طارق حنفي - "... إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"

قال الله عز وجل في الحديث القدسي:
«كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».
خواطر، بقلم: طارق حنفي
-----------

الصيام سرٌّ بين العبد وربه، لا يدخله الرياء كما قد يدخُل سائر العبادات.. ولذلك ميّزه الله عن غيره، حتى قيل إنه العبادة الوحيدة التي لم يتعبّد بها أحد لغير الله سبحانه.
فالصيام قمة الطاعة لله الواحد الخالق؛ عبادة تقوم على الترك: ترك الطعام والشراب وسائر المفطرات، وليس الأمر مقصورًا على ترك المحرمات والمعاصي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى ترك ما أحل الله من طعامٍ وشرابٍ ونكاح.. إنه ارتقاءٌ بالنفس، يعلو به الصائم تقرّبًا إلى الله سبحانه.

ولكن يبقى السؤال: لماذا قال الله سبحانه في الحديث القدسي:
«إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»؟

لقد جعل الله سبحانه لأعمال ابن آدم كلها من طاعات وصلوات وذكرٍ وسائر الأعمال ميزانًا للتقدير والحساب؛ تكتبها الملائكة، ويضاعف الله لمن يشاء، وهو سبحانه يمحو ما يشاء.
وحين حمل ابن آدم أمانة الاختيار، حمل معها أمانة مجاهدة النفس.. فهو ليس كالحيوان الذي تنقاد جوارحه لكل ما تشتهي نفسه، وليس كالمَلَك الذي تنقاد جوارحه لكل ما يأمر الله؛ فالمَلَك لا شهوة له تتسلط على جوارحه فتدعوه إلى المعصية.
فإذا صام ابن آدم وترك ما تدعوه إليه شهواته طاعةً لله، ارتفع إلى حالٍ عجيبة؛ كأنه مَلَك باختياره.. وهنا يرتقي الصوم بالإنسان إلى مرتبة فريدة؛ كائنٌ يجمع هيئة الإنسان وعقله وحريته، لكنه يتلبّس بصفات الطاعة التي تشبه حال الملائكة.
وعندها يصبح عمل الصائم عملًا فريدًا؛ عملًا لا يمكن تقدير أجره على المقاييس المعتادة التي تكتب بها الملائكة الأعمال.
فالصائم حين يصوم يكون كالمَلَك، ولكن بجسدٍ وشهوات؛ يختار الطاعة رغم القدرة على المخالفة.. يكون باختياره مَلَكًا، ولو لساعاتٍ معدودات في أيامٍ معلومات.
فما بالك إذا تجاوز الصائم صوم الظاهر إلى صوم النفس عما تأمر به الجوارح، ثم تجاوز ذلك إلى صوم القلب عن كل ما هو دون الله، حتى لا يبقى في القلب إلا الله؟
عندها يبلغ ابن آدم منزلة رفيعة؛ منزلةً يعجز الأدنى عن تقدير عمل الأعلى منها.. فلا يكون من الملائكة ولا من سائر المخلوقات من يملك العلم أو القدرة على تقدير هذا الجزاء.
وحينئذ يتحقق معنى الحديث القدسي:
«إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».

وصلِّ اللهم وسلّم وبارك على الحبيب الأمين، سيد أهل الأرض والسماء، الذي صلى إمامًا بالأنبياء، وتقدّم وحده في مقام القرب ليقف بين يدي خالق الأرض والسماء، وعلى آله وصحبه أجمعين.
طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...