نصيف الناصري - خطيئة الالتفات الى الاستغاثة التي تطلقها الطَرائد.

قصيدة مُهداة االى الصديق الشاعر حسين علي يونس.


"1".
لا أمَل لي ولسواي في الظَفر بشيء ما،
ويَتَملَّكني الشعور بالعَجز عَن ملامسة
الشَمس المَربوطة الى جانبي.
راكب الحصان،
والشخص الأعمى الذي يَسير
بمحاذاة الشاطىء المظلم.
كلاهما يلقيان خطبَتهما على
على الزَبد المطمئن للهاوية.
عَرفْتُ الزَمَن الذي دُوِّنَتْ فيه
حكاية ما يُبَدِّلني ويَنفيني عَن
حَياتي، ولا أعوِل الآن على
مُعجزة مُتْخَمة بروث الفَريسة.
إيذاناً بنزولي الى القَبر فقدتُ مَهارة استخدام
المَركب للوصول الى غَيم الساحل الآخر،
وَتَزَعْزَعَت الحجارة التي أقف عَليها.
"2".
تَقولين انَّكِ مُعرَّضة لعَبَث الطَبيعة ولا يَترك
لكِ الوَقت امكانية ارتداء ثيابكِ التي يتضاعف
تَمزّقها وتبلى بسرعة. أستَنْتج مِن شكايتكِ أن
البذرة التي يحوم فَوقها العصفور، ترجمة لألم
اللامتفائلين. مقاصد فظيعة نفتَرق وننفصل فيها
ولا نتوانى عَن انتقاد قصر العُمر، لكن فكرة أن
الأموات يطيب لَهُم العَيش في اللازَمن. يَزدَريها
العائش في الفراغ العظيم . تَتَهدَّدنا الشرور
ويمتدّ السأم والفَزع الى ما لا نهاية ولا أحد في
العالم يَنام ويكون آمناً على حَياته.
"3".
حلمٌ عَصي في البَقاء يثقل وَزن ما أحيا فيه،
والمحظور فَوق الأرض محظور أيضاً في جَوفِها.
لكلّ فَرد صخرته التي توضع فَوق جثمانه، ورطوبة
ضارَّة تَلين فيها زُمرْدة وجهه.
بَعض الذين يَقتاتون ثمار عذابهم يتَشابهون مَع
أولئك الذين قَصَدتْهم الصاعقة واستَهْوَتهم خسارة
ما كافحوا مِن أجل نواله طوال تاريخ حَيواتهم
المشؤومة. لا تَتَرك لي جنازات الأشجار في الرَبيع
أيّ مجال للشَكّ انَّني سيتمّ قذفي بسهم وأضطجع
باهمال في الحُفْرة السوداء.
"4".
انحازُ الى جانبهم وأعبر الحدّ الضيّق لهوَّة المَرض
وأعرف أن فعلي قَد أملته عليّ خشيتي مِن التطاير
المفاجىء للغبار. أيّ تَرحيب أنتظره وكلّ مَن يَركب
السَفينة لا يَعود؟ غَدَت الأرض كُلّها مَرعى للجماجم
وأدَّى الفَناء الغَرض. اصطياد الحيوان في لَيل الوهاد
والمحافظة عليه مِن التلف، يتَطلَّبُ مَهارة في الاصغاء
الى ما يقوله الله. دَلَّتْني خنفساء على زُمرة الموتى ولم
يَكُن بامكاني أن أَزلّ عَن الطريق. ارتَطمْتُ بزمَن
مَهجور وَتَملَّكْتُ نفاية مَصيري.
"5".
يشكُّ الأطبّاء الذين أظْهَرتُ لَهُم جروحي
أنَّ لا شفاء لي ولا شيء يثْبتُ خلو حلمي
مِن العقم. أقصَيْتهم وَتَقَرَّبتُ الى الله الذي
أحسَن نَشأتي أطلب مِنه دَوام العافية.
زادَني مَرَضاً على مَرض وصرتُ أأتَمر
وأنصاع الى ايعازاته لي بقذف نَفسي في
الأحواض الصامتة.
