تقديم:
من قال إن الزجل كلام عابر؟
من قال إن الزجل مجرّد لهجة؟
ومن أقنعنا أن الدارجة لا تفكّر؟
ومن قرّر أن الحكمة لا تُقال إلا بالفصحى، وأن العمق حكرٌ على القاموس؟
الزجل المغربي ليس فنًّا هامشيًا كما يُراد له أن يبدو، ولا كتابةً موازية للأدب “الرسمي”، بل هو أحد أخطر أشكال الوعي الشعبي:
وعي يشتغل من داخل اليومي،
ويُراكم الأسئلة دون ضجيج،
ويقول ما لا تجرؤ الخطابات المصفّفة على قوله.
الزجل لا يصرخ…
الزجل يُربك.
لأنه لا يستعرض اللغة،
بل يكشف الإنسان.
وحين يلتقي الزجل بالتصوّف، لا يكون ذلك ترفًا جماليًا،
بل عودةً إلى أصل مغربي عميق،
حيث الذوق سابق على التنظير،
والسؤال أصدق من الجواب.
كلمة في الزجّال إدريس بلعطار:
زجّال يمشي… ولا يركض
ينتمي الزجّال إدريس بلعطار إلى تلك القلّة التي لا تكتب الزجل بوصفه عرضًا لغويًا، بل سلوكًا فكريًا وروحيًا.
لا يكتب ليُصفّق له،
ولا يُغري القارئ بالصورة السهلة،
ولا يلهث خلف الإيقاع العالي.
زجل بلعطار بطيء…
لكنّه واثق.
متأمّل…
لكنّه غير هارب.
يكتب كما يمشي العارف:
خطوة محسوبة،
كلمة موزونة،
وصمت له معنى.
في نصوصه، لا نجد الزجل المناسباتي،
بل زجلًا يسائل الذوق،
ويُعيد الاعتبار للكلمة بوصفها مسؤولية لا لعبة.
قراءة نقدية في قصيدة «مقام العارف»
1. العنوان:
مقام لا يُعلَن… بل يُقترب منه
«مقام العارف» ليس عنوانًا يُعرّف نفسه،
بل عتبة ذوق.
المقام في الثقافة الصوفية ليس مكانًا نصل إليه بإعلان،
بل حالة تُنال بالمجاهدة،
وبالشك،
وبالانكسار الجميل.
العنوان لا يقول: أنا عارف،
بل يهمس: ما زلتُ في الطريق.
2. “كون”:
لغة الاحتمال بدل الخطابة
تُبنى القصيدة على تكرار كلمة «كون»،
وهي كلمة صغيرة في المبنى،
ثقيلة في الدلالة.
«كون» لا تُقرّر،
ولا تعظ،
ولا تُنهي النقاش.
إنها تفتح باب السؤال:
ماذا لو…؟
هل كان ممكنًا…؟
ألم يكن بالإمكان أن نكون أفضل؟
هنا، يتحوّل الزجل من خطاب إلى تجربة ذهنية وروحية.
3. الصورة الزجلية:
اليومي وهو يصعد إلى الرمز
الباب،
الشراجم،
الدفوف،
الصوف،
الصخرة…
كلها مفردات مأخوذة من الحياة البسيطة،
لكنها تتحوّل داخل النص إلى رموز:
باب الروح،
نافذة المعنى،
إيقاع الذكر،
وصبر العارف.
هكذا ينجح النص في رفع اليومي دون أن يزيّفه.
4. الشطح والتركيز:
معادلة العارف الصعبة
في قوله:
«ڭلوبنا بالفرحة شطحت وركزات»
نصّ أمام مفارقة دقيقة:
الفرح الذي يشطح،
والوعي الذي يظلّ راسخًا.
العارف لا يضيع في النشوة،
ولا يتحجّر في العقل،
بل يعرف كيف يرقص… دون أن يسقط.
5. العشق:
من الفردي إلى الجماعي
العشق هنا ليس غرامًا شخصيًا،
بل رؤية أخلاقية جماعية.
كأس واحدة،
سكر روحي،
وهمّ يُقاس… لا يُلغى.
إنها دعوة إلى تقاسم المعنى،
لا إلى احتكاره.
6. الحنين:
ليس بكاءً… بل محاكمة للحاضر
حين يقول:
“حنا هما حنا”
فهو لا يستدعي الماضي للبكاء عليه،
بل ليستفز الحاضر:
متى فقدنا وضوحنا؟
ومتى صارت الكلمة عاجزة عن خياطة الجراح؟
7. لغة النص:
دارجة تفكّر
دارجة إدريس بلعطار ليست استهلاكية،
ولا شفوية بالمعنى السطحي.
