أحمد بوعروة - لم تعد الأمطار في الشمال خبرًا موسميًا يالوسيلة نجاة..والزودياك ضمير عائم

لم تعد الأمطار في الشمال خبرًا موسميًا يُقرأ على عجل، بل صارت امتحانًا قاسيًا للمدن الهشة، واختبارًا صريحًا لمعنى القرب والتكافل.
في القصر الكبير، خرجت المياه عن مجاريها، وخرجت البيوت عن صمتها، ووجدت أسرٌ كاملة نفسها محاصَرة بين جدران باردة وليلٍ ثقيل. ارتفع المنسوب، اختفت الطرق، وتحوّلت الأزقة إلى مجارٍ لا تعرف الانتظار.
خلف الصور التي تداولها الناس، كانت التفاصيل أشد قسوة:
مرضى لا يصلهم الدواء، أطفال يُحملون من فراشٍ مبتل إلى آخر أكثر بللًا، شيوخ يُمسكون بمفاتيح بيوتهم كأنها آخر ما تبقّى من الأمان. هنا، لا تكفي الكلمات، ولا تُجدي البيانات. هنا، تصبح الوسيلة هي النجاة.
السيارات الخاصة تقدّمت قبل كل شيء.
سيارات عادية، بلا شارات ولا أضواء، تحوّلت إلى إسعافٍ صامت. سائقون يعرفون المدينة أكثر من الخرائط، يلتفون على الطرق المغمورة، يجرّبون، يعودون، ثم يعاودون. الوقود لم يكن سؤالًا، والوقت لم يكن عائقًا. السؤال الوحيد كان: من بقي هناك؟
نُقلت أسرٌ إلى بيوت أقارب، أُخرج مرضى إلى نقاط آمنة، ومرّت أكياس الطعام والأغطية من يدٍ إلى يدٍ كما تمرّ الوصايا.
وحين صارت الشوارع أنهارًا، تقدّم الزودياك.
قوارب مطاطية خرجت من المخازن والهوايات إلى واجبٍ واضح. شقّت الماء بصبر، اقتربت من النوافذ، حملت أطفالًا ونساءً وشيوخًا، وأعادت رسم المشهد على إيقاع المجاديف. كل رحلة كانت حسابًا دقيقًا بين وزنٍ وأمان، وكل عودة كانت وعدًا بأن هناك حياة تنتظر على الضفة الأخرى.
لم يكن المشهد استعراضًا؛ كان عملًا خالصًا، تُنجزه أيادٍ تعرف أن دقيقة واحدة قد تُنقذ بيتًا من الانهيار.
الشباب المغربي كان في قلب الحركة.
من يملك سيارة قادها، ومن يملك قاربًا أطلقه، ومن لا يملك سوى وقته حضر. مجموعات صغيرة تنظّم نفسها بسرعة، اتصالٌ هنا، إشارة هناك، وتنسيقٌ يولد من الحاجة لا من البروتوكول.
تحوّلت صفحات التواصل إلى خرائط، والرسائل القصيرة إلى نداءات إنقاذ، والالتقاء العابر إلى شراكة إنسانية كاملة.
خلف الستار، كانت المواصلات رسالة أخلاق قبل أن تكون حلًا تقنيًا.
أن تصل قبل أن يصل الخوف،
أن تُخرج الناس قبل أن ينهار الجدار،
أن يكون الطريق—ولو مغمورًا—أقصر من الانتظار.
في تلك اللحظات، لم يكن السؤال من المسؤول، بل من القادر الآن.
ما جرى في القصر الكبير ليس حادثًا معزولًا، بل مرآة لواقعٍ أوسع في الشمال. بنية تحتية لا تحتمل غضب السماء، وهامش يدفع الفاتورة الأكبر كل مرة. ومع ذلك، فإن ما تعجز عنه الإسفلتات المهترئة، تحمله القلوب الحيّة.
لقد أثبتت المبادرات أن المجتمع قادر على الفعل السريع، وأن التضامن ليس شعارًا بل ممارسة دقيقة، تُقاس بالمتر واللتر والدقيقة.
غير أن الامتحان لا ينبغي أن يتكرر بهذه الكلفة.
المواصلات في مدن الهشاشة ليست رفاهًا،
والزودياك ليس ترفًا موسميًا،
بل فرقٌ بين بيتٍ يُنقذ وبيتٍ يُغرقه الصمت.
الاستثمار في الوقاية، في قنوات التصريف، في الجسور والطرق، هو استثمار في كرامة الناس قبل كل شيء.
خلف الستار، تبقى الحكاية أبعد من فيضانات.
هي حكاية مجتمع، كلما ضاقت الأرض تحت قدميه، اتّسعت يداه ليحمل بعضه بعضًا.
ويبقى السؤال المفتوح: هل نترك النجاة مرهونة بالمبادرات كل مرة، أم نبني طريقًا لا يخون أهله عندما تمطر السماء؟.



الإعلامي والسيناريست "أحمد بوعروة"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى