يأتي تناول قضية "المواريث" كحلقة ثالثة وأساسية في سلسلة التطبيقات المنهجية التي خضع لها النص القرآني ضمن مشروع فضل الرحمن التجديدي. فبعد أن استعرضنا في المقالين السابقين كيف وظّف الرحمن "نظرية الحركة المزدوجة" لإعادة قراءة قضية "الربا" وتخليصها من طابعها الجاهلي الاستغلالي، وكيف فكك بنية "تعدد الزوجات" بوصفها حلاً اجتماعياً ارتبط بظرفية تاريخية معينة، ننتقل الآن إلى ملف المواريث الذي يمثل ذروة الجدل حول علاقة "حرفية النص" بـ "عدالة المقصد". إن الخيط الناظم بين هذه القضايا الثلاث هو إصرار الرحمن على أن الأحكام القانونية ليست غايات في ذاتها، بل هي وسائل لتحقيق قيم أخلاقية عليا، تتبدل أدواتها بتبدل البنى الاجتماعية والاقتصادية.
ففي قضية المواريث، لا ينظر فضل الرحمن إلى قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" كحكم رياضي جامد ومنعزل، بل يضعها في سياقها كجزء من "منظومة عدلية" متكاملة تشمل الحقوق والواجبات، تماماً كما فعل عند تمييزه بين الربح المشروع والربا، أو بين التعدد كعبء اجتماعي وبين العدل كشرط أخلاقي. يهدف هذا المقال إلى تتبع رحلة المفسر من سوسولوجيا المجتمع العربي القديم، حيث كانت الالتزامات المالية تقع حصراً على كاهل الرجل، وصولاً إلى تعقيدات العصر الحديث التي شهدت تحولاً جذرياً في أدوار المرأة ومسؤولياتها. وبذلك، تكتمل ملامح "النظام القيمي للقرآن" الذي يسعى الرحمن لاستعادته كبديل للجمود الفقهي الذي تسبب في فجوة بين مقاصد الشريعة وواقع الإنسان المعاصر.
الحركة الأولى: التحليل التاريخي واستخلاص المبدأ
يُقدّم فضل الرحمن في تحليله لقضية "المواريث" قراءة سوسيولوجية معمقة تتجاوز النظرة السطحية للنصوص، حيث يستهل الحركة الأولى من منهجه بتفكيك البنية التحتية للمجتمع العربي قبل الإسلام. يرى الرحمن أن الانتقال من حالة "الجاهلية" إلى "الإسلام" في ملف المرأة كان بمثابة ثورة حقوقية كبرى؛ ففي الوقت الذي كانت فيه المرأة تُورّث كجز من المتاع أو العقار ولا تملك حق الحيازة، جاء الوحي ليمنحها "الأهلية المالية" المستقلة، وهو تحول جذري لم تكن البيئة القبلية مهيأة له لولا التدخل الإلهي الذي استهدف تمكينها اقتصادياً ككيان بشري كرمه الله (Rahman, 1982).
وفي إطار فهمه لعلة التفاوت في النصيب (للذكر مثل حظ الأنثيين)، يرفض الرحمن التفسيرات التي ترجع ذلك إلى "نقص في القيمة الإنسانية" للمرأة، بل يربطه ارتباطاً وثيقاً بـ منظومة الالتزامات المالية المتبادلة في القرن السابع. ففي ذلك السياق التاريخي، كان الرجل هو المركز المالي للقبيلة والأسرة، حيث يتحمل منفرداً أعباء المهر، والنفقة الكاملة، ودفع الديات (العاقلة)، بينما كانت ذمة المرأة المالية محمية بالكامل، وما ترثه يظل ملكاً خالصاً لها لا تُكلف بإنفاقه على غيرها، مما جعل التفاوت في الإرث نوعاً من التوازن الحسابي الدقيق (Rahman, 1980).
