ظافر الجبيري - كشْط...

في بلدتنا، شارع نحبُّه ونطرقه كل يوم. مساراته كافية، مشجّر في المنتصف، تحذيرات واضحة عند التقاطعات الصغير والكبيرة، مضاء بمصابيحَ ساطعة، ولله الحمد، وإن تصيّدت الحوادثُ عمودًا هنا أو شجرة هناك، لكنه يظلُّ طريقًا نافذًا وشارعًا واضحَ المعالم، له تفرعات تنحرف منها السيارات يمينًا ويسارًا، تخدم الأحياء والقرى على الجانبين .

البلدية لم( تقصّر) دون الهدف ولم ( تطوّل) المدّة المعلنة في أداء مهمّاتها، تُصلِح ما أفسدته الأمطارُ من تشقّقات ، وتلاحقُ ما أحدثته الشاحنات من تجعّدات، وتصنع المطبّات التي قال عنها أحدهم: هي شرٌّ لا بد منه!

قبل شهرين، اُعتمدت سفلتةٌ جديدة، وحسب المناقصة، فلا بد أن يسبق ذلك كشطُ الطبقة المهترئة، ليزدان الشارع بطبقة جديدة بلا نتوءات ولا حُفر، وكما ترسو سفينةٌ على شاطئ الأمل، رسَتْ المناقصة على( مؤسسة المظروف الذهبي).

لا بدّ من كشّاطة تزيل طبقة الأسفلت القديمة للمحافظة على مستوى الشارع منخفضًا عن مستوى الجزيرة الوسطى، لم تجد المؤسسة كشّاطةً، على الرغم من وعودٍ ببيع الإسفلت المكشوط وتحصيل مبلغ جيّد من ورائه لحسابها؛ ظلّ القوم أيامًا في (حَيْص) المشاورات و(بَيصَ) الاعتماد الذي قد يطير بعيدًا!

في اجتماع حاسم، أنقذهم اقتراحٌ لم يطرأ على البال، جاء من صوت خفيض تحدث من آخر طاولة الاجتماع، موظفٌ قليل الخبرة في هذا النوع من المشاريع المفيدة، رفع يده، وهو الذي لم يدخل يومًا في دهاليز المشاريع الورقية، تكلّم بهدوء:

- هذه المرة نُسفلت، ماشي؟ وفي المرة القادمة نكشط ونسفلت من جديد.. وامسكوا المخصص الماليّ كيلا يذهب بعيدًا عنكم، أعني عن مدينتنا!

فكّر كبارُ الكراسي في الأمر، كبيرُهم لم يُعجبه ضميرُ الجمع: "نكشط.. ونسفلت" وصمت مُخفيًا حنقه على قصير القامة حصيف الرأي. تشاوروا حتى ظنّ السامعُ أن الأمر رأي ورأي، ثم وافقوا على اقتراحه لئلا يتأخّر المشروع.

في مطلع الأسبوع التالي، انطلق العمل، فرّادة (العجين الأسود) عملت بدقّة وميزان، تخلّص الشارعُ من وجهه المجدور، وانطلقت السيارات تعبر فوقه من جديد.

بعد أقل من سنة، ولسرّ خفيّ لا يعلمه إلا الله، عاد الجدريُّ يشوّه وجْهَ الطريق، فأسرعت مناقصةٌ جديدة لذات الشارع . وكان النسيانُ قد دبّ إلى الموظفين ورئيسهم، قاموا بتجديد الإسفلت دون مراعاة التسويف القديم والتخطيط السابق، ارتفع منسوب الطريق مساويًا للرصيف، و فجأة ظهرت مشكلة، بل خللٌ واضحٌ في واجهة المشاريع التي يراها الناسُ صباح مساء.

تعالى الهمس في المكاتب، وفي الاجتماعات، تراشق رؤساءُ الأقسام والمشرفون الميدانيون بالتُّهم ، وتكهرب الجوّ دون الوصول إلى نتيجة.

بعيدًا عن الكراسي الفخمة، وعلى فطور الصباح، جلس الموظفُ الصغير مع الزملاء غير النافذين، انتقلوا من الحديث عن التميس الذي جاء بهم زميلُهم باردًا، وأكياس الشاي التي نفِدتْ ميزانيتها، إلى حديث الساعة، تساءلوا:

أين المهندسون المختصون في تحريك لوحة الكلاكيت؟! مَن المسؤول عن استلام الشغل دون المواصفات المطلوبة؟ وطلبوا رأي زميلهم الخجول، فصمَتَ وصمتَ حتى حان الوقت، ثم قال بحسرة :
- يا أعزائي، اتركوني صامتًا كيلا أخسر أحدًا، لكن تذكّروا ، في المسابقات، لازم تكشط لتربح، إلا هنا، البعضُ يربح بدون كشط.





9 /2020 م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...