أحمد عبدالله إسماعيل - الميراث...

في المساء الذي سبق الجنازة، وقف عمر أمام واجهة محل الصائغ. كان المحل مغلقًا. رأى وجهه في الزجاج، شاحباً كأنه لشخص آخر. عاد إلى بيته، وفي جيبه لفافتان: واحدة من ورق خشن، لف العم شاكر فيها تمرًا قبل موته بأسبوع، والأخرى من قماش، كتبت عليها ليلى ذات مساء: "لن أنتظر أكثر من عام".
في صباح اليوم التالي، وقفوا جميعًا حول القبر. ظلت سارة تبكي، لكن عمرًا لم يرَ دموعها. نظر إلى يديها المتشابكتين فوق بطنها الذي بدأ ينتفخ قليلاً. تذكر أن خالدًا وقف هنا قبل خمس سنوات، حين دفنوا أمهم، وهو يسند سارة بذراعه طوال الوقت. يومها قال خالد: "أنتم عائلتي الآن". قالها بصوت منخفض، لكن عمرًا سمعه.
بعد أربعين يومًا، فُتحت الخزائن.
لم يذهب عمر إلى البنك. ذهب إلى بيت ليلى. وقف أمام الباب الخشبي، يمسح كفيه على بنطاله مرارًا. فتحت أمها. وقفت تنظر إليه طويلاً، ثم قالت: تزوجت. الشهر الماضي. سافرت معه.
وقف عمر مكانه. يريد أن يقول شيئًا، لكنه لم يجد الكلمات. مشى إلى السوق، اشترى خاتمًا من الواجهة ذاتها. وضعه في جيبه بجانب اللفافتين. عاد إلى البنك، فتح حسابًا، أودع الميراث، ثم أغلق الحساب في اليوم نفسه. احتفظ بالخاتم.
مدت سارة رجليها على الأريكة. وضعت كعب حذائها على حافة طاولة الطعام، قبالة خالد الذي يحتسي قهوته. نظرت إلى فمه وهو يرتشف، إلى يده التي تمسك الفنجان، نفس اليد التي كانت تضعها على بطنها ليلاً، يتحسس حركة الطفل.
قالت: خالد. أريد الطلاق.
رفع رأسه. انسابت القهوة على إصبعه، ولم يتحرك.
نظر إلى بطنها. قالت: انتهى، الأسبوع الماضي.
وضع الفنجان. وقف. مشى إلى النافذة، ظهره لها. قال: لماذا؟
قالت: لأني أستطيع الآن.
سأل: وتستطيعين ماذا؟
قالت: أنام حتى الظهر. أسافر دون أن يسأل أحد أين كنتِ.
التفت إليها. كان يبكي، دون دموع. قال: كنت أسأل خوفاً عليكِ.
ضحكت. ضحكة قصيرة، كشيء ينكسر من الداخل.
غادر. بعد شهر، وصلته بطاقة بريدية من باريس. صورة برج إيفل. ظهرها أبيض. وضعها في درج المطبخ، بين شهادة ميلاده وشهادة زواجهما. أغلق الدرج.
لم يعرف عمر بمغادرة سارة إلا بعد شهرين. اتصل بها. كان صوتها بعيدًا، كأنها في بئر.
قال: كيف أنتِ؟
قالت: في فيينا.
صمت. ثم: وخالد؟
قالت: لا أعرف. لم أسأل. وأنت؟ ليلى؟
قال: لا.
قالت: الملايين جعلتنا شجعانًا، أليس كذلك؟
لم يجب.
أغلق الخط. جلس على عتبة بيته. أخرج لفافة القماش من جيبه، قرأ: لن أنتظر أكثر من عام. كان قد مر عامان وشهران. أخرج الخاتم من الجيب الآخر. وضعه في كفه. كان صغيرًا، بسيطًا. ليس كمثله شيئ.
دخل البيت. وضع الخاتم واللفافة في كتاب لم يقرأه. وضع الكتاب في الرف الأخير، خلف كتب قديمة لأبيه.
في تلك الليلة، ينام كل منهما في مدينة مختلفة، تحت سماء واحدة.
عمر في غرفته المفروشة. سمع بكاء طفل من خلف الجدار. وضع يده على الجدار، وبقي هكذا حتى توقف البكاء.
سارة في شرفة فندقها. رأت عجوزًا في الشارع البارد، تقود كلبًا أعرج. توقفت العجوز، انحنت، مسحت على رأسه. مشيا معًا ببطء.