من هنا، يستخلص فضل الرحمن المبدأ الأخلاقي الكلي الكامن وراء آيات المواريث، وهو مبدأ "العدالة التوزيعية" أو التناسب بين الحقوق والواجبات. يجادل الرحمن بأن المبدأ القرآني الأعلى ليس هو "تفضيل الذكر"، بل هو ضمان ألا يقع الظلم على الطرف الذي يحمل العبء المالي الأكبر في المجتمع. فالقرآن لم يستهدف إنقاص نصيب المرأة لذاته، بل أراد إدماجها في المنظومة المالية تدريجياً وبما لا يخل بالتزامات الرجل التي كانت حيوية لاستقرار النظام الاجتماعي آنذاك (Rahman, 1982, p. 32).
ويؤكد الرحمن أن هذه القراءة التاريخية تكشف عن "نزعة إصلاحية" في النص القرآني، حيث بدأ القرآن بتغيير الواقع من نقطة الصفر (حيث لا إرث للمرأة) وصولاً إلى منحها نصف نصيب الرجل كخطوة مرحلية كبرى. هذا التدرج يعكس في نظر الرحمن أن التشريع لم يكن مقصوداً لذاته كقالب جامد، بل كاستجابة لظروف معينة كانت تفرض توزيع الثروة بناءً على المسؤولية المادية والقوامة المالية التي كانت تقع حصراً على كاهل الرجال (Rahman, 1966).
علاوة على ذلك، يرى فضل الرحمن أن حصر الفهم في "الحرفية الرقمية" للمواريث يغفل "الروح العدلية" التي هي جوهر الرسالة. فالمبدأ الأخلاقي المستخلص يقتضي أن يكون العطاء مرتبطاً بالمسؤولية، وهذا الفهم هو الذي يحرر العقل المسلم من الوقوع في فخ التفسيرات التمييزية. فالقرآن، بحسب تحليل الرحمن، لم يثبت حكماً ضد المرأة، بل ثبت حكماً لصالح "العدل المطلق" في سياق كانت فيه المسؤوليات المالية موزعة بشكل غير متكافئ بين الجنسين (Saeed, 2006).
ختاماً لهذه المرحلة، يضع فضل الرحمن يده على ما يصفه بـ "الديناميكية التشريعية" في القرآن؛ إذ إن النص الذي أعطى المرأة حقاً لم يكن يملكه أحد من قبل، هو نص يتطلع نحو "المساواة الجوهرية". إن استخلاص مبدأ "العدالة التوزيعية" يمهد الطريق أمام المفسر المعاصر للانتقال إلى الحركة الثانية، حيث يتم التساؤل: إذا تغيرت هذه المسؤوليات والالتزامات المالية في العصر الحديث، فكيف يجب أن تنعكس الروح العدلية للقرآن على قوانين المواريث المعاصرة؟ (Rahman, 1970).
الحركة الثانية: الإسقاط على الواقع المعاصر
تُمثل الحركة الثانية في هرمينوطيقا فضل الرحمن مرحلة الانتقال الحاسمة من "النص التاريخي" إلى "الواقع المعاصر"، حيث يبدأ بتشخيص التبدل الجذري في الأدوار الاقتصادية بين الجنسين. يرى الرحمن أن المنظومة المالية التي استند إليها توزيع المواريث في الماضي (حيث كان الرجل هو المنفق الوحيد) قد تلاشت في الكثير من المجتمعات الحديثة؛ إذ أصبحت المرأة اليوم شريكاً حيوياً في إدارة ميزانية الأسرة، بل وفي حالات متزايدة هي العائل الأساسي لها. هذا التحول السوسيولوجي يعني، من منظور "الحركة المزدوجة"، أن "العلة" التي استوجبت التفاوت في النصيب قديماً قد تغيرت، مما يستدعي إعادة قراءة الحكم ليتناسب مع الحقائق الجديدة (Saeed, 2006).
