رولان بارط - وقائع عرضية (1)... ترجمة: إسماعيل أزيات

"أضع نفسي في وضع من ينجز شيئا، وليس في وضع من يتكلّم عن شيء: لا أدرس منتوجا؛ وإنّما أنخرط في عملية إنتاجه؛ فأبطل الخطاب عن الخطاب؛ ولذلك لم يعد العالم يحضر عندي في شكل موضوع؛ ولكن في شكل كتابة؛ أي في شكل ممارسة؛ وهكذا أنتقل إلى نوع آخر من المعرفة (معرفة الهاوي)..."
ر. ب ((Incidents
في المغرب، منذ زمن ليس ببعيد
نادل، في مطعم محطّة، يخرج ليقطف زهرة جيرانيوم حمراء ثمّ يضعها في كأس من الماء بين آلة القهوة وحوض ممتلئ بأكواب وأطباق متّسخة.
في ساحة قبالة سوق صغير، ولد بقميص أزرق تتطاير أطرافه، علامة على اختلال (ما يعني في هذا البلد اتّصاف الشاب بكلّ سمات الجنون) يومئ لأحد الأوروبيين ويصرخ في وجهه: "عدْ إلى بلدك!". ثمّ يتوارى. بعد هنيهة، تدلّ تراتيل على اقتراب جنازة؛ يظهر الموكب. بين حاملي النعش (بالتناوب) الولدُ نفسه، وقد صار طيّعا، هادئا لبعض الوقت.
اضطهاد الحلاقة: يجزم رفائيليتو أنّ والده قصّ له شعره أثناء نومه. أولاد آخرون يؤكّدون أنّ الشرطة تجزّ شعرهم حين تقبض عليهم بشكل مباغت في الشارع: تمرّد وقمع على صعيد شعر الأولاد الأسود.
أمريكيتان مسنّتان تمسكان بمرفقي رجل أعمى، طويل القامة أكبر منهما سنّا وتعبران به الطّريق وهو بينهما. لكن ما كان يبتغيه، هذا الأوديب، هي النقود: النقود، النقود، وليس المساعدة.
ولد حسّاس، لطيف شيئا ما، بيدين تبدوان خشنتين قليلا، يقوم فجأة بعمل إشارة من أصبعه تبين أنّه فتى بانكي¹ punk : ينفض بلمسة خفيفة من ظهر ظفره رماد سيجارته.
يطلب عبدر Abder منشفة نظيفة، والتي، بدافع الخشية الدينية من النّجاسة، يلزم الاحتفاظ بها هنا قرب السّرير، ليتطهّر بها عقب ممارسة الجنس.
حاج موقّر، ذو لحية قصيرة مشذّبة بحرص شديد، وبيدين مقلّمتين بعناية، مسدلة عليه، بفنّ ومهارة، جلاّبة بيضاء مثل الثلج ذات قماش رهيف للغاية، يشرب كأس حليب.
ومع ذلك هذا ما وقع: لطخة، أثر خفيف لشيء ما، ربّما براز حمامة على غطاء للرأس نظيف جدّا.
امرأة أوروبية ما عادت شابّة، مثقلة بالمساحيق، متّسخة، ملفوفة بشكل مضحك بكلّ ما يثير الحركة وتنسلّ خيوطه، شعر بجدائل، أهداب تتدلّى من فوق المعطف، حقيبة وحواشي ثوب بعضه فوق بعض، تمرّ عبر السوق. هذه التحفة المتأرجحة كالبندول (بحسب صبيّ لا تطرف عينه) "ساحرة سوڤياتية".
الطفل الذي وجدته في الممرّ كان نائما في كرتون قديم، الرأس بارز كما لو كان مفصولا عن جسده.
بالقرب من السوق، استقرّ زوجان أوروبيان يبيعان الطعام الخفيف للهبيّين. لافتة تقول: حفظ الصحة اختصاصنا. وتفرغ المرأة منفضة السجائر في الشارع، الأمر الذي ليس سلوكا بريطانيا.
