أحمد عبدالله إسماعيل - موت إكلينيكي...

نظر إلى الساعة؛ فأحس أنه لا يزال لديه بعض الوقت لترتيب الفوضى قبل الانطلاق. وقف أمام المرآة، يربط رابطة عنقه بدقة جراح يغلق جرحًا لمريض السكري. لم يجد خلف انعكاس وجهه المتعب سوى "المعاناة". التفت إليها، رآها لا تزال تلتحف ببقايا النعاس، ألقى التحية الصباحية ثم مضى. لم يعلم أن الأبواب التي يُغلقها خلفه، تُفتح في غيابه لغرباء يقتاتون على الفراغ.

في الخارج، ازداد العالم ضجيجًا من العرق والزحام. مديرٌ يزن كرامته بالدقائق، وأرقام فواتير تلاحقه. يحارب كل يوم؛ ليشتري "حذاءً جديدًا" لابنه، و"درسًا إضافيًا" لابنته، محصنًا بيقين لا ريب فيه أن خلفه حصنًا لا يُخترق.

وفي الداخل، ظل "الفراغ" يتمدد في قلب زوجته. الرتابة ليست مجرد ملل، إنها وحشٌ يقتات على التفاصيل الصغيرة. بدأت القصة بـ "لمسة" على شاشة، كلمة عابرة نمت في عتمة الإهمال العاطفي المتوهم. غريبٌ خلف الشاشة، يمنحها "انتباهًا" مجانيًا، يبيعها وهمًا بأنها "أجمل مما يراها ذلك الزوج المرهق في الخارج والداخل". بينما هرع زوجها إلى عمله دون أن يسمع منها كلمات وداع أو دعاء، أرسل لها الغريب صور ابتسامته وملابسه ليأخذ رأيها قبل الخروج إلى عمله.

تعددت "الخروجات" تحت مسميات شتى: "رؤية طبيب الأسنان"، "زيارة الأم"، "شراء مستلزمات". اعتاد زوجها أن يودعها بابتسامة الواثق، ويستقبلها بلهفة العائد من جبهة القتال. لم يكن غبيًا، لكن الثقة ظلت "نقطة عمياء" في بصره. أما هي فقد أتقنت فن المراوغة، تلف وتدور، وتغلق هاتفها بكلمات سرٍّ معقدة، وتختلق أعصابًا تالفة كلما اقترب من "منطقتها المحرمة". طلبت الطلاق أكثر من مرة، وزارت الطبيب النفسي حتى اعتادت قدماها الطريق إليه.

وقع المحظور في لحظة غفلة. تركت الهاتف في مقبس شحن البطارية، أضاءت الشاشة برسالة لم تكن بحاجة إلى تفسير. كلمة واحدة سقطت كقنبلة يدوية في محيط البيت الهادئ.

لم يصرخ؛ فقد مات في تلك اللحظة قلبه. وقف ينظر إليها، لم يرَ زوجته، بل رأى غريبةً تسكن جسدها.
- منذ متى؟
صمتٌ طويل أتبعَته بتبريرات واهية عن "الملل" و"الاحتياج".
بينما عمره يُستنزف في الطرقات قطرة قطرة غدوة وروحة؛ ليؤمن لها "الحياة"، انطلقت هي تبيع "المتعة" في غرف التسلية. لم يكن مسافرًا، ولم يكن هاجرًا، بل حاضرًا بجسده، غائبًا بيقظة فطنته.

لم ينهدم البيت بضجيج طلاق صاخب، لكنه انتهى بـ "صمت لا حديث بعده". عاد الأب ليصمت، وتحولت الأم إلى خيالٍ متوتر. العيال، استنشقوا رائحة "الخيانة" في هواء البيت الثقيل.

أما الآن، فكلاهما يعيش تحت سقف واحد، لكنهما بُعد السماء عن الأرض.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...