وفي الفقرة الثانية، يُحلل الرحمن تآكل منظومة "العصبة" والتكافل القبلي؛ ففي العصور السابقة، كان نصيب الرجل الزائد يُبرر بكونه ملزماً بالإنفاق على قريباته في حال حاجتهن، وهو ما كان يُعرف بالتكافل العشائري. أما اليوم، فقد حلت "الأسرة النووية" والقوانين المدنية محل القبيلة، وأصبحت المسؤوليات المالية فردية إلى حد كبير. يجادل الرحمن بأن استمرار منح الرجل نصيباً مضاعفاً دون وجود تلك الالتزامات الاجتماعية القديمة يؤدي إلى خلل في ميزان "العدالة التوزيعية" التي استخلصها في حركته الأولى، مما يجعل الحفاظ على الحرفية اللفظية للنص في غير موضعها (Rahman, 1982, p. 35).
ينتقل الرحمن بعد ذلك للمطالبة بتحقيق "العدالة الكلية" التي هي مقصد الوحي الأسمى، معتبراً أن الجمود عند قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" في واقع تتساوى فيه الأعباء المالية بين الأخ وأخته، قد يتحول إلى "أداة ظلم" اجتماعي. فالمقصد القرآني كان دائماً منح كل فرد ما يستحق بناءً على دوره ومسؤوليته، وبالتالي فإن العدالة في العصر الحديث تقتضي أن يعكس نصيب الإرث حجم المشاركة الفعلية في بناء الثروة وحجم الالتزامات الملقاة على عاتق الوارث، ذكراً كان أم أنثى (Rahman, 1980).
وفي إطار حديثه عن الاتجاه الغائي (Teleology) للقرآن، يرى فضل الرحمن أن الوحي لم يضع "سقفاً نهائياً" لمكانة المرأة، بل بدأ "عملية تحريرية" تصاعدية. فإذا كان القرآن قد نقلها من الصفر إلى النصف في بيئة معادية لحقوقها، فإن "روح النص" توحي بأن الهدف النهائي هو الوصول إلى المساواة التامة في الحقوق والواجبات متى ما نضجت الظروف الاجتماعية لذلك. إن الحركة الثانية تفرض علينا استكمال هذا المسار التحريري الذي رسمه الوحي، لا التوقف عند المحطة التاريخية التي توقف عندها المجتمع في القرن السابع (Rahman, 1982).
ويؤكد الرحمن في الفقرة الخامسة أن هذا التوجه لا يعد "نسخاً" للقرآن بالعقل، بل هو "امتثالٌ أعمق" لمقاصده. فالاجتهاد المقاصدي في المواريث يهدف إلى الحفاظ على صورة الإسلام كدين يحقق العدل المطلق في كل زمان ومكان. ويرى أن تعطيل "المبدأ الأخلاقي" (المساواة والعدل) لحساب "الوسيلة التاريخية" (النصيب المحدد قديماً) هو الذي يُعرض الشريعة لاتهامات الجمود وعدم الصلاحية، بينما تعيد "الحركة المزدوجة" الاعتبار للوحي كمرجعية حية قادرة على توجيه المجتمعات نحو كمالها الأخلاقي (Rahman, 1970).
ختاماً، يخلص فضل الرحمن إلى أن ممارسة الحركة الثانية في قضايا المواريث تتطلب شجاعة تشريعية ومؤسساتية. إن الهدف النهائي من مشروعه هو تحويل الإسلام من "فقه نصوص ثابتة" إلى "نظام قيمي ديناميكي". ومن خلال تطبيق هذا المنهج، تصبح المساواة في الإرث في حالات تساوى الأعباء هي التطبيق الأمثل لـ "العدل القرآني" في العصر الحديث، مما يجعل إرث فضل الرحمن ركيزة أساسية لأي نهضة قانونية إسلامية تنشد التوفيق بين الأصالة ومقتضيات الكرامة الإنسانية المعاصرة (Rahman, 1982, p. 38).
