في حي "الشرفاء"، حيث تتدلى الأسلاك الكهربائية كشرايين منهكة على جدران الطين، اعتُمد الصمت لغةً رسمية. هناك، خلف ستائر مهترئة، شُيدت البيوت من الكتمان والسرية.
في مستشفى "الرحمة"، تعتصر سوزان يد أمها بقوة تشبه التشبث بحافة الحياة. تتقلب على سرير الولادة كأنها تحاول الهروب من جسدها نفسه. همست الأم وهي تمسح العرق عن جبين ابنتها: استريحي يا بنتي.. كل النساء يعبرن هذا الجسر.
لكن عيني سوزان كانتا بئرين من العتمة. لثلاث سنوات، منذ بلغت السادسة عشرة، سكنها سرٌّ أكل أطراف روحها. سرٌّ بدأ بخطوات سليم، أخيها الذي يكبرها بعامين، وهي تقترب من باب غرفتها كل ليلة صيفية خانقة. تذكر ملمس يده على فمها، وصوته الرطب يهمس: اسكتي.. حتى لا يسمعونا.
في الصباحات التالية، تجلس تراقب وجهه على مائدة الفطور؛ براءة زائفة يغسلها بمرق الطعام الذي تخصه به أمهما كـ "رجل البيت" الصغير.
انفجر الحاضر بصرخة مزقت سكون الذاكرة. صاح الطبيب: تنفسي.. لقد أطل الرأس.
وضعت سوزان تلك الكتلة الصغيرة من العذاب. نظرت إلى ملامح الرضيع، فرأت وجه الجريمة يبتسم لها. هبط صوتها مرتعشاً كورقة في عاصفة:
"الحمل ليس من زوجي.. إنه من أخي سليم".
سقطت يد الأم كطائر ميت. لم تخترق صفارات الشرطة جدران الحارة فحسب، بل اخترقت كبرياء "بيت الكتكوت" الزائف. دخل المحقق يوسف، الذي ألف روائح البيوت المكتومة. وقف الأب بصلابة خشبية: بنتنا تهذي من ألم المخاض.. نحن بيت محترم. وافترشت الأم الأرض تنتحب: بنتي طاهرة كقلب الرضيع.
لم ينظر يوسف إليهما، بل حدق في قفل باب غرفة سوزان المكسور بآلة حادة من الخارج، ثم في الصندوق الخشبي الذي سحبه من تحت سرير سليم؛ قصاصات من ثياب داخلية، وربطة شعر قديمة لسوزان، كأنها غنائم حرب.
سأل يوسف سليم الجالس ببرود مخيف: لماذا؟
أجاب الفتى وهو يفرك أصابعه: أردت امتلاك الصرخة التي كتمتها أمي دائمًا بالحلويات والابتسامات.. أردت الانتباه، حتى لو كان انتباه الضحية.
وعندما اقتادوا سليم، وقفت الأم في الشرفة تراقب غياب "رجلها الموعود". اقترب منها يوسف وسألها: كنتِ تعرفين؟
أطالت النظر إلى الزقاق، ثم همست: سمعتُ نحيبها ذات ليلة.. رأيتُ الرعب في عينيها وعرفت. لكن فضيحة في حي الشرفاء تساوي موتًا أبديًا. زوجتها لستر العورة، فظننت أن الزواج يمحو أثر الدماء.
في المحكمة، لم تكن سوزان بحاجة إلى الصراخ. وقفت أمام سليم الذي كان يرتدي الأبيض، لكن عينيها كانتا مرآة عاكسة لقبحه. حين التقت نظراتهما، انهار الجدار الزائف؛ أشاح سليم ببصره للأرض وبدأ يرتجف. في تلك اللحظة، شعرت سوزان بزفير طويل يخرج من صدرها، كأنها لفظت الوحش الذي سكن ممراتها المظلمة لسنوات.
مرّ عام. انتقلت سوزان مع خالد وطفلها "شريف" إلى حي تسمح نوافذه بدخول الشمس. لم ينسَ خالد الجرح، لكنه اختار أن يضمد الضحية لا أن يجلدها.
ذات ليلة شتاء باردة، وبينما سوزان تضم طفلها النائم، تسلل عبر الجدران صوت بكاء خافت؛ صوت طفلة من الشقة المجاورة، يليه صوت ارتطام وجسد يرتجف.
تسمرت سوزان مكانها. لم تعد تلك الفتاة التي تغطي رأسها بالوسادة لتصمت. نهضت، ارتدت معطفها، ومشت بخطوات ثابتة نحو الباب.
