نصيف الناصري - المَصير الجَمْعي للخَليقة... مرثاة شَخصيّة 2..

.مرثاة شَخصيّة 2.

الريح تعْصِفُ بالبَقْلِ الرَّطيبِ فلا
يَخشى هلاكاً وتُردْي الجذعَ ذا العَظْمِ.

المرّار الفقعسيّ.

"1".

بإعْطائهِ دَليلاً عَلى حَياة ما بَعد المَوْت آمَنّا بالغَريق
الذي جَرَّبَ العَيْش في بيْئَة أُخْرى. البَعض يَعْزو
لنَفْسه تَرْويض المَوْت الذي يَزْأرُ في البَرّية، لكنّه
يُهْملُ واجباته حيالَ أبَويه. أقْدَم غَريق غَرق
في آبارنا، ظَلَّ مُتَشَرداً طوال حَياته واعتَقَدْنا انَّه
ممَن وَضَعَ الله فيهم ثقته. الوَظيفَة الجَديرة في التَقَرّب
الى الأبَدية، هيَ الغَرق والبَحر لا يُفَرِّقُ بَين ابن المَلك
وابن الصعْلوك. شيوخنا عَجَّلوا بإغراق أنْفسهم
وانتَهَزوا الفُرْصة وَشَيَّدوا أكْواخهم بالقرب مِن حطام
مَراكب الطوفان. كانوا يُباهون الذين فَزَعوا مِن نار
الغَرق، فَفَضَّلَهُم الله عَلَيْهُم.

"2".

مُزاوَلَتهم الإفْصاح عَن الأشْياء التي نُحاولُ أن نَخْفيها عَن
الغير، أنْعَشَت الأمَل عند الذين حالفَهم الحَظّ وَنَجوا مِن كلّ
انفجار في الظَهَيرَة. نَظْرَة الى قارب يَغْرَق تُثبت صحِّة ما
نَتَوَجَّس منه حين يُدوَّي السَهْم فَوق رأس النائم وَيطْبقُ على
الزَمَن. الأنْدَر عند الرُماة في سَحْبهم الغيوم الى الآبار، هوَ
السَهَر الذي يَقْلب المُعادَلة. إشارَة مِن فَتاة جَميلة تَكْفي لأن
تُدَمِّر العالم. النساء يَزْعَمْنَ أن لَهنَّ القُدْرَة عَلى النفاذ الى ما
وَراء عالم الغَرق. جُباة الضَرائب حَرَّكوا اسطولهم وَكانَت
الأضاحي تَفْلتُ منهم وَترْغمهم عَلى فقْدان التَوازن في وَقْت
قَصْف المَدافع. انتَكَسَت الرايات وَطاوَعَت الغرْقى الرياح،
على العَوْدَة الى قَبائلهم.

"3".

تَوارَت الصقور وَوَضَعْنا على النعوش اللآلىء الزُرق
للظَهيرَة. كانَ رضاب غُفْران الله يَرد مِن الفَضاء، وَكانَت
الأضْرحة وَسيلَة نَجاة المَوْتى مِن الجاذبية. هَل يبْعَث
المَيْت الحَياة في ذرّيِّته؟ الخَلاء بالعالَم في مُراعاته
للفَطائس المُتَلَفِّعَة بالبخار يَتَلَبَّدُ بالقَتام. عَلامَ نَبْكي كلّ
مَيْت يُلاقي مَنيّته وَحيداً وَيَظلّ بمنْأى عنّا؟ فصّ الخاتم،
وَصَخْرَة القَيد. رائحة البارود، وَشَذى الزهرة. شعاع
الابتسامة، وانفجار خزانة الدَمْعَة. عَلامات لا تَحْظى
باطرائنا وَنَحْنُ نَتَرَقَّبُ الاستسْلام الأكْثَر براعة في
تَقَبِّلنا النَهاية السَخيفة للعُمر. اضطَرَبَ جلجامش في
حلمه وانزَعَجَ مِن مُسْتَقْبله. لَم يَعْرف أن سَلفه الذي
عاشَ مُخْتالاً في البَراري. ابتَغى قَيْلولة ضَئيلة يَسْتَردّ
فيها إمكانيته على العَيش في الاسطورة. ضَيَّقَ التاريخ
عَلَيْه حجارة قَبْره واستَحالَ الى نفاية شَنيعَة.