النتيجة القانونية عند فضل الرحمن
تأسيساً على ما سبق، يرى فضل الرحمن أن النتيجة القانونية الحتمية لإهمال السياق التاريخي والتمسك الحرفي بأرقام المواريث هي "تفريغ التشريع من جوهره العدلي"؛ إذ إن القوانين التي وُضعت أصلاً لإنصاف المرأة وحماية التوازن المالي للأسرة قد تتحول، في ظل تبدل الأدوار الاقتصادية الحديثة، إلى أداة لتكريس اللامساواة. ويؤكد الرحمن أن استمرار العمل بقاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" في حالات تساوى فيها الأخ وأخته في الإنفاق والالتزامات، يمثل صداماً صريحاً مع المقصد القرآني الأعلى وهو العدل؛ فالتشريع الذي كان "عدلاً" في القرن السابع لغلبة الأعباء على الرجال، قد يصبح "جوراً" في القرن الحادي والعشرين إذا فُصل عن علته الأصلية وغايته الأخلاقية (Rahman, 1982).
وبناءً عليه، دعا فضل الرحمن بجرأة إلى فتح باب الاجتهاد التشريعي المؤسساتي لتعديل قوانين المواريث بما يضمن تحقيق المساواة التامة في الحالات التي تتساوى فيها الأعباء والمسؤوليات المالية بين الجنسين. ويشدد في رؤيته الختامية على أن هذا التوجه لا يعد التفافاً على النص أو خروجاً عن ثوابت الإسلام، بل هو وصولٌ واعٍ إلى "النهاية المنطقية" والغاية الغائية (Teleology) التي استهدفها الوحي منذ بداياته التحريرية الأولى. إن الوفاء الحقيقي للقرآن عند الرحمن لا يكون بتجميد أحكامه عند لحظة زمنية معينة، بل بإطلاق "روحه الأخلاقية" لتصيغ واقعاً جديداً تتحقق فيه الكرامة الإنسانية والمساواة الجوهرية كجزء لا يتجزأ من التوحيد والعدل الإلهي (Rahman, 1982, p. 38).
المراجع (References)
Rahman, F. (1980). Major Themes of the Qur'an. Bibliotheca Islamica.
Rahman, F. (1982). Islam & Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition. University of Chicago Press.
Saeed, A. (2006). Interpreting the Qur'an: Towards a Contemporary Approach. Routledge.
ففي قضية المواريث، لا ينظر فضل الرحمن إلى قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" كحكم رياضي جامد ومنعزل، بل يضعها في سياقها كجزء من "منظومة عدلية" متكاملة تشمل الحقوق والواجبات، تماماً كما فعل عند تمييزه بين الربح المشروع والربا، أو بين التعدد كعبء اجتماعي وبين العدل كشرط أخلاقي. يهدف هذا المقال إلى تتبع رحلة المفسر من سوسولوجيا المجتمع العربي القديم، حيث كانت الالتزامات المالية تقع حصراً على كاهل الرجل، وصولاً إلى تعقيدات العصر الحديث التي شهدت تحولاً جذرياً في أدوار المرأة ومسؤولياتها. وبذلك، تكتمل ملامح "النظام القيمي للقرآن" الذي يسعى الرحمن لاستعادته كبديل للجمود الفقهي الذي تسبب في فجوة بين مقاصد الشريعة وواقع الإنسان المعاصر.