إنها دارجة تفكّر،
وتصغي،
وتسائل.
دارجة قريبة من الذكر الصوفي،
من دون تقليد،
ومن دون ادّعاء.
نص القصيدة
«مقام العارف» – إدريس بلعطار
كون بسمنا باب الروح
وشرعنا شراجمها
يروج غربي لمحبة
في ركاني غملات
كون لقّينا فينا الڭد
ڭد السما مع الأرض
ڭد ما نوّينا وتمنّينا
كون ڭلوبنا بالفرحة
شطحت وركزات
كون بسمنا باب الروح
وشرعنا شراجمها
دفوف دفوف
تتعانق خيوط الشعاك
خيوط الصوف
كون صخرة الصبر بالرجا
يخفاف ثقلها ويروف
كون علينا
كون سرّينا
كون وطّينا ڭاع العڭبات
كون بسمنا باب الروح
على كل نغمة سحرات
على كل كلمة وفّات
على كل نسمة هبّات
تهيم بالجوارح
وفملك الله تطوف
كون لخواطر تلاقات
وتصافات
فين تخالفت
وفين تحافات
آش فيها
إلا خلّينا العشق كاس
كلنا نشربوا منّو
تسكر أرواحنا
وهمّها يتقاس
وملوك لهوى يغنّوا
ويحضَروا لجدبة
بسبع لوانات
وآش خسرنا
إلا لبسنا ثوب الرغبة
طالبين مقام العارف
ونخلّيو الشهادة شاهدة
إلا الذوق ليوم تخالف
والحكمة راهي واجدة
إلا الري أصبح تالف
وتلفّ من الطريق
الخطوات
وآش غ يطرى
إلا توحّشنا يوم
كان فيه
“حنا هما حنا”
وتشهّينا يوم
كان خبزنا يشبه فلاحنا
وغنانا
كان قادر يخيط جراحنا
وكلمتنا
كانت ترصد للمعاني
فين خمدت
وتخبّات
بقلم: الإعلامي والسيناريست أحمد بوعروة
من قال إن الزجل كلام عابر؟
من قال إن الزجل مجرّد لهجة؟
ومن أقنعنا أن الدارجة لا تفكّر؟
ومن قرّر أن الحكمة لا تُقال إلا بالفصحى، وأن العمق حكرٌ على القاموس؟
الزجل المغربي ليس فنًّا هامشيًا كما يُراد له أن يبدو، ولا كتابةً موازية للأدب “الرسمي”، بل هو أحد أخطر أشكال الوعي الشعبي:
وعي يشتغل من داخل اليومي،
ويُراكم الأسئلة دون ضجيج،
ويقول ما لا تجرؤ الخطابات المصفّفة على قوله.
الزجل لا يصرخ…
الزجل يُربك.
لأنه لا يستعرض اللغة،
بل يكشف الإنسان.
وحين يلتقي الزجل بالتصوّف، لا يكون ذلك ترفًا جماليًا،
بل عودةً إلى أصل مغربي عميق،
حيث الذوق سابق على التنظير،
والسؤال أصدق من الجواب.
كلمة في الزجّال إدريس بلعطار:
زجّال يمشي… ولا يركض
ينتمي الزجّال إدريس بلعطار إلى تلك القلّة التي لا تكتب الزجل بوصفه عرضًا لغويًا، بل سلوكًا فكريًا وروحيًا.
لا يكتب ليُصفّق له،
ولا يُغري القارئ بالصورة السهلة،
ولا يلهث خلف الإيقاع العالي.
زجل بلعطار بطيء…
لكنّه واثق.
متأمّل…
لكنّه غير هارب.
يكتب كما يمشي العارف:
خطوة محسوبة،
كلمة موزونة،
وصمت له معنى.
في نصوصه، لا نجد الزجل المناسباتي،
بل زجلًا يسائل الذوق،
ويُعيد الاعتبار للكلمة بوصفها مسؤولية لا لعبة.
قراءة نقدية في قصيدة «مقام العارف»
1. العنوان:
مقام لا يُعلَن… بل يُقترب منه
«مقام العارف» ليس عنوانًا يُعرّف نفسه،
بل عتبة ذوق.
