أحمد بوعروة - حين تسبق الكلمةُ الضوء… وحين تُحاكم الذاكرةُ تصفيقَها

ليست كل التظاهرات الثقافية محطات عابرة في رزنامة المدن، ولا كل حفلات التكريم مناسبات بريئة من الأسئلة. بعض اللحظات لا تُقاس بزمنها القصير، بل بما تخلّفه من رجّة داخلية، وبما تفتحه من نقاش صامت حول المعنى، والجدوى، والإنصاف.

حضرتُ، في ترتيب زمني لم يكن اعتباطيًا، حدثين متكاملين في الروح وإن اختلفا في الشكل.
الأول: لقاء كتاب إقليم الجديدة بمنتجع مازاغان.
الثاني: “ليلة النجوم” بمسرح عفيفي.
بين الكلمة والتكريم، بين الإصغاء والتصفيق، كانت المدينة تكتب فصلًا جديدًا من علاقتها بذاتها.

٠مازاغان… حين تُختبر الكلمة خارج الزينة

في مازاغان، لم يكن اللقاء احتفالًا بالكتب فقط، بل مساءلة هادئة لمعنى الكتابة اليوم. لقاء نظّمته الجمعية الإقليمية للشؤون الثقافية، برئاسة الكاتب والمبدع عبد اللطيف البيضوري، بروح تُشبه فعل الكتابة نفسه: بلا بهرجة، وبكثير من العمق.

الكتاب لم يتحدثوا عن عناوينهم كمنتجات، بل عن الكتابة كفعل مواطنة، كقلق يومي، وكمسؤولية أخلاقية في زمن تتسارع فيه الوقائع وتضيق فيه مساحات التفكير.
وكان الاسم الذي خيّم على اللقاء، دون أن يُنادى عليه، هو سعيد عاهد. هناك، قُرئت الفاتحة على روحه. لحظة بسيطة في شكلها، ثقيلة في معناها.
كأن مازاغان قال بهدوء: بعض الكتّاب لا يحتاجون منصة ليكونوا حاضرين… يكفي أن نستدعي أثرهم.

٠ليلة النجوم… حين يتحوّل الاعتراف إلى مشهد

بعد ذلك، جاء موعد “ليلة النجوم”، التي نظّمتها جمعية الصحافة بالجديدة برئاسة الإعلامي بوشعيب بنقريو.
في مسرح عفيفي، تغيّر الإيقاع: أضواء، موسيقى، منصّة، وتصفيق. لكن خلف هذا المشهد، ظلّ السؤال حاضرًا: هل نُكرّم لأننا نُحب الاحتفال، أم لأننا نخشى النسيان؟

ليلة النجوم جمعت وجوهًا إعلامية، إبداعية، جمعوية ورياضية، اشتغلت لسنوات بعيدًا عن الواجهة. وكان نجم الدورة المدرب المغربي طارق السكتيوي، الذي حضر لا كاسم لامع فقط، بل كمسار يختصر فكرة النجاح الهادئ: عمل، صبر، وتراكم بلا ضجيج.

وفي لحظة رمزية مؤثرة، عاد اسم سعيد عاهد من جديد. خُصّص له تذكار، وكان لي شرف تسليمه لعائلته ممثلة في الإعلامي المتميز الناسي. هنا، التقى مازاغان بعفيفي، والتقت الكلمة بالصورة، والتقى الغياب بأعلى درجات الحضور.

٠ مدينة تجرّب أن تُصغي إلى نفسها

بين الحدثين، قرأت حكاية مدينة تحاول أن تُرتّب ذاكرتها.
الجديدة لم تكن فقط تحتفي، بل كانت تُجرّب أن تُصغي:
تصغي للكتاب قبل أن تُصفّق،
وتستدعي الغائب قبل أن تلمّع الحاضر،
وتُكرّم المسار قبل النتيجة.

لكن، هل يكفي ذلك؟

٠خاتمة بأسئلة لا تطلب إجابة سهلة

هل نُكرّم لأننا نؤمن فعلًا بثقافة الاعتراف، أم لأن التكريم صار طقسًا ضروريًا لتجميل المشهد؟
من نختار ليصعد المنصة… ومن نتركه في الظل لأنه لا يطالب بشيء؟
هل نتذكّر مبدعينا وهم أحياء بما يكفي، أم ننتظر الغياب لنُحسن الرثاء؟
هل تُصفّق المدينة للكلمة لأنها مزعجة ومقلقة، أم فقط حين تصبح آمنة وقابلة للاستهلاك؟
ثم، سؤال أكثر قسوة:
هل نملك شجاعة أن نحمي هذه المبادرات من التحوّل إلى روتين، ومن أن تصبح الذاكرة مناسبة موسمية؟

بين مازاغان ومسرح عفيفي، بدا لي أن الجديدة تُحاول… تحاول أن تقول إن الثقافة ليست زينة، وإن التكريم ليس نهاية القصة، بل بدايتها.
ويبقى الرهان الحقيقي:
أن تظل الكلمة سابقة للضوء،
وأن يظل الاعتراف فعل وعي… لا مجرّد صورة.

وهذه، في النهاية، حكاية مدينة تبحث عن نفسها… بصوت منخفض، لكن بأسئلة عالية.


بقلم الإعلامي والسيناريست "أحمد بوعروة"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى