حسام الحداد - هرمينوطيقا النص والواقع: فضل الرحمن ونظرية الحركة المزدوجة (2_3)

لا يمثل مشروع فضل الرحمن مجرد محاولة لإعادة فهم النصوص الدينية، بل هو سعيٌ دؤوب لإرساء نظام قيمي قرآني يتجاوز جمود التفسير الحرفي. فبعدما استعرضنا في الجزء الأول كيفية تطبيق "نظرية الحركة المزدوجة" على قضية الربا، وكيف استطاع الرحمن من خلالها التمييز بين الوسيلة التاريخية (الربا الجاهلي الاستغلالي) وبين الوظيفة التقنية للنظم المصرفية الحديثة، ننتقل الآن لاستكشاف قدرة هذا المنهج على معالجة القضايا الاجتماعية والأسيرية الأكثر تعقيداً. إن جوهر المنهجية يظل ثابتاً: العودة للسياق لاستخلاص المبدأ الأخلاقي، ثم إعادة إنتاجه في الحاضر بما يحقق العدالة الإنسانية.
وفي هذا السياق، تبرز قضية "تعدد الزوجات" كاختبار حقيقي لهذا النموذج المعرفي؛ حيث ينتقل فضل الرحمن من النظر إلى الآيات القرآنية كقوانين ثابتة معزولة عن الزمان، إلى رؤيتها كعملية إصلاحية تدرجية بدأت في القرن السابع الميلادي واستهدفت غايات أخلاقية عليا. ومن خلال هذا التحليل، يفكك الرحمن التشابك بين "التعدد" كإجراء أملته ضرورة رعاية الأيتام والأرامل قديماً، وبين "العدل" كقيمة كلية مطلقة، ممهداً الطريق لفهم عصري يوازن بين قداسة النص وحتمية التطور الاجتماعي.

الحركة الأولى: التحليل التاريخي واستخلاص المبدأ
يُقدّم فضل الرحمن في دراسته لقضية "تعدد الزوجات" نموذجاً تطبيقياً دقيقاً لكيفية استنطاق النص القرآني عبر أدوات علم الاجتماع التاريخي، حيث يرى أن الفهم الصحيح لآية التعدد (النساء: 3) لا يستقيم دون استحضار اللحظة التاريخية الحرجة التي تلت غزوة "أحد". فالمجتمع المسلم الناشئ كان يواجه أزمة ديموغرافية واجتماعية طاحنة تتمثل في كثرة الأيتام والأرامل الذين فقدوا معيلهم، مما جعل التعدد يبرز كآلية "عدلية" تهدف بالدرجة الأولى إلى توفير مظلة حماية اجتماعية لمن لا عائل لهم في بيئة كانت تفتقر تماماً للمؤسسات الرعوية أو أنظمة الضمان الاجتماعي الحديثة (Rahman, 1982).
وفي هذا السياق، يشدد الرحمن على أن إباحة التعدد لم تأتِ كتشريع غايته الأساسية إشباع الرغبة أو التنويع، بل جاءت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بمشكلة "الأيتام" تحديداً، وهو ما يظهره الربط النصي في الآية ذاتها. وبناءً على الحركة الأولى من منهجه، يستخلص الرحمن أن المقصد من وراء هذا الإجراء القانوني هو "إقامة العدل" وحماية أموال اليتامى من الضياع أو الاستغلال (Rahman, 1966). فالتعدد هنا لم يكن "حقاً" ذكورياً مجرداً، بل كان "واجبًا" أو حلاً اضطرارياً تفرضه مقتضيات الرحمة والعدالة الاجتماعية في سياق تاريخي محدد كان التعدد فيه هو الوسيلة الوحيدة المتاحة لتفادي كوارث اجتماعية أكبر (Rahman, 1980).
ويذهب فضل الرحمن إلى تحليل ما يصفه بـ "التوتر الأخلاقي" داخل النص القرآني؛ إذ يرى أن الوحي قد وضع شرطاً قانونياً صارماً للإباحة وهو "العدل"، ثم أردفه في موضع آخر (النساء: 129) بتقرير حقيقة نفسية واجتماعية وهي "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم". هذا التعارض الظاهري بين "الشرط" و"التقرير بالاستحالة" يعكس في نظر الرحمن نزوعاً قرآنياً نحو هدف غائي بعيد المدى، وهو الانتقال التدريجي بالمجتمع من نظام التعدد المطلق (الذي كان سائداً في الجاهلية دون قيود) إلى نظام "الوحدانية الزوجية" عبر تضييق الخناق الأخلاقي على ممارسة التعدد (Rahman, 1982, p. 28).
علاوة على ذلك، ينتقد الرحمن المنهجية الفقهية التقليدية التي فصلت بين الحكم القانوني (إباحة التعدد) وبين غايته الأخلاقية (العدل ورعاية الأيتام). ويرى أن الفقهاء حوّلوا "الوسيلة التاريخية" إلى "حكم ثابت" عابر للزمان والمكان، متجاهلين أن النص القرآني كان يستهدف خلق مجتمع عادل بالدرجة الأولى. لذا، فإن استخلاص المبدأ الأخلاقي يتطلب قراءة الآيات كوحدة واحدة متكاملة، حيث تُمثل آية "ولن تستطيعوا أن تعدلوا" القمة الأخلاقية التي يجب أن يتجه نحوها التطبيق القانوني في أي مجتمع ينشد العدالة القرآنية (Saeed, 2006).
و يوضح الرحمن أن استخلاص المبدأ الأخلاقي (حماية المستضعفين) يحرر المفسر من "عبادة الحرف". فإذا كان التعدد قد نزل كحل لمشكلة الأيتام، فإن المبدأ الدائم هو الحماية، بينما التعدد هو "الوسيلة المتغيرة". هذا التمييز الجوهري هو ما يمنح التشريع مرونته؛ إذ لا يمكن اعتبار التعدد "عدلاً" إذا تحول في سياق آخر إلى أداة لظلم المرأة أو تفكيك الأسرة، لأن ذلك يصطدم مباشرة مع المقصد الكلي للقرآن وهو منع الجور (Rahman, 1982).
ختاماً لهذه المرحلة التأسيسية، يخلص فضل الرحمن إلى أن القرآن الكريم قد سلك مسلكاً "تدرجياً" في إصلاح النظام الأسري. فالحركة الأولى في التاريخ كانت تهدف إلى تقنين التعدد وربطه بالعدل، تمهيداً لحركة ثانية (يقوم بها العقل المسلم في العصور اللاحقة) تهدف إلى تحقيق "المساواة الكاملة" التي أشار إليها الوحي ضمناً. ومن هنا، يضع الرحمن الأساس للانتقال إلى الحركة الثانية من نظريته، والتي تبحث في كيفية ترجمة مبدأ العدالة هذا إلى تشريعات تمنع التعدد في العصر الحديث نظراً لاستحالة تحقق شرطه الأخلاقي وتغير الوظيفة الاجتماعية التي كان يؤديها قديماً (Rahman, 1970).

الثانية: الإسقاط على الواقع المعاصر
تُمثل الحركة الثانية في تعامل فضل الرحمن مع قضية تعدد الزوجات مرحلة "التنزيل المعاصر"، حيث يسعى لنقل المبدأ الأخلاقي (العدل) من فضاء النص التاريخي إلى فضاء الواقع المعيش. يرى الرحمن أن الانتقال من الوسيلة إلى الهدف يقتضي إدراكاً عميقاً بأن التشريعات القرآنية ليست غايات في ذاتها، بل هي أدوات لتحقيق العدالة الاجتماعية. وفي العصر الحديث، يجادل الرحمن بأن "العدالة" التي كان يحققها التعدد في مجتمع المدينة الأول عبر توفير الحماية للأيتام والأرامل، لم تعد تقتضي بالضرورة الممارسة ذاتها، نظراً لتغير البنى التحتية للمجتمعات الإنسانية (Rahman, 1982).
يركز الرحمن على مفهوم تغير المؤسسات؛ حيث يرى أن الدولة الحديثة بمؤسساتها الرعوية، وأنظمة التأمين الاجتماعي، وصناديق الزكاة المنظمة، ومنظمات المجتمع المدني، أصبحت تمتلك "بدائل مؤسساتية" قادرة على أداء الوظيفة الاجتماعية التي كان يؤديها التعدد قديماً. فإذا كانت "العلة" أو السبب وراء إباحة التعدد هي رعاية الفئات المستضعفة وضمان أمنها المادي، فإن وجود هذه المؤسسات اليوم يُسقط الضرورة التاريخية للوسيلة القديمة، مما يفتح الباب أمام إعادة النظر في الحكم القانوني بما يتسق مع المقصد الأخلاقي الثابت (Rahman, 1980).
وينتقل الرحمن في تحليله ليشرح ما يسميه الاتجاه الغائي (Teleology) للقرآن؛ حيث يرى أن المتأمل في مجموع الآيات يدرك أن القرآن كان يوجه البشرية نحو "وحدانية الزوجة" (Monogamy) كنموذج أمثل للعلاقة الأسرية. فمن خلال وضع شرط "العدل" المستحيل بشرعاً وطبعاً، كان الوحي يمهد الطريق لإلغاء الممارسة تدريجياً. وبحسب الحركة المزدوجة، فإن العقل المسلم اليوم ملزم بتحقيق هذه الغاية النهائية، لأنها الأقدر على صون كرامة المرأة وتحقيق المساواة التي هي جوهر الرسالة الإسلامية في صورتها المكتملة (Saeed, 2006).
و يشدد الرحمن على أن الإبقاء على التعدد في العصر الحديث تحت دعوى "الارتباط بالحرف" يمثل انتكاسة عن المقصد القرآني. ففي مجتمعاتنا المعاصرة، غالباً ما يخرج التعدد عن سياق رعاية الأيتام ليتحول إلى أداة لظلم المرأة وتفكيك النسيج الأسري، وهو ما يتصادم مباشرة مع المبدأ الأخلاقي الأعلى الذي استخلصه الرحمن في الحركة الأولى. إن "العدل" في العصر الحديث يقتضي الاعتراف بالمرأة كشريك مساوٍ في الحقوق والواجبات، وهو ما لا يستقيم مع ممارسة التعدد في ظروف لم تعد تستوجبه (Rahman, 1982, p. 29).
ويناقش الرحمن ضرورة تفعيل "الاجتهاد التشريعي" القائم على المصلحة العامة (Maslaha). فهو لا يرى في تقييد التعدد أو منعه مخالفة للشريعة، بل يراه تطبيقاً روحياً لها. فإذا كان الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإن علة التعدد (الحاجة الاجتماعية والرعاية) قد تلاشت أو وجدت بدائلها، بينما بقيت علة المنع (الاستحالة في العدل والضرر الواقع على الأسرة) قائمة وقوية. لذا، فإن التشريع المعاصر يجب أن ينحاز للمبدأ الأخلاقي الدائم (العدل) على حساب الوسيلة التاريخية المنقضية (Rahman, 1970).
ختاماً، يخلص فضل الرحمن إلى أن تحقيق "روح القرآن" يتطلب شجاعة في مراجعة الموروث الفقهي الذي جمد الأحكام عند لحظتها الأولى. إن رؤيته لا تهدف إلى إلغاء النص، بل إلى تحريره من إسار التفسيرات الضيقة ليظل حياً وفاعلاً. ومن هنا، يبرز مشروعه كجسر يربط بين قداسة الوحي وحيوية التاريخ، مؤكداً أن الإسلام الحقيقي هو الذي يمتلك القدرة على إعادة صياغة قوانينه الاجتماعية لضمان استمرارية قيم العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية في كل زمان ومكان (Rahman, 1982).

الخاتمة
بناءً على ما تقدم، يتضح أن رؤية فضل الرحمن لقضية تعدد الزوجات لا تنفصل عن موقفه من الربا أو غيرها من التشريعات؛ فهي رؤية تنشد "روح الوحي" لا "حرفية التاريخ". لقد استطاع الرحمن عبر الحركة المزدوجة أن يثبت أن الإسلام يمتلك إمكانات داخلية للتطور دون التصادم مع مبادئه، مؤكداً أن الاستجابة لتحديات العصر تتطلب شجاعة في الانتقال من الفقه الاستاتيكي إلى الفقه الديناميكي. إن النتيجة القانونية التي وصل إليها بضرورة تقييد التعدد ليست مجرد تأثر بالحداثة الغربية، بل هي استجابة للمنطق الداخلي للقرآن نفسه الذي جعل من "العدل" بوصلة التحرك التشريعي، مما يضع مشروع الرحمن كأحد أهم المناهج التي حاولت إعادة الاعتبار للعقل المسلم في مواجهة تعقيدات الواقع المعاصر.

المراجع (References)
Rahman, F. (1966). Islam. Chicago: University of Chicago Press.
Rahman, F. (1970). Islamic Methodology in History. Karachi: Central Institute of Islamic Research.
Rahman, F. (1980). Major Themes of the Qur'an. Minneapolis: Bibliotheca Islamica.
Rahman, F. (1982). Islam & Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition. Chicago: University of Chicago Press.
Saeed, A. (2006). Interpreting the Qur'an: Towards a Contemporary Approach. London: Routledge.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...