د. زهير الخويلدي - هرمينوطيقا الوحي هي الدرس الأول في السردية العربية

تُشكّل هرمينوطيقا الوحي – أي نظرية التأويل والفهم العميق للنص الموحى به – اللبنة الأولى التي قامت عليها السردية العربية بأكملها. فمنذ لحظة التنزيل الأولى في غار حراء، حيث انفتح النص القرآني على العرب كحدث لغوي ووجودي لا سابق له، أصبح التأويل ليس مجرد عملية فكرية ثانوية، بل هو الدرس الأول الذي تعلّمه العقل العربي في فن السرد والحكاية والرواية. إن السردية العربية، بما هي حكاية ممتدة للذات والجماعة والكون، لم تنشأ من فراغ أدبي أو تقليد شفوي عفوي، بل انبثقت من لحظة التأويل الأولى التي فرضها الوحي نفسه. فالوحي ليس نصاً جامداً يُتلى فحسب، بل هو دعوة مفتوحة للتفسير، للانفتاح، لإعادة صياغة الواقع من خلال الكلمة. وهذا الانفتاح هو ما جعل السرد العربي يتجاوز الحكاية البسيطة إلى أن يصبح وعياً تاريخياً ووجودياً يُعاد تشكيله باستمرار.

لنبدأ من اللحظة التأسيسية. عندما نزل الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن مجرد إخبار عن أحداث غابرة أو وصف للجنة والنار، بل كان نصاً يحمل داخله آليات التأويل الذاتي. قصة آدم في القرآن ليست مجرد رواية تاريخية، بل هي سرد يفتح على أسئلة الخطيئة والتوبة والإرادة الحرة، ويطلب من المتلقي أن يُعيد قراءتها في سياق حياته اليومية. هنا يبرز الدرس الأول: التأويل ليس اختياراً، بل هو شرط الوجود في السردية العربية. فالعرب قبل الإسلام كانوا يروون أساطيرهم الشفوية – عن عنترة وعن الغول والجن – لكن هذه السرديات كانت مغلقة على ذاتها، تعيد إنتاج نفسها دون تحول جوهري. أما مع الوحي، فإن النص يصبح ديناميكياً، يتطلب من السامع أن يصبح مفسراً، ومن المفسر أن يصبح راوياً جديداً. هكذا تحولت السردية من مجرد حفظ الذاكرة الجماعية إلى عملية إبداعية مستمرة، حيث يُعاد تشكيل الماضي في ضوء الحاضر المتغير.

إن هرمينوطيقا الوحي تكمن في ثلاثة أبعاد مترابطة تشكل جوهر السردية العربية. البعد الأول هو البعد اللغوي: الوحي نزل بلغة العرب المبينة، لكنه لم يكن يقتصر على معانيها السطحية. فالإعجاز البلاغي في القرآن ليس مجرد جمال أسلوبي، بل هو دعوة للتأمل في طبقات المعنى. كلمة «اقرأ» الأولى ليست أمرًا بالتلاوة فحسب، بل هي أمر بالتأويل، بالانتقال من الحرف إلى الروح. ومن هنا انبثقت السردية العربية كفن يعتمد على الإيحاء والإشارة والمجاز، لا على التصريح المباشر. فالقصص القرآنية – قصة يوسف، قصة موسى، قصة سليمان – لا تُروى كأحداث خطية، بل كدوائر مفتوحة تدعو إلى إعادة القراءة في كل عصر. هذا ما جعل الرواية العربية الكلاسيكية، من «ألف ليلة وليلة» إلى مقامات البديعي، تتسم بتلك القدرة على التعدد والتداخل، حيث يصبح السرد نفسه تأويلاً لتأويل سابق.

البعد الثاني هو البعد الوجودي. الوحي يضع الإنسان أمام نفسه ككائن مفسر. فالإنسان في السردية العربية ليس مجرد بطل يروي مغامراته، بل هو كائن يسعى إلى فهم سر وجوده من خلال النص الموحى. هنا يتجلى الدرس الأول بوضوح: كل سرد عربي حقيقي هو محاولة للإجابة عن سؤال «من أنا في ضوء الوحي؟». ففي التراث، نجد أن السيرة النبوية نفسها ليست سيرة تاريخية جافة، بل هي سرد تأويلي يعيد قراءة حياة النبي كتجسيد حي للنص القرآني. والصوفية، بتأويلاتهم الباطنية، لم يفعلوا سوى تطوير هذا الدرس إلى منهج كامل: الطريق إلى الله هو طريق التأويل المستمر للوحي في القلب والواقع. ومن هنا امتدت السردية إلى الأدب العربي الحديث، حيث نجد في روايات نجيب محفوظ أو غسان كنفاني أو الطيب صالح صدى لهذا الدرس: الشخصية العربية تظل تبحث عن معناها من خلال مواجهة النص المقدس أو التراثي، حتى في زمن الانهيار والحداثة.