الحركة الأولى: التحليل التاريخي واستخلاص المبدأ
يُقدّم فضل الرحمن في تحليله لقضية "المواريث" قراءة سوسيولوجية معمقة تتجاوز النظرة السطحية للنصوص، حيث يستهل الحركة الأولى من منهجه بتفكيك البنية التحتية للمجتمع العربي قبل الإسلام. يرى الرحمن أن الانتقال من حالة "الجاهلية" إلى "الإسلام" في ملف المرأة كان بمثابة ثورة حقوقية كبرى؛ ففي الوقت الذي كانت فيه المرأة تُورّث كجز من المتاع أو العقار ولا تملك حق الحيازة، جاء الوحي ليمنحها "الأهلية المالية" المستقلة، وهو تحول جذري لم تكن البيئة القبلية مهيأة له لولا التدخل الإلهي الذي استهدف تمكينها اقتصادياً ككيان بشري كرمه الله (Rahman, 1982).
وفي إطار فهمه لعلة التفاوت في النصيب (للذكر مثل حظ الأنثيين)، يرفض الرحمن التفسيرات التي ترجع ذلك إلى "نقص في القيمة الإنسانية" للمرأة، بل يربطه ارتباطاً وثيقاً بـ منظومة الالتزامات المالية المتبادلة في القرن السابع. ففي ذلك السياق التاريخي، كان الرجل هو المركز المالي للقبيلة والأسرة، حيث يتحمل منفرداً أعباء المهر، والنفقة الكاملة، ودفع الديات (العاقلة)، بينما كانت ذمة المرأة المالية محمية بالكامل، وما ترثه يظل ملكاً خالصاً لها لا تُكلف بإنفاقه على غيرها، مما جعل التفاوت في الإرث نوعاً من التوازن الحسابي الدقيق (Rahman, 1980).
من هنا، يستخلص فضل الرحمن المبدأ الأخلاقي الكلي الكامن وراء آيات المواريث، وهو مبدأ "العدالة التوزيعية" أو التناسب بين الحقوق والواجبات. يجادل الرحمن بأن المبدأ القرآني الأعلى ليس هو "تفضيل الذكر"، بل هو ضمان ألا يقع الظلم على الطرف الذي يحمل العبء المالي الأكبر في المجتمع. فالقرآن لم يستهدف إنقاص نصيب المرأة لذاته، بل أراد إدماجها في المنظومة المالية تدريجياً وبما لا يخل بالتزامات الرجل التي كانت حيوية لاستقرار النظام الاجتماعي آنذاك (Rahman, 1982, p. 32).
ويؤكد الرحمن أن هذه القراءة التاريخية تكشف عن "نزعة إصلاحية" في النص القرآني، حيث بدأ القرآن بتغيير الواقع من نقطة الصفر (حيث لا إرث للمرأة) وصولاً إلى منحها نصف نصيب الرجل كخطوة مرحلية كبرى. هذا التدرج يعكس في نظر الرحمن أن التشريع لم يكن مقصوداً لذاته كقالب جامد، بل كاستجابة لظروف معينة كانت تفرض توزيع الثروة بناءً على المسؤولية المادية والقوامة المالية التي كانت تقع حصراً على كاهل الرجال (Rahman, 1966).
علاوة على ذلك، يرى فضل الرحمن أن حصر الفهم في "الحرفية الرقمية" للمواريث يغفل "الروح العدلية" التي هي جوهر الرسالة. فالمبدأ الأخلاقي المستخلص يقتضي أن يكون العطاء مرتبطاً بالمسؤولية، وهذا الفهم هو الذي يحرر العقل المسلم من الوقوع في فخ التفسيرات التمييزية. فالقرآن، بحسب تحليل الرحمن، لم يثبت حكماً ضد المرأة، بل ثبت حكماً لصالح "العدل المطلق" في سياق كانت فيه المسؤوليات المالية موزعة بشكل غير متكافئ بين الجنسين (Saeed, 2006).
