أحمد عبدالله إسماعيل - انفطار...

بين صخب المسافرين وضجيج الحقائب التي تُجرّ على عجلاتٍ متعبة، اتسعت صالة المغادرة لكل شيء إلا لقلبين على وشك الانفطار.

تعلّقت أمل بطرف معطفي. بلغت الخامسة من عمرها، خفيفة الجسد، ثقيلة التمسك. شدّت القماش الصوفي كما لو أنه باب بيتٍ يُغلق ببطء. انحنيتُ إليها، حاولتُ أن أبتسم، أن أشرح لها أن المسافات تُقاس بالأيام، لا بالغياب، لكن الكلمات خرجت باردة، متكسّرة، لا تشبه ما تحتاجه طفلة في وداعها الأول.

حين أعلن المذيع موعد الرحلة، ارتجّ شيء ما داخلي. مرّ النداء كصفّارة حكمٍ لا يقبل الاعتراض. حرّرتُ يدها برفقٍ موجع، وتقدّمتُ خطوة… ثم أخرى، محدّقًا أمامي، شعرت بأن الالتفات سيعيدني شخصًا لا أستطيع أن أكونه الآن.

لكن صوتها لحق بي.

لم يكن بكاءً، بل صرخة قصيرة، حادّة، شقّت هواء الصالة كما يُشقّ قماشٌ مشدود. توقفتُ دون أن ألتفت، ثم غلبني الجسد قبل الإرادة.

رأيتها واقفة وسط الزحام، صغيرة على اتساع المكان، محمرّة الوجه، ويداها فارغتان. صاحت بكل ما تملك من هواء:

— بابا… قول للشغل بنتي الصغيرة تكرهك!

سقطت الجملة في المكان، لا كصوت، بل كثقل. خفَتَت الخطوات. تباطأ الزمن. رأيتُ رجلًا أمامي يمسح عينيه سريعًا كمن أضاع شيئًا ولم يشأ الاعتراف. عجوزٌ ضمّت حقيبتها إلى صدرها. موظفٌ خلف المكتب انحنى فوق أوراقه أكثر مما يلزم.

لم تتجه صرختها إليّ وحدي. بل موجّهة لشيءٍ لا تراه: ذلك الذي يأخذ الآباء باكرًا ويعيدهم متأخرين، ذلك الذي يسكن الساعات والهواتف والحقائب. ربما ظنّت أن له أذنًا، أو قلبًا يمكن أن يلين.

وقفتُ لحظة، ولا تزال المسافة بيننا قصيرة… أقصر من أي رحلة. ثم استدرتُ ببطء، ومضيت.

خلفي، ظلّ الصوت معلقًا يموج في الهواء. وحين التقطتُ حقيبتي عند البوابة، بدت أثقل قليلًا مما كانت عليه قبل دقائق.

توقفت تماماً. ماذا أفعل؟! وقد عبرت قدماي الخط الأصفر، ذلك الخط اللعين الذي يفصل بين مَن يرحلون ومَن يبقون، لكن صرختها سحبت روحي إلى الخلف، خلف الحاجز، خلف التذاكر، وخلف الالتزامات.
استدرتُ. رأيتُها لا تزال واقفة، يداها الصغيرتان المفتوحتان كأنها تحاول احتضان الفراغ الذي تركته. نظرتُ إلى الموظف خلف الزجاج، وقف يرقبني بصمت، لم يستعجلني، ربما لأنه هو الآخر يخبئ في هاتفه صوراً لأطفال ينتظرون عودته المتأخرة.
تركتُ حقيبتي في مكانها، وتحركتُ نحوها. لم تكن مشيةً، بل اندفاعة غريق نحو اليابسة. انحنيتُ أمامها، فاصطدم جسدها النحيل بصدري بقوةٍ أخرجت كل الهواء من رئتيّ. ضمتني بكل ما أوتيت من براءة، ودفنت وجهها في رقبتي، وغسلت دموعُها الدافئة ياقة قميصي الرسمية.
— "لا تخبريه يا أمل.. لن أخبره شيئاً."
همستُ لها في أذنها بينما كانت ترتجف. في تلك اللحظة، لم يعد "الشغل" وحشاً، بل صار مجرد ظلّ باهت لا قيمة له أمام حقيقة هذا العناق. شعرتُ برغبة مجنونة في تمزيق بطاقة الصعود إلى الطائرة، في العودة إلى البيت، في أن أقول للعالم أن ابنتي الصغيرة أهم من كل الصفقات والاجتماعات.
لكن يد زوجتي وضعت على كتفي برفق، نظرتها حزينة لكنها ثابتة، تذكرني بأن هذا الرحيل هو "من أجلها" أيضاً.
فصلتُها عني ببطء، قبلتُ كفيها الصغيرين، وقلتُ لها بصوتٍ حاولتُ أن أجعله صلباً:
— "أمل.. الشغل لن يسمعني، لكنني سأعود قريباً جداً، وسأجعله يعتذر منكِ."
ابتعدتُ هذه المرة وأنا أشعر بأنني تركتُ قلبي هناك، ملقىً على أرضية المطار الباردة. وحين صعدتُ سلم الطائرة وجلستُ في مقعدي، لم أفتح أوراق العمل، بل أخرجتُ دفتري وكتبتُ في أول صفحة: "إلى ابنتي.. أنا أيضاً أكرهه حين يسرقني منكِ."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...