برزخ

(_ما زلت تمارس هوايتك القديمة ... تعشق الإنبات!
قالت وهي تداعب بتلات زهرة تفتحت قريبا، توقف لحظات عن تقليب التربة في الأصيص الذي زرع فيه نبتته الجديدة ، لم تبد عليه مفاجأة لقاء ظنتْ أنه لم يتوقعه، بحثتْ في عينيه عن لهفة الاشتياق فلم تجدها، أكمل عمله دون أن يوليها اهتماما أو يتكلم، لم يهتم حتى بسؤالها عن كيف دخلت بيته وليس هناك من يستقبلها أو يستقبل غيرها إذا ما كان منشغلا في بستانه في الجهة الخلفية منه، أمسك بخاخا فيه خليط من ماء ممزوج بعناصر أخرى لتغذية الزرع، رش على النبتة بعضا منه، تكلم كمعلم يشرح لتلامذته درسا عمليا:
_الكثير منه يميتها!
ابتسمت ساخرة من تجاهله لوجودها وهو الذي كان ينتظرها من قبل، قالت متعالية على إحساس الخيبة الذي انبعث فيها:
_أصبحت بستانيا ماهرا... تعلمتَ الدرس!
وضع البخاخ جانبا ثم أشار لأصيص لا نبت فيه وقد غمرته الماء، قال:
_تُعلّمنا التجارب.
كان يعلم أنها سوف تعود، لم ينتظر طويلا، عام واحد كان كافيا لتعيد حساباتها التي أخطأت فيها منذ البداية.
نعم أخطأت، أخطأت حين جعلته يحبها أكثر مما تستحق، و أخطأت كذلك حين جعلته يكرهها أكثر مما ينبغي...)
قاطعني..
_مهلا... هل قلتَ أكرهها؟
_نعم، ألست تكرهها؟
_لا... أقصد لا أدري، ولكن رجاء... أكمل سرديتك دون الدخول في أمور لا أحد يعلمها بعد الله غيري.
_ ولكن...
_لا تقل شيئا... أكمل وحسب.
لم اقتنع لكنني أكملت..
(دارت خلفه في نصف دائرة بخطوات هادئة، دارت عيناه مع خطواتها من جهة إلى أخرى دون أن يلتفت إليها، كانت تتأمله و في عينيها خليط من مشاعر متباينة، حب، كراهية، حنين، نفور، اشتياق... رغبة في الانتقام.
لم تنس أنه تخلى عنها في أشد لحظات احتياجها إليه، كذلك هو لم ينس أنها استقبلت شلال مشاعره الجارف والمشتعل بقلب بارد واختيارات أنانية، غمرها بالحب ظانا أنها ستزهر بساتينا ورياضا، قالت: أنا أختنق، دعني أتنفس.
كلماتها كانت صفعة أفقدته صوابه)___
قاطعني من جديد..
_ لا أنت مخطئ... لم أفقد صوابي، بل استعدته.
_سيدي... احتار القلم بينكما.
ابتسم بخبث، أومأ لي كي أكمل ما بدأته هي قبل أن يدعوني لأسرد عليكم الأحداث...
( نظراتها ما زالت متعالية على قسوة الموقف، ما زال في جعبتها الكثير من وسائل الهجوم والدفاع، قالت بمكر:
_لكن درسك لم يكتمل بعد، فأنا لم أغرق... قاومت الموت، وها أنا ذا أمامك الآن أقوى مما تظن.
انتصب واقفا وهو ينفض أثر الطمي من يديه، اقترب منها، تأمل عينيها اللوزيتين، راقب ارتجاف شفتيها المشتعلتين، اقترب حتى اختلطت أنفاسهما الحارة، وفي اللحظة الحاسمة انطفأ الأمل في عينيها من جديد، ملأتهما الخيبة وامتلأ بالأصرار، قال بتحد:
_لكنك أيضا لم تحيي ...
ركل بطرف حذائه الأصيص المغمور بالماء فانفلق إلى نصفين كاشفا عن طمي عطن أزرق وبذرة تعفنت من طول الرقاد...)
نظر نحوي يراقب ردة فعلي، تقلصت عضلات وجهي من سوء المنظر بينما على شفتيه ارتسمت ابتسامة خبيثة ومن عينيها أطل سؤال ليس له جواب.
#أمل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...