ختاماً لهذه المرحلة، يضع فضل الرحمن يده على ما يصفه بـ "الديناميكية التشريعية" في القرآن؛ إذ إن النص الذي أعطى المرأة حقاً لم يكن يملكه أحد من قبل، هو نص يتطلع نحو "المساواة الجوهرية". إن استخلاص مبدأ "العدالة التوزيعية" يمهد الطريق أمام المفسر المعاصر للانتقال إلى الحركة الثانية، حيث يتم التساؤل: إذا تغيرت هذه المسؤوليات والالتزامات المالية في العصر الحديث، فكيف يجب أن تنعكس الروح العدلية للقرآن على قوانين المواريث المعاصرة؟ (Rahman, 1970).
الحركة الثانية: الإسقاط على الواقع المعاصر
تُمثل الحركة الثانية في هرمينوطيقا فضل الرحمن مرحلة الانتقال الحاسمة من "النص التاريخي" إلى "الواقع المعاصر"، حيث يبدأ بتشخيص التبدل الجذري في الأدوار الاقتصادية بين الجنسين. يرى الرحمن أن المنظومة المالية التي استند إليها توزيع المواريث في الماضي (حيث كان الرجل هو المنفق الوحيد) قد تلاشت في الكثير من المجتمعات الحديثة؛ إذ أصبحت المرأة اليوم شريكاً حيوياً في إدارة ميزانية الأسرة، بل وفي حالات متزايدة هي العائل الأساسي لها. هذا التحول السوسيولوجي يعني، من منظور "الحركة المزدوجة"، أن "العلة" التي استوجبت التفاوت في النصيب قديماً قد تغيرت، مما يستدعي إعادة قراءة الحكم ليتناسب مع الحقائق الجديدة (Saeed, 2006).
وفي الفقرة الثانية، يُحلل الرحمن تآكل منظومة "العصبة" والتكافل القبلي؛ ففي العصور السابقة، كان نصيب الرجل الزائد يُبرر بكونه ملزماً بالإنفاق على قريباته في حال حاجتهن، وهو ما كان يُعرف بالتكافل العشائري. أما اليوم، فقد حلت "الأسرة النووية" والقوانين المدنية محل القبيلة، وأصبحت المسؤوليات المالية فردية إلى حد كبير. يجادل الرحمن بأن استمرار منح الرجل نصيباً مضاعفاً دون وجود تلك الالتزامات الاجتماعية القديمة يؤدي إلى خلل في ميزان "العدالة التوزيعية" التي استخلصها في حركته الأولى، مما يجعل الحفاظ على الحرفية اللفظية للنص في غير موضعها (Rahman, 1982, p. 35).
ينتقل الرحمن بعد ذلك للمطالبة بتحقيق "العدالة الكلية" التي هي مقصد الوحي الأسمى، معتبراً أن الجمود عند قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" في واقع تتساوى فيه الأعباء المالية بين الأخ وأخته، قد يتحول إلى "أداة ظلم" اجتماعي. فالمقصد القرآني كان دائماً منح كل فرد ما يستحق بناءً على دوره ومسؤوليته، وبالتالي فإن العدالة في العصر الحديث تقتضي أن يعكس نصيب الإرث حجم المشاركة الفعلية في بناء الثروة وحجم الالتزامات الملقاة على عاتق الوارث، ذكراً كان أم أنثى (Rahman, 1980).
وفي إطار حديثه عن الاتجاه الغائي (Teleology) للقرآن، يرى فضل الرحمن أن الوحي لم يضع "سقفاً نهائياً" لمكانة المرأة، بل بدأ "عملية تحريرية" تصاعدية. فإذا كان القرآن قد نقلها من الصفر إلى النصف في بيئة معادية لحقوقها، فإن "روح النص" توحي بأن الهدف النهائي هو الوصول إلى المساواة التامة في الحقوق والواجبات متى ما نضجت الظروف الاجتماعية لذلك. إن الحركة الثانية تفرض علينا استكمال هذا المسار التحريري الذي رسمه الوحي، لا التوقف عند المحطة التاريخية التي توقف عندها المجتمع في القرن السابع (Rahman, 1982).