المقام في الثقافة الصوفية ليس مكانًا نصل إليه بإعلان،
بل حالة تُنال بالمجاهدة،
وبالشك،
وبالانكسار الجميل.
العنوان لا يقول: أنا عارف،
بل يهمس: ما زلتُ في الطريق.
2. “كون”:
لغة الاحتمال بدل الخطابة
تُبنى القصيدة على تكرار كلمة «كون»،
وهي كلمة صغيرة في المبنى،
ثقيلة في الدلالة.
«كون» لا تُقرّر،
ولا تعظ،
ولا تُنهي النقاش.
إنها تفتح باب السؤال:
ماذا لو…؟
هل كان ممكنًا…؟
ألم يكن بالإمكان أن نكون أفضل؟
هنا، يتحوّل الزجل من خطاب إلى تجربة ذهنية وروحية.
3. الصورة الزجلية:
اليومي وهو يصعد إلى الرمز
الباب،
الشراجم،
الدفوف،
الصوف،
الصخرة…
كلها مفردات مأخوذة من الحياة البسيطة،
لكنها تتحوّل داخل النص إلى رموز:
باب الروح،
نافذة المعنى،
إيقاع الذكر،
وصبر العارف.
هكذا ينجح النص في رفع اليومي دون أن يزيّفه.
4. الشطح والتركيز:
معادلة العارف الصعبة
في قوله:
«ڭلوبنا بالفرحة شطحت وركزات»
نصّ أمام مفارقة دقيقة:
الفرح الذي يشطح،
والوعي الذي يظلّ راسخًا.
العارف لا يضيع في النشوة،
ولا يتحجّر في العقل،
بل يعرف كيف يرقص… دون أن يسقط.
5. العشق:
من الفردي إلى الجماعي
العشق هنا ليس غرامًا شخصيًا،
بل رؤية أخلاقية جماعية.
كأس واحدة،
سكر روحي،
وهمّ يُقاس… لا يُلغى.
إنها دعوة إلى تقاسم المعنى،
لا إلى احتكاره.
6. الحنين:
ليس بكاءً… بل محاكمة للحاضر
حين يقول:
“حنا هما حنا”
فهو لا يستدعي الماضي للبكاء عليه،
بل ليستفز الحاضر:
متى فقدنا وضوحنا؟
ومتى صارت الكلمة عاجزة عن خياطة الجراح؟
7. لغة النص:
دارجة تفكّر
دارجة إدريس بلعطار ليست استهلاكية،
ولا شفوية بالمعنى السطحي.
إنها دارجة تفكّر،
وتصغي،
وتسائل.
دارجة قريبة من الذكر الصوفي،
من دون تقليد،
ومن دون ادّعاء.
نص القصيدة
«مقام العارف» – إدريس بلعطار
كون بسمنا باب الروح
وشرعنا شراجمها
يروج غربي لمحبة
في ركاني غملات
كون لقّينا فينا الڭد
ڭد السما مع الأرض
ڭد ما نوّينا وتمنّينا
كون ڭلوبنا بالفرحة
شطحت وركزات
كون بسمنا باب الروح
وشرعنا شراجمها
دفوف دفوف
تتعانق خيوط الشعاك
خيوط الصوف
كون صخرة الصبر بالرجا
يخفاف ثقلها ويروف
كون علينا
كون سرّينا
كون وطّينا ڭاع العڭبات
كون بسمنا باب الروح
على كل نغمة سحرات
على كل كلمة وفّات
على كل نسمة هبّات
تهيم بالجوارح
وفملك الله تطوف
كون لخواطر تلاقات
وتصافات
فين تخالفت
وفين تحافات
آش فيها
إلا خلّينا العشق كاس
كلنا نشربوا منّو
تسكر أرواحنا
وهمّها يتقاس
وملوك لهوى يغنّوا
ويحضَروا لجدبة
بسبع لوانات
وآش خسرنا
إلا لبسنا ثوب الرغبة
طالبين مقام العارف
ونخلّيو الشهادة شاهدة
إلا الذوق ليوم تخالف
والحكمة راهي واجدة
إلا الري أصبح تالف
وتلفّ من الطريق
الخطوات
وآش غ يطرى
إلا توحّشنا يوم
كان فيه
“حنا هما حنا”
وتشهّينا يوم
كان خبزنا يشبه فلاحنا
وغنانا
كان قادر يخيط جراحنا
وكلمتنا
كانت ترصد للمعاني
فين خمدت
وتخبّات
بقلم: الإعلامي والسيناريست أحمد بوعروة