حسين مروة - أيها الجنوبي!

أرضُكَ : قَدَرُك الأوحد، وقَدَرُكَ الأوحد : أرضُكَ .. لأنَّ هذه الأرض هي : جسدُكَ ودمُكَ وظفرُكَ ‏وخنجرُكَ وإرادتُكَ ..هي بيتُكَ وسراجُكِ وخبزُكَ ..هي طفلُكَ، وضوءُ عينيك، وهواءُ رئتيْك، وعَصَبُ يديْك .. ‏هي عظْمُك ولحمُكَ وجِلدُك .. هي كلُّك : كلُّ جذورِكَ : كلُّ أغصانكَ، كلُّ نسَغٍ ينبُضُ في شجرةِ وجودِكَ .. ‏فكيف الانفصالُ عنها إذن ؟..‏
‏ أتريدُ أن يبقى لكَ قَدَرُكَ الأوحد الذي لا تزالُ ـ حتى اللحظة ـ تملُكُ إرادةَ بقائه ؟..‏
‏ أتريد أن يكون لكَ قدَرٌ واحد، بين الأقدار كلِّها، غيرُ مكتوبٍ عليكَ فرضاً في "ألواح" القهرِ والإذلالِ ‏و"الاستلشاقِ" والحرمان ؟ . ‏
‏ أتريد أن يكونَ لكَ قدَرٌ واحدٌ تكتبه أنتَ لنفسك بيدك، بمحض ِ إرادتك، في دائرةِ حريتك، به تُصبحُ سيّدَ ‏مصيرِكَ لاعبدَ الأقدارِ الأُخرى التي ستتسلّطُ عليك ـ إن فارقتَ قدَرَكَ الأوحد ـ " ِنعَم" الإلجاءِ والإيواءِ والإطعام ‏والإكساء، "عطفاً " و "إحساناً "، إذا كان " للعطفِ " و "الإحسانِ" أن يهتديا ـ حينذاك ـ على مكانكَ في متاهاتِ ‏التبعثُرِ والتّشرّدِ والتسكّع ؟ ..‏
‏ أيها الجنوبي ! أتريدُ هذا ؟ .. إذن ، فاكتبْ قدَرَكَ بيدكَ منذ اللحظة .... احفرْهُ على صخرةِ إرادتكَ كلمةً أبدية ..
‏ ــ " هنا أرضي ، وأنا هنا إلى الأبد " . ‏
‏*** ‏
‏ أيها الجنوبي ! إنّ الحجرَ "السحريَّ " العتيقَ على بوّابةِ الليلِ قد سقط ... والليلَ الوحشيَّ ذاتَه سقط جثةً ‏نتِنَةً بين قدميْك ... ‏
‏ لقد سقطَ " السحرُ" و "الساحرُ" معاً .. سقطت الرموزُ الوثنيةُ كلُّها .. سقط الجميعُ على بوابةِ الخيانةِ بين ‏‏"حواضِرِ" الغزاةِ المتدافعين من جهاتِ الوطن الأربع ! .. ‏
‏ .. وبقيتَ أنت ، مع شعبِ الوطن ـ الكل .. بقيتَ، لم تسقطْ، ولن تسقطَ ما دام قدَرُكَ الأوحدُ لم يسقط .. ‏
‏ أيها الجنوبي ! . ستبقى خارجَ السقوط ما بقيَ ذلك الاختيارُ الأوحد : أن تكتبَ قدَرَكَ بيدِك ، أن تحفرَه على ‏صخرةِ إرادتكَ كلمةً أبدية : ‏
‏ ــ " هنا أرضي ، وأنا هنا إلى الأبد




‏مقالة للمفكر الشهيد حسين مروة في جريدة " النداء" بتاريخ 28 /10/ 1976‏
‏ وأُعيدَ نشرُها في مجلة النداء في 6 أيلول 2019
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...