ويؤكد الرحمن في الفقرة الخامسة أن هذا التوجه لا يعد "نسخاً" للقرآن بالعقل، بل هو "امتثالٌ أعمق" لمقاصده. فالاجتهاد المقاصدي في المواريث يهدف إلى الحفاظ على صورة الإسلام كدين يحقق العدل المطلق في كل زمان ومكان. ويرى أن تعطيل "المبدأ الأخلاقي" (المساواة والعدل) لحساب "الوسيلة التاريخية" (النصيب المحدد قديماً) هو الذي يُعرض الشريعة لاتهامات الجمود وعدم الصلاحية، بينما تعيد "الحركة المزدوجة" الاعتبار للوحي كمرجعية حية قادرة على توجيه المجتمعات نحو كمالها الأخلاقي (Rahman, 1970).
ختاماً، يخلص فضل الرحمن إلى أن ممارسة الحركة الثانية في قضايا المواريث تتطلب شجاعة تشريعية ومؤسساتية. إن الهدف النهائي من مشروعه هو تحويل الإسلام من "فقه نصوص ثابتة" إلى "نظام قيمي ديناميكي". ومن خلال تطبيق هذا المنهج، تصبح المساواة في الإرث في حالات تساوى الأعباء هي التطبيق الأمثل لـ "العدل القرآني" في العصر الحديث، مما يجعل إرث فضل الرحمن ركيزة أساسية لأي نهضة قانونية إسلامية تنشد التوفيق بين الأصالة ومقتضيات الكرامة الإنسانية المعاصرة (Rahman, 1982, p. 38).
النتيجة القانونية عند فضل الرحمن
تأسيساً على ما سبق، يرى فضل الرحمن أن النتيجة القانونية الحتمية لإهمال السياق التاريخي والتمسك الحرفي بأرقام المواريث هي "تفريغ التشريع من جوهره العدلي"؛ إذ إن القوانين التي وُضعت أصلاً لإنصاف المرأة وحماية التوازن المالي للأسرة قد تتحول، في ظل تبدل الأدوار الاقتصادية الحديثة، إلى أداة لتكريس اللامساواة. ويؤكد الرحمن أن استمرار العمل بقاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" في حالات تساوى فيها الأخ وأخته في الإنفاق والالتزامات، يمثل صداماً صريحاً مع المقصد القرآني الأعلى وهو العدل؛ فالتشريع الذي كان "عدلاً" في القرن السابع لغلبة الأعباء على الرجال، قد يصبح "جوراً" في القرن الحادي والعشرين إذا فُصل عن علته الأصلية وغايته الأخلاقية (Rahman, 1982).
وبناءً عليه، دعا فضل الرحمن بجرأة إلى فتح باب الاجتهاد التشريعي المؤسساتي لتعديل قوانين المواريث بما يضمن تحقيق المساواة التامة في الحالات التي تتساوى فيها الأعباء والمسؤوليات المالية بين الجنسين. ويشدد في رؤيته الختامية على أن هذا التوجه لا يعد التفافاً على النص أو خروجاً عن ثوابت الإسلام، بل هو وصولٌ واعٍ إلى "النهاية المنطقية" والغاية الغائية (Teleology) التي استهدفها الوحي منذ بداياته التحريرية الأولى. إن الوفاء الحقيقي للقرآن عند الرحمن لا يكون بتجميد أحكامه عند لحظة زمنية معينة، بل بإطلاق "روحه الأخلاقية" لتصيغ واقعاً جديداً تتحقق فيه الكرامة الإنسانية والمساواة الجوهرية كجزء لا يتجزأ من التوحيد والعدل الإلهي (Rahman, 1982, p. 38).
المراجع (References)
Rahman, F. (1980). Major Themes of the Qur'an. Bibliotheca Islamica.
Rahman, F. (1982). Islam & Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition. University of Chicago Press.
Saeed, A. (2006). Interpreting the Qur'an: Towards a Contemporary Approach. Routledge.