فتاة تعاقبها أمّها على الملأ، أمّ فلاّحة. البنت تصيح والأمّ هادئة، مصرّة على العقاب؛ أمسكت بشعر الفتاة كما لو أنّه قطعة ثوب، وشرعت توجّه لها سلسلة ضربات عنيفة منتظمة على رأسها. تتشكّل حلقة على الفور. حُكم المدلّك²: المرأة على حقّ ــ لماذا ؟ ــ لأنّ الفتاة عاهرة (في الواقع، هو لا يعرف عنها شيئا).
الطفل ــ لا يمكن أن يكون تجاوز الخامسة من العمر ــ يرتدي بنطلونا قصيرا وقبّعة: يدقّ على أحد الأبواب، يبصق، يسوّي ما بين فخديه.
متسوّل مسنّ أعمى، بلحية بيضاء، يلبس جلاّبة: ذو هيبة، بوجه جامد، ذو ملمح كلاسيكي، مسرحي، سوفوكلي. بينما وجه المراهق الذي يستجدي له يتحمّل كلّ الشحنة التعيرية التي تسمح بها مثل هذه الوضعية: قسمات محتضر يزيدها تجهّم مهدّد تشويها تعلن عن المكابدة، عن الفقر، عن الظلم، عن الخراب: انظروا ! انظروا ! يقول وجه الفتى إلى هذا الرجل الذي لا يرى شيئا.
فتيات صغيرات يبعن، بصورة غير مشروعة، النعناع والليمون (ڤرجيل³). شرطي دنيْ في لباس مدني يبدو غليظ القلب للغاية؛ يعاملهنّ بقسوة، بخشونة، لكنّه يتركهنّ يلذن بالفرار.
فنطازيا لذيذة: محمد ذو اليدين النّاعمتين، والذي يشتغل في مصنع النّسيج، يصرّ أنّ مسجد اليهود يغرق في الظلمة يوم السبت؛ يشير لي إليه: إنّه كنيسة الكبوشيين⁴ الإسبان؛ يستخدمها اليهود ( أُقرضت لهم) لأجل أن يقيموا فيها صلواتهم.
مراهق أسود اللّون، في معطف حافظ من المطر زهيد وقبّعة مكسيكية زرقاء زاهية، وفتاة هيبيّة، بقدمين عاريتين على رصيف قذر ـ
أن تسير، أن تمرّ أمام أبناء البلد في مقهى (السنترال): فتى تغزّل بفتاة، سوى أنّه يضحّى بنفسه على رؤوس الأشهاد من أجل نزعة غربية طائشة.
المسؤولة في شركة إيبريا لا تبتسم. لها صوت حازم، مكياجها كثير (لكنّه جاف)، أظافرجدّ طويلة حمراء كالدم ــ هذه الأظافر تجمّع التذاكر الطّوال، تطويها بحركة خبيرة وسلطوية...
عبد السلام، المقيم بالقسم الداخلي بتطوان، جاء هذا الصباح إلى طنجة ( لقاؤنا جرى بمحض الصدفة تماما) من أجل شراء مرهم مضاد للروماتيزم وسدّادة تصدر صفيرا لغلاّية الماء.
شاب أسود يلبس قميصا فاتحا بلون النعناع، بنطلونا أخضر لوزيا، جوارب برتقالية وحذاء أحمر يبدو في غاية النّعومة.
وأنا أشاهد رجلا ملتحيا يرقص، أخبرني أحدهم أنّه فيلسوف. لكي تكون فيلسوفا، قال، لا بدّ من أربعة أمور: (1) أن تكون حاصلا على شهادة في اللغة العربية؛ (2) أن تسافر كثيرا؛ (3) أن تكون على تواصل مع فلاسفة آخرين؛ (4) أن تبتعد عن الواقع مثلا، أن ترتاد شاطئ البحر.
شاب أسود يرتدي سترة طويلة من نوع Day- Glo، يبدو كمن تمّ رشّه باللّون الأبيض. .
شهر يوليوز، في السّاحة الغاصّة بالنّاس. جماعة من الهيبيّين تجلس إلى طاولة، من بينهم زوجان؛ الزوج أشقر، ممتلئ الجسم لا يرتدي تحت السالوبيت أيّ شيء؛ المرأة تلبس قميص نوم طويلا من نوع فاغنر؛ تمسك يد طفلة صغيرة بيضاء، ذات طراوة تشجّعها على التغوّط فوق الرّصيف بين سيقان رفقائها الذين لا يبالون.
