إلى النجم الذي هوى
ليس لأنه مات
و لكن لأن في الهوة
سؤالاً فاتناً.
لست أكتب لك الآن ،أنا أمد يدي في الهوَّة لعلّ الحبل العقيم بيننا يخصبه نفس السؤال الذي أسقطك قابعاً في الظلمة هناك..
عزيزي مبارك الراجي،
قبل أن أكتب إليك كنت نائمة على سرير يشبه قارباً فقد اتجاهاته و رأيت فيما يرى الشاعر كلبك الوفي "صولو" بوجه جميل وعيون دامعة برقُوقيّة يحرك رأسه نحوي بألفة مَن استعاد ذاكرة مفقودة، أجل اظنّ أنه يعرفني تماما فأنا أذَكّره بألفا كلبتك التي أعدموها بتهمة التسكّع في أرض الله الواسعة، ألفا التي حدَّثته عنها طويلا كلما شربتُما من كؤوس الليل البارد نخب ذاكرة لا تنطفئ. أنا أيضا سمَّمُوني يا مبارك، كانت تهمتي الحياة ورغبة آثمة في امتلاك جناحين وصوتٍ يشرع الغناء خارج الجوقة، لقد أعدموا روحي وأودعوا عظامها سجن المعتقدات وما يجب والمفروض و الذي عليّ فعله.
حين أحكموا قُيودهم على حنجرتي بدوت عصفورا بلا حيلة يمسك به خمسة أشخاصٍ يقشِّرونه من حريته، نزعوا الريش الأطول ثم الأقصر وتركوني عارية على قارعة حياة لم تمنحني قطُّ نعومة قُطنها.
ها أنا الان يا عزيزي بلا صوت بلا أجنحة، أزحف وأزحف لعلّك تسمع دبيبي على جدران هوّتك، كان لصولو في الحلم وبر لامع وجميل، أجمل من القمر الذي يتأرجح مسترخيا بين قوائمه ككرة بلياردو وكنت مارة في صمت الشارع أجر خلفي صرير هذا الجسد الخردة، لم تكن وأنت على كرسيّ الحارس الليلي تشبه حارسا ليليّا بل كنت تماما "الشَّاعر الفقير" في لوحة "كارل شبيتزوغ"،متكئا على سرير أرضي مثل سريري، تلقي بتمائم قصائدك على الكتب التي تهرهر قرب وجهك، مظلتك المثقوبة التي تشبهني إلى حد ما واقفة عند رأسك بوداعة غراب، أشخاص كثر حولك وحولي لكن لا صوت لهم ولا حركة، تماما كالمنحوتات المتراصّة على ساحل جزيرة القيامة، لا أحد منَّا يعلم متى نبتت من وجع الأرض وكيف اكتسبت هذه الملامح الصخرية ولا كيف تقف الان تحت أقدام هذا الشلاَّل الهادر من الشِّعر دون أن تتفتت قلوبها، دون أن تنسلخ أقنعتها واحدا تلو الآخر!
وجَّهتُ كمرة هاتفي الى وجهك العريض وأنت تقرأ لم تكن على ظهر هاتفي تفاحة مقضومة ليرمونني بتهمة غوايتك،
ولم أكن أرى سوى كتفك المائل.. ذلك المنحني على تعبٍ كأنه أطلس يحمل وزر العالم، كنتَ تميل بزاوية 23,5، تماما كمحور ميلان الأرض ميلان وكأنّك من يُحدث فينا فوضى الفصول بحرَّها وقرَّها و بردها وارتعاشها حتى تساقط أوراق شجر الأروكاريا على رأسك و أنت تقرأ.
هاتفي الذي يحفظ صوتك الآن في ذاكرته الهشة لا أعلم متى نما له وبر خفيفٌ يشبه زغب الخوخ، كان وبرُنا هاتفي أنا وصولو مقشعرا من هول الكلمات وأنت تسقطها ناعمة رقيقة تشبه رائحة الفجر، حادة كمقصلة وقاتلة كالحقيقة، الحركات البطيئة، النظرة المشبعة بالقلق، الصَّوت المنساب الثَّائر واليائس والمخذول، التلويحة الحائرة كنّا ثلاثة نقتفي أثرها، صولو، أنا وظلّك.
عزيزي مبارك ،أكتب لك من مكان ما في هذا العالم، من بقعة صغيرة تسمّى عبثاً "حيّ السعادة" بمدينة يدعونها مدينة البهجة، مفارقة ساخرة أليس كذلك؟ كأن المكان نقطة مضيئة في تليسكوب إلهي، لكني هنا في شقة جدرانها شفافة كغشاء رقيق، لا تحجب دخان جاري المتقاعد الذي يوقظني بشراسة تبغه من منتصف الليل حتى بزوغ الفجر لا أعلم كيف ستبدو ملامحنا للمراقبين خلف كل هذا الضباب الكثيف؟
سأحدثك قليلا عن جاري الذي أتخيله خلف جداري يتنفس كمدخنة، يُشغل أغاني العيطة والراي القديمة و يخصُّ أيام الجمعة بأغنيات الشيخة الرميتي، إن بقاءه وحيدا، عزلته الموحشة بلا صوت زوجة أو رائحة ثوم عابرة من المطبخ تؤرقني، كحته الغائرة وأنينه الضعيف في الحمام وحدهما إثبات الوجود الوحيد الذي يطمئنني عليه. حاولتُ عبور صمته بالتحية كلَّما التقيته في حديقة العمارة لكنه لا يرد ويكتفي بنظرة شزرة مقلقة ويمضي إلى وحدته كشاعر كئيب.
