدث عن تنظيم الكان والتجهيزات الرياضية وما يرتبط بها من بنية تحتية، فقد تم تغطية الموضوع من طرف العديد من وسائل الاعلام التي أثنت على المغرب، وأقرت بأنه رفع سقف التنظيم إلى مصاف الدول الكبرى في العالم.. ولن أتحدث عن الرواج الاقتصادي الذي يمكن ان يخلقه عدد السياح الذي ربما سيناهز هذه السنة ال 20 مليون سائح..[/HEADING]
نعم ربحنا أوراق التنظيم والتجهيز والاقتصاد، ولكن خسرنا الورقة التي تهم جمهور الكرة.. هذه الورقة هي ما سنحاول وضع اليد فيها على الجرح قبل الذهاب إلى كأس العالم..
بعد فسخ عقد المدرب البوسني خليلوزيتش، وتعيين وليد الركراكي، كان هذا الأخير يُطل علينا في ندواته الصحفية، ويطلب منا أن نعمل النية، ونردد في الملعب لازمة جمهور الوداد التي يحب سماعها (سير.. سير).. ويضيف إلى ذلك بعض المِلح، ويصف من يعمل النية بأنه يُساعد في جعل الكرة تضرب في العارضة وتخرج..
كنا نعمل النية عن طيب خاطر ونضحك.. وزاد من الحميمية بأن سمح لنا باستعمال الوصف الذي أطلقه عليه جمهور البيضاء "رأس لافوكا".. وكنا أيضا معجبين بطريقته في التعبير.. القليل منا كان يعلم بأن الرجل يفكر بالفرنسية، ويتحدث بلهجة مغربية تغلب عليها اللكنة الأمازيغية.. كنا نحب ذلك ونصفه بالنزاهة والمعقول.. أصبح المكان في المنتخب نسبيا لمن يستحق.. تراجع منطق المحسوبية خطوتين إلى الوراء..
اليوم تعكرت الأجواء.. فظهر الوجه الآخر للنية... النية في مخيالنا الشعبي لها وجوه مختلفة، وأحيانا متناقضة..
نبدأ بما هو إيجابي.. الشخص الذي يعمل النية نصفه بأنه طيب يحب فعل الخير، ولا يُضمر الشر لغيره.. إلى هنا يبدو هذا المعنى قريبا من الحديث الشريف "إنما الأعمال بالنيات"..
نعود إلى الوجه السيء للنية.. عندما تعمل النية بشكل مطلق قد تتحول في نظر الناس إلى ساذج.. نقول في القاع الشعبي فلان نية أي خبز الله في طبقه..
أما لفظ (المنوّي) فهو صفة مشتقة من المعجم الشعبي.. تُطلق على الشخص الذي يفكر كثيرا.. يبحث عن النوايا الخفية.. يُحمّل الكلام أكثر مما يحتمل.. يشك بدافع الخوف أو التجربة.. يعيش نوعا من القلق الداخلي.. وتقترن أحيانا بسوء الظن..
كيف ستتحول العلاقة بين المدرب الركراكي وجمهور الكرة من النية إلى (التناوي) أو من حسن الظن إلى سوء الظن..
المسألة تتعلق بالمعايير التي يعتمدها، ويتحدث عنها عندما تكون الكاميرا شغالة: الجاهزية والتنافسية..
لكي لا نوصف بمحدودية الفهم فالجاهزية تعني في قواميس كرة القدم أن اللاعب في حالة بدنية وتقنية ونفسية جيدة، وتسمح له بالأداء فورا مع المنتخب، وترتبط بمعاني اللياقة وإيقاع المباريات والتركيز والانضباط التكتيكي..
أما التنافسية فتعني قدرة اللاعب على مجاراة أعلى مستوى، وفرض نفسه في مواجهة لاعبين أقوياء، سواء داخل فريقه أو ضد الخصوم، مع روح قتالية وثبات في الأداء، ولن يتأتى ذلك لمن يجلس على كرسي البدلاء لفترة طويلة...