طرقت باب الجيران بقوة، وحين فُتح، سألت بصوت لا يرتعش: هل كل شيء على ما يرام؟ أنا هنا.. أنا معكم أسمع وأرى.
في مستشفى "الرحمة"، تعتصر سوزان يد أمها بقوة تشبه التشبث بحافة الحياة. تتقلب على سرير الولادة كأنها تحاول الهروب من جسدها نفسه. همست الأم وهي تمسح العرق عن جبين ابنتها: استريحي يا بنتي.. كل النساء يعبرن هذا الجسر.
لكن عيني سوزان كانتا بئرين من العتمة. لثلاث سنوات، منذ بلغت السادسة عشرة، سكنها سرٌّ أكل أطراف روحها. سرٌّ بدأ بخطوات سليم، أخيها الذي يكبرها بعامين، وهي تقترب من باب غرفتها كل ليلة صيفية خانقة. تذكر ملمس يده على فمها، وصوته الرطب يهمس: اسكتي.. حتى لا يسمعونا.
في الصباحات التالية، تجلس تراقب وجهه على مائدة الفطور؛ براءة زائفة يغسلها بمرق الطعام الذي تخصه به أمهما كـ "رجل البيت" الصغير.
انفجر الحاضر بصرخة مزقت سكون الذاكرة. صاح الطبيب: تنفسي.. لقد أطل الرأس.
وضعت سوزان تلك الكتلة الصغيرة من العذاب. نظرت إلى ملامح الرضيع، فرأت وجه الجريمة يبتسم لها. هبط صوتها مرتعشاً كورقة في عاصفة:
"الحمل ليس من زوجي.. إنه من أخي سليم".
سقطت يد الأم كطائر ميت. لم تخترق صفارات الشرطة جدران الحارة فحسب، بل اخترقت كبرياء "بيت الكتكوت" الزائف. دخل المحقق يوسف، الذي ألف روائح البيوت المكتومة. وقف الأب بصلابة خشبية: بنتنا تهذي من ألم المخاض.. نحن بيت محترم. وافترشت الأم الأرض تنتحب: بنتي طاهرة كقلب الرضيع.
لم ينظر يوسف إليهما، بل حدق في قفل باب غرفة سوزان المكسور بآلة حادة من الخارج، ثم في الصندوق الخشبي الذي سحبه من تحت سرير سليم؛ قصاصات من ثياب داخلية، وربطة شعر قديمة لسوزان، كأنها غنائم حرب.
سأل يوسف سليم الجالس ببرود مخيف: لماذا؟
أجاب الفتى وهو يفرك أصابعه: أردت امتلاك الصرخة التي كتمتها أمي دائمًا بالحلويات والابتسامات.. أردت الانتباه، حتى لو كان انتباه الضحية.
وعندما اقتادوا سليم، وقفت الأم في الشرفة تراقب غياب "رجلها الموعود". اقترب منها يوسف وسألها: كنتِ تعرفين؟
أطالت النظر إلى الزقاق، ثم همست: سمعتُ نحيبها ذات ليلة.. رأيتُ الرعب في عينيها وعرفت. لكن فضيحة في حي الشرفاء تساوي موتًا أبديًا. زوجتها لستر العورة، فظننت أن الزواج يمحو أثر الدماء.
في المحكمة، لم تكن سوزان بحاجة إلى الصراخ. وقفت أمام سليم الذي كان يرتدي الأبيض، لكن عينيها كانتا مرآة عاكسة لقبحه. حين التقت نظراتهما، انهار الجدار الزائف؛ أشاح سليم ببصره للأرض وبدأ يرتجف. في تلك اللحظة، شعرت سوزان بزفير طويل يخرج من صدرها، كأنها لفظت الوحش الذي سكن ممراتها المظلمة لسنوات.
مرّ عام. انتقلت سوزان مع خالد وطفلها "شريف" إلى حي تسمح نوافذه بدخول الشمس. لم ينسَ خالد الجرح، لكنه اختار أن يضمد الضحية لا أن يجلدها.
ذات ليلة شتاء باردة، وبينما سوزان تضم طفلها النائم، تسلل عبر الجدران صوت بكاء خافت؛ صوت طفلة من الشقة المجاورة، يليه صوت ارتطام وجسد يرتجف.
تسمرت سوزان مكانها. لم تعد تلك الفتاة التي تغطي رأسها بالوسادة لتصمت. نهضت، ارتدت معطفها، ومشت بخطوات ثابتة نحو الباب.
طرقت باب الجيران بقوة، وحين فُتح، سألت بصوت لا يرتعش: هل كل شيء على ما يرام؟ أنا هنا.. أنا معكم أسمع وأرى.