هل تظن يا مبارك أنني أستطيع تفكيك شفرة أحزانه من نوع موسيقاه؟ هل يمكن للموسيقى أن تكون تاريخاً لهذا الخراب العظيم الذي يسكن رئتيه؟
أتيتُ إلى هذه المدينة حاملةً عطشي وحزني مناصفةً مع مدينة أخرى تركتُ فيها البدايات ونكسات النهايات، مدينة فسيحة يستدلُّ فيها الله على وجوهنا بعطف ودون عناء، أما هنا في هذا الصخب المزدحم الذي يشبه حانة رخيصة، فلا أحد يستدل على أحد الناس تأكل الأرض بنهم، يبنون قلاعاً من الإسمنت البارد حولهم بينما أنت هناك في خمولك المقدس تحرس منشأتك الخربة.
واجبكما أنت وصولو أن توقفا هذا المدّّ الطُّفيلي بدل حراسته، أن تجعلا هذا الوباء يخفّ، واجب صولو أن يمسح بذيله غبَشَ السماء وأدخنتها، وأنت أيها المبارك واجبك أن تزيح بعصاك الشِّعرية كل هذه الفوضى الإسمنتية، نحتاج زلزالا تعيد به ترتيب الكون، غابات وأنهارا وموسيقى، أطفالاً بضحكات مرحة وأقدام راقصة تلهو في طين الأرض، تعجن عظامنا وخرابنا وتعيد صياغة ملامحنا لعلّ اللّٰه حين ينظر إلينا مرَّة أخرى، يستطيع أن يتعرّف على هذه الوجوه.
عزيزي مبارك الراجي
أيها الحارس الليلي
أيها الشَّاعر عن ظهر قلب
أيها الغامض كصفحة المستحيل
أيها المغرُوز في لحم الأرض
أيها الإله الذي لا يؤمن به
إلا اللُّصوص الشرفاء
الشّعراء الصعاليك
ألفا
صولو
وأنا
أجبني أيها المتشرِّد الجميل
كيف ينجو العالم دون لمستك الأخيرة!
2017
ليس لأنه مات
و لكن لأن في الهوة
سؤالاً فاتناً.
لست أكتب لك الآن ،أنا أمد يدي في الهوَّة لعلّ الحبل العقيم بيننا يخصبه نفس السؤال الذي أسقطك قابعاً في الظلمة هناك..
عزيزي مبارك الراجي،
قبل أن أكتب إليك كنت نائمة على سرير يشبه قارباً فقد اتجاهاته و رأيت فيما يرى الشاعر كلبك الوفي "صولو" بوجه جميل وعيون دامعة برقُوقيّة يحرك رأسه نحوي بألفة مَن استعاد ذاكرة مفقودة، أجل اظنّ أنه يعرفني تماما فأنا أذَكّره بألفا كلبتك التي أعدموها بتهمة التسكّع في أرض الله الواسعة، ألفا التي حدَّثته عنها طويلا كلما شربتُما من كؤوس الليل البارد نخب ذاكرة لا تنطفئ. أنا أيضا سمَّمُوني يا مبارك، كانت تهمتي الحياة ورغبة آثمة في امتلاك جناحين وصوتٍ يشرع الغناء خارج الجوقة، لقد أعدموا روحي وأودعوا عظامها سجن المعتقدات وما يجب والمفروض و الذي عليّ فعله.
حين أحكموا قُيودهم على حنجرتي بدوت عصفورا بلا حيلة يمسك به خمسة أشخاصٍ يقشِّرونه من حريته، نزعوا الريش الأطول ثم الأقصر وتركوني عارية على قارعة حياة لم تمنحني قطُّ نعومة قُطنها.
ها أنا الان يا عزيزي بلا صوت بلا أجنحة، أزحف وأزحف لعلّك تسمع دبيبي على جدران هوّتك، كان لصولو في الحلم وبر لامع وجميل، أجمل من القمر الذي يتأرجح مسترخيا بين قوائمه ككرة بلياردو وكنت مارة في صمت الشارع أجر خلفي صرير هذا الجسد الخردة، لم تكن وأنت على كرسيّ الحارس الليلي تشبه حارسا ليليّا بل كنت تماما "الشَّاعر الفقير" في لوحة "كارل شبيتزوغ"،متكئا على سرير أرضي مثل سريري، تلقي بتمائم قصائدك على الكتب التي تهرهر قرب وجهك، مظلتك المثقوبة التي تشبهني إلى حد ما واقفة عند رأسك بوداعة غراب، أشخاص كثر حولك وحولي لكن لا صوت لهم ولا حركة، تماما كالمنحوتات المتراصّة على ساحل جزيرة القيامة، لا أحد منَّا يعلم متى نبتت من وجع الأرض وكيف اكتسبت هذه الملامح الصخرية ولا كيف تقف الان تحت أقدام هذا الشلاَّل الهادر من الشِّعر دون أن تتفتت قلوبها، دون أن تنسلخ أقنعتها واحدا تلو الآخر!