دَبَّرْتُ حيلة وفي الجانب الأيسر
مِن وجهي يراعة تضيء الدرب،
ورميت أيَّامي كلّها الى الوراء ولَم
أشمَئز مِن قدومي الى العالم وأنال
الافراط في التَبَرّم.
"6".
لَولا ما يفزعني في مجاورتي للفراغ،
لتَنفَّستُ بدموع هادئة وَوَفَّرْتُ لَوازم
رحلتي الى الخلاء. الغلظة والاسراف
في لَمس أشياء العالم المنتظمة على
الظلمة، تجبرني على أن أتمادى في
الرغبة وأزداد قوَّة للتخلّص
مِن شقائي الهائل.
أكثر الذين لَم يَتأثَّروا بِما نال منهم يشتهون
أكل العَساقِيل ولا يبالون بإزالة التراب مِن
أفواههم. لماذا يَسْتَرخون وينهمكون في تَلقَّي
القشارة التي تَنهَمر عَليهم طَوعاً؟
"7".
يطمحون مثلي الى مواجهة ما يسترعي الهَلع،
وَلَم ينْجِهم تَماديهم في طَلَب الغُفْران مِن الهلاك.
خارجاً مِن الغابة، نَشَأت عندي خطيئة الالتفات
الى الاستغاثة التي تطلقها الطَرائد، وَنَتَج عَنها
انَّني لَم آخذ كفايتي مِن النسائم الناعسة.
يحيط القنَّاص نفسه أثناء مرور الأيائل بحجارة
تنقر الهواء، لكن لا صيَّاد في الزَمَن جوزي
على أفعاله. كلّ مَيت يؤهله جليده الى أن يصبح
تَوابل في عشاء الدودة المتشنّجة.
"8".
يسرُّ للذين تَمادوا في الغَرق، عَدَم الانصياع
الى الله، ويعتبرون ذواتهم أفضل مِن مناوئيهم.
طائفة منهم أستُرِقَّت واجتَمَعت عند اندحارها
وانتَشَر شَرّها في الأرض، لكن الجديرون بحسن
الظنّ أنجَتهم حصافَتهم مِن العَيش بأرض
المتحذّلقين وداوموا على الترحال في كلّ
أيَّام مَرضهم. يَتَطبَّعُ بَعض الأفراد الحمقى الذين
أفرطوا في تَبديد الميراث بِما استَمدّوه مِن أشباههم.
"9".
مَوت الفَرد مصدرٌ نَسْتَمدّ مِنه كيفية التَنقّل
مِن الرَبوة الى الهاوية. كان المَوتى قَبل زَمَن
الطوفان، تنجيهم مِن الفراغ أعمالهم الحسنة
وَلا يَستَوي الشرّير مِنهم بالآثم. بَعدهم أضحَت
كلّ نطفة عرضة للزَوال، وخلَت الأرض مِن
أريج المُخلَّدين. لماذا أنذَرنا الله انَّنا ينبَغي أن نفنى
وَوَجَّه الينا تُهمة العناد؟
"10".
أُمِرنا أن نَنقل أمتعة المَيت ولا نَتركها عرضة
للتَلف. تَنتَشر في بَعض الأزمان الأخبار التي
يعاقب عَليها الله، كلّ مَن يغيب عَنّا نُعلّمه حيلة
تسعفه في اقامة شعائره في القَبر والذين لَيس
لَهُم أتباع. نؤجل دَفنهم الى أشهر الصَيف ولا
نَتَعجَّل ذهابهم الى الأرض غير المضيافة.
الخطأ الفظيع حين يتلاقى الموتى والأحياء،
نشدانهم الغُفْران مِن الله وتأمين الحماية لَهُم
مِن الدودة الضخمة.
"11".
تلاقوا مَع بعضهم البعض عند الحواجز التي تفصلنا
عنهم وكان القيظ يؤجّج شعورنا بحسد كلّ الذين
أعرَضوا عَن الفَناء وأدركوا فظاعة ما يسوءهم.
هُم يعتقدون بالحلول وَيَعتبرون أن المَيت يَحلّ بغزالة
أو صنوبرة أو فراشة أو نمر في الصين. الكونغو الخ.
اختَلَفَت دَرجة فهمنا لصلة قرابتهم مَع الطبيعة
وتركناهم يصطفون بانتظار قدوم الزيزان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...