"4".

سَمعْنا طوال الليل تَساقط الأنْقاض عَلى جيّف الذين
كان خَطَأهم وجودهم في العالم. فَوق الأشْجار يَشْحَذُ
النَيْزَك مِدْيَته وَيُخفِّفُ عَن المَوْتى الذين عاشوا في بابل
المَناحات. لكلِّ عُصْبَة مزاحها حين الوصول الى ضفّة،
والطوفان يَقْتَربُ مِن الجَمْرَة التي حازها جلجامش.
هَل يَهْتَمُّ الغَرْقى بالمغريات؟ الحيّ كَتومٌ وَيضْمر ما
يفْزعه. عالم مُدَنَّسٌ اُنتكهِكَتْ فيه الكَرامة الآدمية منذ
البداية، والعَدَم يَحْشو الهاوية بغبار الصَعاليك والملوك.
أيَّةُ حَياة هذه التي قَدَّرَتْها طروادة عَلَيْنا؟ لماذا يَغْدقُ
الله الوَحْشَة المَريرَة عَلَيْنا؟ خَلاء وَثيرٌ نَتَرَقَّبُ بلهْفَة
الاصطفاف فيه، والفوضى تَتَكَرَّرُ مِن الميلاد الى
المَوْت. كلّ وَعْد بكسرة خبز مُلْغى، والعَيْش في
الفَناء وارتياد قاع البئر. مُعاوَدة دائمة للقانطين مِن
مَجيء الغَوَّاص. المَلامَة في المَجيء الى العالَم.

"5".

احْتَمى ناطورنا مِن الذَبائح المَنْذورة الى المتوفِّين وَتَخفَّى بعرْزاله.
أغْلَب أعْيادنا نخصّص فيها حصّة الى الذينَ وَثَّقوا عرى أبوَّتهم
للراضين بضآلة نجوم ظَهيرتهم في القبور. عَلام السرور والشواء
وسط الرياض، اذا كانَ الذين نحبّهم تَهَدَّموا وطَمَسوا بأرض الفَناء
العُظْى؟ قَهَرْنا المَرض عنْدَ مروره بأشْجارنا التي تَتَباين فيها رياح
المَآتم وأُجْريَت للمُحْتَضرين مَراسِم لَفّهم بأرْدية الكتَّان. لا النواح
انتهى على مُمَزَّقي أيَّامهم ولا الموت شَبَع وَتَكتَّم على المُتَزَلَّفين لَهُ.

"6".

مَريضٌ مُنْذ بَدء الخَليقة وذاته ضَريبة تَتلاشى في اغماءة كلّ ما لا يَتَّسق
مَعَ الحاجَة وَشَهامة المُطْمئن بعصْمَته في الطَبيعة. البَشَر الفانون توافقوا
في ما بَيْنهم على حَصادهم أقذار حَيواتهم، لكن حمق وأنانية الذين خافوا
الله عتَّمت الطَريق على رؤيتهم الروث في الماضي والمُسْتَقبل. أردأهم
وأفضلهم لا يعرفون التَثمين الحَقيقي للاوجود الشاحب وَيبلون أنفسهم بما
يُسمَّيه لَهُم الكَهَنة الأغيار. غفران الله الطائل وفردوسه. حيّل لتَطبيب الفَرد
والأغلبية مِن مَرَضها العضال.

"7".

نَعْجَزُ في سَهرنا بالأخصاص الشاملة للزَمن، عَن شفاء الموتى
مِن عَدَم ثقتهم بكَينوناتهم، والبَشَرية لا تَبرأ مِن محْنة وجودها في
الخصام مَعَ الفَناء والتلقين لّلحظة المزرية التي تَعْصف بالمَصير
الجَمْعي للخَليقة. يَتَخلَّى المَخلوق عَن خبرته التي هيَ بمثابة هاوية
مَعْزولة، ويَنشد البَعث أو الخلود في ما يلهمه فَزَعه مِن الدودة.
المصابون بالعَته يَنْجونَ مِن تَقديم اثبات على سَأمهم في العالم.
الغَضَب والعَداوة للمُنجَّمين الذين يُخلَّدون المرء بإفكهم، شيمة كلّ
نَبيل يحفَّزه موته على عَدَم تَملَّق الوَعَد والحلم.