"ايغمان (مصاب) ـ حكيمي (مصاب) ـ بن الصغير (احتياطي في فريقه منذ بداية الموسم) ـ سايس (لم يلعب أكثر من ربع ساعة وأصيب) ـ النصيري (تراجع مستواه) ـ مرابط (مصاب) وزيد وزيد.."! هل يتوفر في هؤلاء شرط الجاهزية والتنافسية؟ّ! يمكن أن تغمض العين على لاعب واحد وليس نصف الفريق
جمهور الكرة خاصم خليلوزيتش بعد رفضه المناداة على لاعبين كانوا في أوج العطاء مثل عبد الرزاق حمد الله وحكيم زياش..
زياش قصته مشهورة، لكن بالنسبة لحمد الله الكثير من خبراء الكرة يستغربون كيف لعب العديد من المباريات مع الركراكي، ولم يسجل أي هدف.. ومع السكتيوي لعب كاحتياطي لدقائق معدودة كان أطولها 30 دقيقة في المباراة النهائية ضد الأردن.. دخل والمنتخب منهزم بهدفين لهدف.. كل جمهور الكرة في المغرب وضع يده على قلبه.. دخل في وقت حرج.. على بعد دقائق معدودة من صافرة النهاية، يسجل هدف التعادل، ويُشعل مدرجات ملعب خليفة.. ويتمكن بحنكته وتجربته أن يقلب المباراة، ويسجل الهدف الثالث، ويضع يد محمد احريمات على الكأس.. لم يتوانى محمد حريمات، في رد التحية بأحسن منها، عندما تنازل عن شارة العمادة أمام أنظار العالم، وقدم له الكأس ليحملها بنفسه إلى المجموعة... دون أن ننسى أنه سجل هدفا في مباراة نصف النهاية، وقدم أسيست.. وقبل ذلك تعرض لحالة طرد بورقة حمراء.. لاعب لم يسجل للمنتخب منذ 2014، يعود بعد 11 سنة، ويسجل ثلاثة اهداف، ويقدم اسيست في مبارتين دخل فيهما كاحتياطي.. حالة أثارت استغراب العديد من المتتبعين للشأن الكروي العالمي..
العلم لله.. إما الركراكي أو جهة أخرى في المنتخب لم تعمل من قبل النية مع حمد الله..
كيف يسجل سفيان رحيمي خمسة أهداف مع السكتيوي خلال ست مباريات في الأولمبياد، وبعد عدة مباريات هذا الموسم مع الفريق الأول يخرج بصفر هدف، وحتى ضربة جزاء أضاعها أمام جزر القمر ببشاعة في وقت كان المنتخب يحتاج فيه لهدف السبق..
الركراكي وطاقمه التقني لم يعملوا النية مع خمس لاعبين على الأقل تألقوا مع منتخب أقل من 20 سنة في كأس العالم 2025 بالشيلي.. ياسر الزبيري (19 سنة) فاز بجائزة الهداف وعثمان معمة (19 سنة) فاز بجائزة أحسن لاعب.. وتألق حسام عبد الصادق (19 سنة) ونعيم بيار (19 سنة) في وسط الميدان وإسماعيل باعوف (19 سنة) في الدفاع.. عيب أن نصف أبطال العالم لأقل من 20 سنة، ومنتخب المستقبل بالصغار، وأنهم يفتقرون للخبرة والتجربة..
هل أنت أحسن من لافوينتي الذي وضع الثقة في لامين جمال لاعب المنتخب الاسباني وهو أصغر سنا منهم، ويلعب رسميا مع لمنتخب، ومع أشهر فريق في العالم (لعب 106 مباراة).. صغر السن وقلة التجربة حق أريد به باطل..
وأحسن من سكالوني مدرب منتخب الأرجنتين الذي وضع الثقة في 4 لاعبين من منتخب أقل من 20 سنة وادمجهم مع المنتخب الأول.. وقبلهم مكن لاعب الريال ماستانتونو ابن 19 من اللعب كرسمي..
الركراكي وطاقمه لم يعملا النية مع محمد حريمات لاعب الجيش الملكي، وقائد المنتخب الرديف، ومحرك وسط ميدانه الذي فاز بجائزة أحسن لاعب في الشأن، ثم جائزة أحسن لاعب في كأس العرب الأخيرة في قطر.. الرجل يجري تسعين دقيقة وكأنه يحمل ثلاث رئات في صدره.. يمسح الملعب يمينا ويسارا.. يوزع.. يراوغ.. يدافع.. يمرر.. يخرج بالكرة.. يزرعها في مربع الخصم.. يسجل.. يفعل كل شيء.. كأنه يلعب بالبدلة وربطة العنق.. البعض لقبه ببيدري منتخب المحليين.. هل حريمات ينتمي لجزيرة الواقواق، حتى يحرمه الركراكي من تمثيل متخب المغرب؟!
