أحمد بوعروة - الزجل في المغرب: من القصيدة التي كانت تُقلق… إلى النص الذي يطلب الإذن : الجزء الثالث | ما بعد انكشاف الأقنعة

الجزء الثالث | ما بعد انكشاف الأقنعة

الدفاع عن الزجل أم الدفاع عن الرداءة؟





بقلم: الإعلامي والسيناريست أحمد بوعروة

منشور في جريدة "الأحداث المغربية"

تقديم: أسئلة التأطير المفهومي لا أسئلة التهدئة

بعد التفاعل الواسع الذي أثاره الملف، لم يعد السؤال المطروح هو:
هل الزجل المغربي بخير؟
بل أصبح السؤال الأدق والأكثر إزعاجًا:
كيف يُدار النقاش حول الزجل؟ وبأي أدوات؟ ولصالح من؟

ما ظهر إلى السطح ليس اختلافًا في الرؤى الجمالية،
بل توترًا بنيويًا داخل المشهد نفسه،
توترًا بين من يعتبر الزجل نصًا إبداعيًا قابلًا للنقد،
ومن يراه مجالًا محصنًا ضد المساءلة.

هذا الجزء لا يهدف إلى تصعيد مجاني،
بل إلى توصيف علمي لحالة ارتباك ثقافي
اختلط فيه الدفاع عن اللغة بالدفاع عن المواقع،
والحديث عن الهوية بتبرير الضعف الفني.

أولًا: الخلط بين النقد والهجوم… مغالطة مفهومية

أبرز ما كشفه الجدل المصاحب لهذا الملف
هو غياب التمييز بين النقد بوصفه ممارسة معرفية
والهجوم بوصفه سلوكًا شخصيًا.

النقد، في معناه الأكاديمي، هو:
• قراءة بنيوية للنص
• تفكيك للغة والإيقاع والرؤية
• مساءلة للاختيارات الجمالية

ولا علاقة له:
• بالتشهير
• ولا بتصفية الحساب
• ولا باستهداف الأشخاص

تحويل كل مساءلة إلى “عداء للزجل”
هو مغالطة تهدف إلى تعطيل النقاش لا إلى تطويره.

ثانيًا: الدارجة بين القيمة الجمالية والاستعمال الشعبوي

الدارجة المغربية لغة ذات طاقة تعبيرية عالية،
تاريخيًا وحاليًا.
لكن تحويلها إلى درع أيديولوجي
يُمنع باسمه النقد،
يُفرغها من بعدها الإبداعي.

ليس كل نص مكتوب بالدارجة زجلًا.
وليس كل استعمال للدارجة فعلًا شعريًا.

الزجل، كما تبلور في تجاربه الكبرى،
هو:
• اشتغال واعٍ على الإيقاع
• بناء دلالي متماسك
• وعي بالصورة والاختزال والانزياح

أما تبرير الفقر الفني باسم “القرب من الناس”
فهو إساءة مزدوجة:
• إساءة للناس
• وإساءة للدارجة نفسها

ثالثًا: أزمة المعايير… الخوف من الميزان

ما يلفت الانتباه في ردود الفعل
ليس رفض بعض القراءات،
بل رفض مبدأ المعايير ذاته.

كل حديث عن:
• الوزن
• البناء
• التماسك
• التجربة

يُقابل بحساسية مفرطة،
كأن المعايير تهديد وجودي.

في الواقع،
المشهد الذي يخشى المعايير
هو مشهد يدرك هشاشته الداخلية،
ويخاف من أي أداة فرز موضوعية
قد تكشف الفارق بين التجربة والادّعاء.

رابعًا: الانتشار الرقمي كبديل زائف للقيمة

من مظاهر التحول المقلقة
تعويض القيمة الجمالية بمؤشرات الانتشار:
• عدد المشاهدات
• كثافة التفاعل
• الحضور في المنصات

لكن الانتشار ليس معيارًا نقديًا.
ولا يصنع تجربة.
ولا يؤسس لذاكرة أدبية.

كثير من النصوص الرائجة
لا تصمد أمام قراءة صامتة خارج المنصة.

الزجل نص يُقرأ قبل أن يُؤدّى،
ومن دون نص،
يسقط الأداء في الفراغ.

خامسًا: الأسماء المحصّنة ضد السؤال

أفرز الجدل واقعًا لا يمكن تجاهله:
وجود أسماء في المشهد
لم تُخضع نصوصها لأي مساءلة جادة.

أسماء تعيش على:
• التكرار
• الحضور الاجتماعي
• الاعتياد المؤسسي

وحين يُطرح السؤال،
تنتقل مباشرة من الدفاع عن النص
إلى الدفاع عن الذات.

في المشهد الصحي،
النص القوي لا يخشى السؤال،
بل يزداد به قوة.

سادسًا: المسؤولية الجماعية عن هذا الاختلال

لا يمكن اختزال الأزمة في طرف واحد.
الخلل بنيوي ومتعدد المستويات:
• زجّال استسهل النشر دون اشتغال
• مهرجان غلّب العلاقات على النص
• ناشر طبع دون قراءة نقدية
• ناقد انسحب أو صمت
• مؤسسة اختارت الصورة بدل المشروع

بهذا المعنى،
الرداءة ليست طارئة،
بل نتيجة تراكم.

سابعًا: لماذا هذا النقاش الآن؟

لأن التأجيل الطويل خلق وهم السلام.
ولأن الصمت لم يكن حيادًا،
بل مشاركة غير معلنة.

كل حقل إبداعي لا يُراجع نفسه
يتحول إلى حلقة مغلقة،
تكرّر ذاتها،
وتقصي المختلف،
وتستهلك لغتها حتى التآكل.

خاتمة مفتوحة: الزجل بين الاستعادة والتدجين

الزجل المغربي لا يعاني من نقص في الأصوات،
بل من نقص في الميزان النقدي.

إما أن يُستعاد بوصفه:
• فعلًا جماليًا
• تجربة إنسانية
• نصًا قابلًا للنقاش والاختلاف

وإما أن يستمر كمنتَج مطمئن،
يُصفّق له أكثر مما يُقرأ.

السؤال الجوهري لم يعد:
من يكتب الزجل؟

بل:
أي زجل نريد؟
وأي مشهد نريد أن نورّثه؟

الملف مفتوح.
والنقاش، إذا كان جديًا،
لا يُغلق ببيان غضب،
بل يُعمّق بقراءة.




بقلم: الإعلامي والسيناريست أحمد بوعروة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...