أما البعد الثالث فهو البعد التاريخي الاجتماعي. الوحي لم يكن حدثاً فردياً، بل هو بداية سردية جماعية جديدة. فالعرب، الذين كانوا يعيشون في سرديات قبلية ضيقة، وجدوا أنفسهم فجأة داخل سرد كوني يشمل الإنسانية كلها. وهرمينوطيقا الوحي هي الآلية التي مكّنت هذا الانتقال. فالتفسير لم يكن مقصوراً على العلماء، بل أصبح ممارسة يومية في المجتمع: في المسجد، في السوق، في الشعر، في الحكاية الشعبية. هكذا أصبح الدرس الأول درساً ديمقراطياً بطريقته: كل عربي مدعو إلى أن يكون راوياً ومفسراً. وهذا ما يفسر لماذا ظلت السردية العربية، عبر القرون، قادرة على استيعاب الثقافات الأخرى – الفارسية، الهندية، اليونانية – دون أن تفقد هويتها. لأنها تعلمت من الوحي أن التأويل هو الجسر بين الذات والآخر، بين الماضي والمستقبل.

إذا أمعنا النظر في بنية السرد العربي، نجد أن كل عناصره الأساسية مستمدة مباشرة من هرمينوطيقا الوحي. السرد الدائري، حيث يعود النص إلى نفسه باستمرار (كما في القرآن الذي يُعاد قراءته في كل صلاة)، يعكس طبيعة الوحي الذي لا ينتهي تأويله. والتعددية في الأصوات – صوت الله، صوت النبي، صوت الملك، صوت الشيطان، صوت الإنسان – تجعل السردية العربية حوارية بطبيعتها، لا أحادية. حتى تقنية الإيجاز والإطناب في القرآن أصبحت نموذجاً للرواية العربية: فالقصة لا تُروى كاملة دفعة واحدة، بل تُترك ثغرات للمتلقي يملأها بتأويله الخاص. هذا هو السر في جاذبية «ألف ليلة وليلة» التي لا تنتهي، وفي قدرة الرواية العربية المعاصرة على التعامل مع الواقع المعقد دون أن تسقط في التبسيط.

ولا يقتصر الأمر على الأدب وحده. فالسردية العربية هي أيضاً سرد سياسي واجتماعي. الثورات العربية، منذ العصر العباسي إلى ربيع 2011، كانت في جوهرها محاولات لإعادة تأويل الوحي في سياق السلطة والعدالة. فكل حركة إصلاحية عربية بدأت بتفسير جديد للنص المقدس: من ابن رشد إلى محمد عبده إلى المفكرين المعاصرين. هنا يظهر الدرس الأول بقوته التاريخية: التأويل ليس ترفاً فكرياً، بل هو أداة تغيير الواقع. فالوحي يحمل داخله إمكانية الثورة الدائمة، لأنه يرفض التجميد ويطالب بالتجديد المستمر. وهكذا أصبحت السردية العربية سرداً ثورياً بطبيعته، يرفض الاستسلام لأي قراءة نهائية.

في هذا الصدد، إن هرمينوطيقا الوحي هي ما يمنح السردية العربية قدرتها على البقاء والتجدد. ففي زمن العولمة والتقنية، حيث يبدو أن السرديات الكبرى تتآكل، نجد أن الرواية العربية ما زالت قادرة على إنتاج معنى لأنها تعود دائماً إلى درسها الأول: التأويل كفعل وجودي. سواء في بعض الأعمال السردية العربية، نجد دائماً هذا الصراع مع النص المقدس أو التراثي، هذا الرغبة في إعادة قراءته من أجل فهم الحاضر. هذا ليس صدفة، بل هو امتداد طبيعي للحظة الوحي الأولى. لذلك، يمكن القول إن أي محاولة لفهم السردية العربية دون العودة إلى هرمينوطيقا الوحي ستظل ناقصة. فالوحي لم يكن بداية الدين فحسب، بل بداية السرد نفسه. هو الذي علم العرب كيف يروون، كيف يسمعون، كيف يعيدون صياغة الكون بالكلمة. وكل رواية عربية حقيقية، مهما بدت علمانية أو حديثة، تحمل في أعماقها هذا الدرس الأول: أن التأويل هو الطريق إلى الحرية، وأن السرد ليس مجرد حكاية، بل هو فعل تأسيس للعالم من جديد.

هكذا تظل هرمينوطيقا الوحي، بعد أربعة عشر قرناً، الدرس الأول الذي لم ينتهِ تعليمه، والذي سيظل يُعاد اكتشافه في كل جيل جديد من الرواة العرب. إنه ليس ماضياً، بل حاضر مستمر، يتجدد مع كل قراءة، ويُعيد تشكيل السردية العربية كلما بدا أنها على وشك الانهيار. فالوحي، في النهاية، ليس نصاً انتهى، بل هو دعوة مفتوحة إلى السرد الذي لا ينتهي.

كاتب فلسفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...