محاولة عبثية للعثور على جلابة زرقاء. تعليق سيري Siri : لا توجد خراف زرقاء.
مصطفى مغرم بقبّعته الرياضية. لا يخلعها حتى أثناء ممارسة الجنس.
في باحة فندق المنزه، امرأة ذاهلة بعض الشيء، تلبس فستانا طويلا أحمر اللّون، ترمقني بنظرة قاسية وتسألني عن «المراحيض»
مثال على المطابقة الصوتية: بائع شاب في أحد البازارات (ذو نظرة ودودة): tu / ti (you / yuh : غير مطابق) veux tapis / taper (تريد سجّادة / تريد الجنس : مطابق)؟
حليوة (هذا الاسم الذي يتكرّر بلا انقطاع) يحبّ البنطولات البيضاء النّاصعة (عند نهاية الموسم)، لكن بما أنّ المراحيض هي ما هي عليه، فهناك على الدّوام لطخة فوق هذه الملابس ذات البياض الحليبي.
فوق شاطئ طنجة (عائلات، مثليون، فتيان) أصحاب حرف مسنّون، مثل حشرات بطيئة للغاية، قديمة للغاية، ينبشون الرّمل.
سلاّم أحد المحاربين القدامى في طنجة، ينفجر من الضّحك لأنّه التقى بثلاثة إيطاليين لم يفيدوه في شئ: «حسبوني امرأة ! »
فلاّح عجوز بجلاّبة رمادية (اللّون الغامق للفقر المدقع) يحمل على كتفه جديلة ضخمة من البصل الإسباني ذي اللّون الوردي القديم.
«بابا Papa » عجوز إنجليزي جذّاب ومخبول، يتخلّى عن وجبة غذائه في رمضان تعاطفا (شفقة على الصبية الصّغار الذين يُختنون).
في التاسعة صباحا، يجتاز شاب هيّاب ساحة السوق، وعلى كتفيه شاة حيّة رُبطت حوافرها إلى الأمام ( وضع رعويّ وتوراتي). تمرّ بنت صغيرة تداعب دجاجة بين ذراعيها.
من نافذة الفندق، وكان الكورنيش مقفرا (لازال الوقت مبكّرا من صباح الأحد: في الأفق البعيد أطفال ذاهبون إلى الشاطئ للعب الكرة)، أبصر خروفا وكلبا صغيرا له ذيل على شكل مروحة؛ الخروف يتبع الكلب عن كثب؛ يحاول في آخر المطاف أن يعتليه.
من القطار الذي غادره للتوّ في محطّة مهجورة ( أصيلة )، رأيته يركض على الطريق، وحيدا تحت المطر، ضامّا بين ذراعيه علبة السيجار الفارغة التي طلب منّي أن أعطيه إيّاها «لكي يصون فيها أوراقه». (يتبع)
(1969)


هوامش (من وضع المترجم):
1 ـ punk ، سلوك اجتماعي متمرّد ظهر في السبعينيات (موسيقى punk ، أزياء ممزّقة، شعر ملوّن...)
2 ـ مفارقة ساخرة: المدلّك الذي يلامس الجسد برفق ويحررّه من الألم، يتحوّل إلى فجأة إلى شاهد يبرّر القسوة.
3 ـ virgile، هذه اللفظة تحتمل تأويلات مختلفة، لكن إذا راعينا سياقها في النص، ربّما تشير إلى الليمون كرمز للاحتجاج، كما فعل رائد الفضاء الأمريكي Virgil Grissom
حين وضع على مركبته ليمونة ضخمة احتجاجا على أعطابها المتكرّرة. الليمون رمز الاحتجاج وإلاّ لماذا تطارده الشرطة؟43 ـ capucins ، رهبان كاثوليك يتميّزون لباسهم البني ذي القبّ (capuche) الطويل.
• Roland Barthes, Incidents, Paris, Seuil, 1987.
(الملحق الثقافي لجريدة العلم، الخميس 13 نونبر 2025)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...