د. زهير الخويلدي - فلسفتنا في الحقبة المعاصرة

في إطار المقاربة الحضارية، تُشكّل فلسفتنا في الحقبة المعاصرة حالة من التوتر الخلّاق بين ثلاثة أقطاب مترابطة تشكل محور وجودنا الثقافي والروحي والاستراتيجي: قراءة التراث الثقافي بوصفه مصدراً حيّاً للمعنى، ونقد الواقع الراهن بوصفه تشخيصاً للأزمة، وطرق أبواب الإقلاع بوصفه مشروعاً حضارياً للنهوض. هذه الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري، بل هي عملية حية تجمع بين الذاكرة والوعي والإرادة، حيث يصبح التراث جسراً يعبر به النقد نحو المستقبل، ويصبح النقد بدوره بوابة لإقلاع يتجاوز الاستنساخ والتقليد إلى إبداع يلائم روح العصر دون أن يفقد أصالته. فالحضارة العربية الإسلامية، التي كانت ذات يوم مركز إشعاع عالمي، تجد نفسها اليوم في مفترق طرق يفرض عليها إعادة صياغة ذاتها، لا بالانفصال عن ماضيها ولا بالانغلاق فيه، بل بالتفاعل الديناميكي الذي يحوّل التراث إلى وقود للنهضة، والواقع إلى درس يُستخلص منه الطريق إلى التقدم. فكيف تبدو فلسفتنا في الحقبة المعاصرة؟ وهل هي مجرد قراءة التراث الثقافي ونقد الواقع الراهن أم تطرق أبواب الإقلاع التام وفق مقاربة حضارية؟

تبدأ هذه الفلسفة بقراءة التراث الثقافي ليس كمتحف محفوظ أو نصوص مقدسة جامدة، بل كحوار مستمر مع الزمن. التراث العربي الإسلامي، من ابن سينا وابن رشد إلى الغزالي وابن خلدون، يقدم نموذجاً للتكامل بين العقل والوحي، بين العلم والأخلاق، بين الفرد والجماعة. قراءته المعاصرة تتطلب أن نستخرج منه ليس الإجابات الجاهزة بل المنهج: ذلك المنهج الذي جمع بين الفلسفة اليونانية والتراث النبوي في مشروع ابن رشد لفصل الدين عن الفلسفة دون تعارض، أو ذلك الذي أرساه ابن خلدون في "العبر" حين جعل من التاريخ علماً يقوم على الاجتماع البشري والدورات الحضارية. هذه القراءة لا تعني التمجيد الأعمى، بل إعادة إحياء الروح النقدية التي ميّزت عصرنا الذهبي، حيث كان الفيلسوف يناقش المتناقضات ويصالح بين المذاهب دون إلغاء. في الحقبة المعاصرة، يصبح التراث مصدراً للثقة بالنفس الحضارية، يذكّرنا بأننا لسنا متأخرين عن ركب الحضارة بل كنا سابقين في كثير من ميادينها، وأن إقلاعنا لن يكون استيراداً لنماذج غربية بل استئنافاً لمسار مقطوع. إنها قراءة تحول التراث من عبء تاريخي إلى طاقة إبداعية، حيث يصبح مفهوم "التوحيد" ليس مجرد عقيدة بل منهجاً في النظر إلى الكون كوحدة مترابطة، ويصبح مفهوم "الاجتهاد" دعوة مستمرة لتجديد الفكر في مواجهة التحديات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي أو التغير المناخي أو إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة.

لكن هذه القراءة الواعية للتراث لا تكتمل إلا بنقد جذري للواقع الراهن، ذلك الواقع الذي يعكس حالة من الاغتراب الحضاري والتبعية الثقافية. في عصرنا، يتجلى الواقع في انفصام بين الذات والعالم: فمن جهة، نعيش في مجتمعات تئن تحت وطأة الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي والتخلف التعليمي، ومن جهة أخرى، نغرق في استهلاك ثقافي غربي يقدم نفسه كـ"حداثة" بينما يحمل في طياته تفكيكاً للهوية وتسطيحاً للروح. النقد هنا ليس مجرد شكوى، بل تشخيص حضاري يستلهم من ابن خلدون فكرة "العمران" و"الفساد"، فيكشف كيف أن الدولة الوطنية الحديثة في عالمنا العربي تحولت إلى كيانات هشة تفتقر إلى الشرعية الثقافية، وكيف أن التعليم أصبح آلة للتلقين بدلاً من الإبداع، وكيف أن الإعلام والتكنولوجيا يعززان الاستهلاكية على حساب التأمل والمسؤولية. هذا النقد يطال أيضاً التراث نفسه حين يتحول إلى أداة للتخلف، كما في بعض التفسيرات السلفية الجامدة التي تحول الدين إلى قيد بدلاً من محرك، أو في بعض النخب العلمانية التي ترفض التراث جملة وتفصيلاً فتفقد الجذور. إنه نقد يرى في الواقع الراهن حالة من "الانحطاط الحضاري" لا بمعنى القدر المحتوم بل بمعنى النتيجة لخيارات تاريخية: الاستعمار الذي قطع الصلة بالتراث، والاستبداد الداخلي الذي قتل روح المبادرة، والعولمة التي حوّلتنا إلى أسواق استهلاكية لا مراكز إنتاج معرفي. هكذا يصبح النقد جسر العبور، إذ يحررنا من الوهمين: وهم التراث المثالي الذي لا عيب فيه، ووهم الحداثة المستوردة التي تنقذنا دون جهد.