أشعلت سارة سيجارة. رغم أنها بطبعها لا تدخن. نظرت إلى الدخان وهو يتسلق السماء. شعرت بشيء تحت عظمة القفص الصدري، في المكان الذي نام فيه الجنين. لم تضع يدها هناك. بقيت تنظر إلى الدخان.
في الصباح، مسحت رقم خالد من هاتفها. ومسح عمر صورة ليلى من هاتفه. كانت الصورة الوحيدة. حين اختفت، بقي الإطار أبيض.
بعد عام، زار عمر المقبرة. وقف عند قبر العم شاكر. رأى الحجارة نظيفة، لكن النبتة الصغيرة التي زرعها في الزيارة السابقة ذبلت. جلس على الرخام البارد. أخرج الخاتم من جيبه، قرصه بين أصابعه ثم أعاده.
قال في نفسه: "عمي شاكر، ماذا كنت تفعل وحدك كل هذه السنوات؟"
لم يجب أحد.
قبل أن يغادر، لاحظ أن قبرًا جديدًا بجانب قبر العم شاكر. اقترب. قرأ الاسم: خالد. زوج أخته سارة. تاريخ الأمس.
وقف مكانه طويلاً. لم يفهم. لم يتصل بسارة. عاد إلى بيته، فتح الدرج، أخرج البطاقة البريدية من باريس. قلبها. ظهرها أبيض. وضعها أمامه على الطاولة، وظل ينظر إليها حتى المساء.
في فيينا، في نفس اليوم، أخذت سارة تمشي في شارع طويل حتى توقفت أمام محل لبيع التحف. رأت في الواجهة ساعة رجالية قديمة، تشبه ساعة كان يلبسها خالد. دخلت، سألت عن السعر. كان غاليًا. اشترته.
في الفندق، فتحت علبة الساعة. أخرجتها. لفتها حول معصمها. كانت كبيرة، فضفاضة. نامت وهي تلبسها.
في الصباح، اتصلت بعمر.
قال: عرفت.
قالت: أعرف.
صمتا طويلاً. ثم قالت: الساعة التي اشتراها في ليلة زفافنا، باعها قبل أن يموت. وجدت إيصال البيع في جيب بدلته.
سأل عمر: لماذا تخبريني؟
قالت: لأني لا أعرف من غيرك.
أغلقا الخط.
فتح عمر الدرج مجددًا. أخرج البطاقة البريدية. كتب على ظهرها بقلم جاف: خالد مات. الساعة التي اشتراها في ليلة زفافكما، باعها قبل أن يموت.
وضع البطاقة في ظرف، وكتب عنوان سارة في فيينا من ذاكرته. لم يرسله. ظل على الطاولة أيامًا، ثم وضعه في الدرج بجانب الخاتم واللفافتين.
بعد أسبوع، وجدت سارة الخاتم في جيب معطف قديم، لم تلبسه منذ سنوات. لا تتذكر كيف وصل إلى هناك. لا تتذكر لماذا اشترته أصلاً. وضعته في إصبعها. وجدته ضيقًا؛ ظل ينزلق كلما حركت يدها.
مشت إلى النافذة. كانت تنظر إلى شارع فيينا البارد. رأت عجوزًا جديدة، تمشي وحدها، دون كلب.
رفعت يدها تنظر إلى الخاتم في ضوء المساء. كان معدن رخيصًا، مخدوشاً. لا يشبه شيئًا.
في تلك اللحظة، في مدينته، كان عمر يبحث عن الكتاب الذي وضع فيه الخاتم الآخر. فتح الرف الأخير. قلب الكتب القديمة. لم يجده. تأكد أنه نفس الرف، نفس المكان. الخاتم لم يكن هناك.
وقف يتذكر: هل أخرجه يومًا ونسي أين وضعه؟ هل أخذه أحد؟ هل تركه في جيب معطف أيضًا؟
فتح جيب المعطف الذي كان يلبسه في المقبرة. كان فارغًا.
جلس على الأرض. فتح الدرج. أخرج اللفافتين. فتح واحدة: بقايا تمر متفتت. فتح الأخرى: لن أنتظر أكثر من عام.
وضعها أمامه. ثم أخرج الهاتف. فتح صور ليلى. كان الإطار لا يزال أبيض. أغلقه.
في فيينا، خلعت سارة الخاتم من أصبعها. وضعته على الطاولة بجانب الساعة الرجالية الكبيرة. نظرت إليهما معاً. الساعة لا تدق، والخاتم لا يلمع.
قبل أن تنام، أرسلت رسالة لعمر: وجدت خاتمًا في جيبي اليوم. لا أعرف لمن كان. أحتفظ به أم أرميه؟
في الصباح، قرأ الرسالة. لم يجب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...