وجَّهتُ كمرة هاتفي الى وجهك العريض وأنت تقرأ لم تكن على ظهر هاتفي تفاحة مقضومة ليرمونني بتهمة غوايتك،
ولم أكن أرى سوى كتفك المائل.. ذلك المنحني على تعبٍ كأنه أطلس يحمل وزر العالم، كنتَ تميل بزاوية 23,5، تماما كمحور ميلان الأرض ميلان وكأنّك من يُحدث فينا فوضى الفصول بحرَّها وقرَّها و بردها وارتعاشها حتى تساقط أوراق شجر الأروكاريا على رأسك و أنت تقرأ.
هاتفي الذي يحفظ صوتك الآن في ذاكرته الهشة لا أعلم متى نما له وبر خفيفٌ يشبه زغب الخوخ، كان وبرُنا هاتفي أنا وصولو مقشعرا من هول الكلمات وأنت تسقطها ناعمة رقيقة تشبه رائحة الفجر، حادة كمقصلة وقاتلة كالحقيقة، الحركات البطيئة، النظرة المشبعة بالقلق، الصَّوت المنساب الثَّائر واليائس والمخذول، التلويحة الحائرة كنّا ثلاثة نقتفي أثرها، صولو، أنا وظلّك.
عزيزي مبارك ،أكتب لك من مكان ما في هذا العالم، من بقعة صغيرة تسمّى عبثاً "حيّ السعادة" بمدينة يدعونها مدينة البهجة، مفارقة ساخرة أليس كذلك؟ كأن المكان نقطة مضيئة في تليسكوب إلهي، لكني هنا في شقة جدرانها شفافة كغشاء رقيق، لا تحجب دخان جاري المتقاعد الذي يوقظني بشراسة تبغه من منتصف الليل حتى بزوغ الفجر لا أعلم كيف ستبدو ملامحنا للمراقبين خلف كل هذا الضباب الكثيف؟
سأحدثك قليلا عن جاري الذي أتخيله خلف جداري يتنفس كمدخنة، يُشغل أغاني العيطة والراي القديمة و يخصُّ أيام الجمعة بأغنيات الشيخة الرميتي، إن بقاءه وحيدا، عزلته الموحشة بلا صوت زوجة أو رائحة ثوم عابرة من المطبخ تؤرقني، كحته الغائرة وأنينه الضعيف في الحمام وحدهما إثبات الوجود الوحيد الذي يطمئنني عليه. حاولتُ عبور صمته بالتحية كلَّما التقيته في حديقة العمارة لكنه لا يرد ويكتفي بنظرة شزرة مقلقة ويمضي إلى وحدته كشاعر كئيب.
هل تظن يا مبارك أنني أستطيع تفكيك شفرة أحزانه من نوع موسيقاه؟ هل يمكن للموسيقى أن تكون تاريخاً لهذا الخراب العظيم الذي يسكن رئتيه؟
أتيتُ إلى هذه المدينة حاملةً عطشي وحزني مناصفةً مع مدينة أخرى تركتُ فيها البدايات ونكسات النهايات، مدينة فسيحة يستدلُّ فيها الله على وجوهنا بعطف ودون عناء، أما هنا في هذا الصخب المزدحم الذي يشبه حانة رخيصة، فلا أحد يستدل على أحد الناس تأكل الأرض بنهم، يبنون قلاعاً من الإسمنت البارد حولهم بينما أنت هناك في خمولك المقدس تحرس منشأتك الخربة.
واجبكما أنت وصولو أن توقفا هذا المدّّ الطُّفيلي بدل حراسته، أن تجعلا هذا الوباء يخفّ، واجب صولو أن يمسح بذيله غبَشَ السماء وأدخنتها، وأنت أيها المبارك واجبك أن تزيح بعصاك الشِّعرية كل هذه الفوضى الإسمنتية، نحتاج زلزالا تعيد به ترتيب الكون، غابات وأنهارا وموسيقى، أطفالاً بضحكات مرحة وأقدام راقصة تلهو في طين الأرض، تعجن عظامنا وخرابنا وتعيد صياغة ملامحنا لعلّ اللّٰه حين ينظر إلينا مرَّة أخرى، يستطيع أن يتعرّف على هذه الوجوه.
عزيزي مبارك الراجي
أيها الحارس الليلي
أيها الشَّاعر عن ظهر قلب
أيها الغامض كصفحة المستحيل
أيها المغرُوز في لحم الأرض
أيها الإله الذي لا يؤمن به
إلا اللُّصوص الشرفاء
الشّعراء الصعاليك
ألفا
صولو
وأنا
أجبني أيها المتشرِّد الجميل
كيف ينجو العالم دون لمستك الأخيرة!
2017