من هذا النقد الجريء ينفتح الباب أمام طرق أبواب الإقلاع، وهو المشروع الحضاري الذي يجعل فلسفتنا في الحقبة المعاصرة مشروعاً عملياً وليس نظرياً فقط. الإقلاع هنا ليس عودة رومانسية إلى الماضي، ولا تقليداً أعمى للغرب، بل تركيباً جديداً يُسمّى "النهضة الثانية" أو "الإحياء الحضاري". يبدأ هذا الإقلاع بإعادة بناء الإنسان العربي الإسلامي على أساس ثلاثي: العقل النقدي المستمد من تراثنا الفلسفي، والأخلاق المستمدة من قيمنا الروحية، والإبداع العلمي المستجيب لتحديات العصر. في مجال التعليم، يعني ذلك تحول الجامعات من مصانع للشهادات إلى مراكز للابتكار حيث يدرس الطالب ابن رشد إلى جانب آينشتاين، ويطبق منهج الاجتهاد على قضايا الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. في المجال الثقافي، يعني إحياء اللغة العربية كأداة للإبداع العلمي لا مجرد حفظ تراثي، وإنتاج فن وأدب يعبر عن روح العصر دون فقدان الهوية. أما على المستوى السياسي والاقتصادي، فيتطلب الإقلاع بناء نموذج تنموي يعتمد على التكامل الإقليمي، يستغل مواردنا الطبيعية والبشرية في مشاريع حضارية كبرى مثل "حزام الطاقة الإسلامي" أو "شبكة المعرفة العربية"، مستلهماً من تجارب اليابان وكوريا الجنوبية كيف حافظتا على هويتهما أثناء التحديث. كما يتطلب الإقلاع إحياء مفهوم "الأمة" ككيان حضاري متجاوز للحدود السياسية الضيقة، حيث يصبح التنوع المذهبي والإثني مصدر قوة لا ضعف، ويصبح الحوار بين السنة والشيعة والصوفية والعقلانيين أساساً للوحدة الفعلية. هذا الإقلاع يحتاج إلى "فيلسوف عملي" يجمع بين التأمل والفعل، كما كان ابن خلدون نفسه، يرى في الشباب قوة الغد، وفي المرأة شريكاً أصيلاً في البناء الحضاري، وفي التكنولوجيا أداة لا سيداً.

هكذا تكتمل دائرة فلسفتنا المعاصرة: قراءة التراث تمنحنا الجذور، ونقد الواقع يمنحنا الوعي بالجرح، وطرق أبواب الإقلاع يمنحنا الأمل في الشفاء والارتقاء. إنها فلسفة حضارية ترفض الاستسلام للانهيار أو التبعية، وتدعو إلى أن نكون أصحاب مشروعنا الخاص في عالم يتغير بسرعة مذهلة. الإقلاع ليس حلماً بعيداً، بل هو خيار استراتيجي يبدأ اليوم بإعادة صياغة وعينا، بتحويل التراث إلى منهج حي، والنقد إلى فعل بنّاء، والمستقبل إلى مسؤولية مشتركة. في هذا التوازن الدقيق بين الماضي والحاضر والمستقبل، تكمن هويتنا الحضارية الحقيقية، وفيه تتحقق الوعود التي حملها تراثنا منذ قرون: أن الإنسان العربي الإسلامي قادر على أن يكون مرة أخرى فاعلاً في صناعة التاريخ لا مفعولاً به. وهكذا، تصبح فلسفتنا ليست مجرد كلام، بل طريقاً نحو حضارة جديدة تستعيد مكانتها بين الحضارات، وتسهم في إنسانية أفضل وأعدل وأكثر تكاملاً.

كاتب فلسفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...