وبولسكوت نجم الشأن وكأس العرب.. وسفيان بوفتيني صخرة دفاع منتخب المغرب في كأس العرب..
لم نعد نفهم تبريرات الركراكي: أولائك صغار السن؟! وهؤلاء كبار السن؟!
هؤلاء اللاعبين لم يرغب الركراكي ولا طاقمه التقني في الالتفات إليهم رغم أنهم خاضوا العديد من المباريات في أدغال افريقيا، وتغلبوا على أعتى منتخباتها.. وأي متابع متوسط الفهم في كرة القدم سيقر بأنهم اكتسبوا خبرة وراكموا تجربة في التعامل مع الكرة الإفريقية أحسن من المنتخب الأول..
لو كان الركراكي وطاقمه التقني يحافظون على العمل بالقليل من النية لنادوا على محمد وهبي وطارق السكتيوي كمدربين مساعدين إلى جانب الناخب الوطني الأول بدل الاقتصار على مساعد لا يتقن غير حكي النكث للاعبين..
لا تظنوا بأن شراء بعض الألسنة والأقلام والمؤثرين ستجعل من جمهور الكرة في المغرب خبز الله في طبقه..
في عصر التكنولوجيا وتطور وسائل الاتصال لا يمكن تمرير أحاجي الجاهزية والتنافسية بغباوة لتنويم الأطفال.. موقع سوفا سكور عنده الخبر اليقين.. أي طاقم تقني كفؤ ويتحمل المسؤولية لا يلعب بطولة قارية مغمض العينين ومهمشا أحسن اللاعبين وبالمعايير العالمية..
احترموا ذكاء الناس، فأنتم تتقاضون أجورا خيالية من خزينة الوطن .. من دافعي الضرائب.. كفى من العبث.. من حقنا أن ننتقدكم عندما تسوقون لنا الوهم على أنه انتصار.. من حقنا أن نطلب منكم تقديم المفاتيح لمن هم أهل لها أكثر منكم.. لا أحد يمنّ علينا.. فنحن نحب الوطن أكثر منكم، ولا نتقاضى أجرا عن ذلك..
*ملاحظة:
هذا المقال كتبته بعد مباراة مالي، ولم أنشره حتى لا أشوش على أحد.. وبعد مباراة الكاميرون ونيجيريا تخليت نهائيا عن نشره.. ثم جاءت مقابلة السينغال، وغيرت رايي..
هذا المقال هو مجرد رأي يحاول وضع يده على جرح اختيار اللاعبين وفق معايير موضوعية بعيدا عن العاطفة أو المحسوبية..
مباراة النهاية عرّت العيب.. دكة احتياط فارغة.. أصيب العيناوي، ولم نجد من يعوضه في الوسط.. غيرنا 6 لاعبين، ولا واحد استطاع التأثير في مجريات اللقاء.. استنفذنا التغييرات، وتعرض حمزة إيغمان للإصابة وهو مصاب أصلا، ولم يسترجع كل قواه، فأتممنا المقابلة ب 10 لاعبين طيلة الشوطين الاضافيين ونحن منهزمين بواحد لصفر..
لا ألوم اللاعبين.. اللاعبون قدموا كل ما في جعبتهم.. لا ألوم إبراهيم دياز على ضياع ضربة جزاء على بعد دقيقتين من نهاية المباراة، لأن المنطق كان يستدعي تغييره في بداية الشوط الثاني.. لا ألوم العيناوي على الخطأ الذي تسبب في الهدف، لأنه أصيب، وفقد تركيزه، وكان يجب تغييره.. لا ألوم الياميق كيف فتح المساحة لمسجل الهدف..
بالمختصر المفيد الطاقم التقني يتحمل مسؤولية خسارة هذه الكأس.. لم أفهم لماذا كان الركراكي يطلب من مدرب السينغال إتمام المباراة.. ووووو أشياء كثيرة حدثت في هذه المباراة لم تفهم..
قدرنا أن ننتظر.. كم سنة؟ الله أعلم...

حاميد اليوسفي
مراكش 26 / 12 / 2025 ...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...