"8".

المُهَدئات والعَقاقير التي نَحْتاجها في الظَهيرة التي تَسْتَلبنا حلم
وجودنا، ضَرورة حَيوية للشعور بعَدم التلفَّت للجنازات. المَرئي
واللامَرئي يَتساويان في اللحظة التي تدرك النضج ويقذف فيها
الفَرد نَفْسه في ما يَتَهشَّم ويخمد في الطبيعة. التوهَّم. اللاعقل.
الأمثولة المزيَّفة. وَصْفة الكاهن. أشياء نَبتئس مِن تفاهتها، لكنّها
البَلسَم الشافي للأرتال المتنطَّعة التي تَسْتَبشر بطول العمر
والغفران.

"9".

يفْسد اليَنبوع ولا شَيء يُعزَّينا في الاحتراز مِن الزهرة المكفَّنة للنَهار،
والحلم لا نوْلي فيهِ قيمة نَفيسة للمآتم وَنَحنُ نَنفَصل عَن ملاءمة التربة
للعَفن. الزائر اللامرحب بهِ يعيث في أيَّامنا التي نَمْضيها بالفَزع والخواء
ويخرًّب الحجارة التي نرهن عندها ما لا يُبلى في الأمل. التَخلَّص مِن
الشَرط لدى الأشياء المُنْحطَّة في الطَبيعة، يُعزى الى انحطاطها، لكنّ
ماهياتنا ووجودنا بَيْنَ أنقاض العالم أكثر انحطاطاً حتَّى مِن الذبابة
وَمرْهَمها.

"10".

شُنَّتْ عَليهم بتغذيتهم لعرَّافتهم وترقيصها في انشادهم بالليل
هجمات الذين ماتوا وترك موتهم الإله يُبكِّت نفسه. التبطّل
وحياكة الدمى من أشجار الليف والرقود الى جانب الندى الذي
تنفضه النجوم عن نفسها، مُكرهات ولا تليق بهم وهم يطوفون
البراري بجلاجلهم وطقطاتهم في بحثهم المضني عن أفاويه لكلّ
ما يحوّل أيَّامهم الى عدم. أعداؤهم في تجاسرهم عليهم يدركون
الفروق بينهم وبين الشعوب التي يلزمها ايمانها باغراق الفرد
المحتضر قبل موته، لكنّهم كفَّوا منذ حقب طويلة عن شنّ
الغارات عليهم لاحتياجهم الى شهادة كهنتهم أمام الله في يوم
الدينونة، ولا يلومونهم في تبادلهم الاتهامات حول النوم من
دون أغطية مع المؤرخين وعلماء النفس وكَتّبة التمائم. النُّسوة
اللواتي يرضعن أطفالهنَّ فوق الأشجار، يُفصدن الشمس في
الظهيرة العليلة ولا يبالين بالكهنة الذين يصعدون الأبنية
ويستنزلون عليهنَّ اللعنة.

"11".

مَقْدَرَتي ضَئيلة على فهم فنّ العمارة وَمَعَ انَّني تَلَقَّيْتُ
أكثر مِن ايْعاز بحفْر وبناء قَبْري، لكنَّني تلكَّأْتُ وفقدْتُ
الرَغْبَة في التَمشَّي تَحْت ضَباب المَرَض.
أن أتَسوَّلُ مِن الله بَعض الأيَّام وأطيل في أمدّ عُمْري،
معضلة صادمة لي وللغَيْر. عشْتُ حَياتي كَما رَغبْتُ ولا
التَفتّ وَتَملَّيْت في يَوم ما، الأرض الدهماء التي وُلِدْتُ
فيها. غادَر الملوك أقاليمهم وكانت بَيْني وَبَيْنهم بُقْعَة
معادية. لماذا التَوجّس مِن قوى الشَرّ وأنا لا أخْشى مَوْتي
عند تمام نضجه؟ مِزَق مِن كَفَني رأيْتُ الريح تُبعْثرها،
وعظامي العارية في كُلّ آنٍ، يَسْتَخِّفُ بها الزَمَن العابس.
جئْتُ العالم بلا أثْقال سوى ثقل السأم، وَتَمدَّدْتُ في الحُفْرة
بسرْعة بَعْد سقوطي في الحُمَّى وهرمْتُ قَبل أن أنْطَقُ
بكلمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...