د. محمد لبيب سالم - رجولة صديقي الإيراني

سأقصّ عليكم حكاية حقيقية حدثت لي في اليابان في منتصف التسعينيات.
أرويها لا لتمجيد شخصٍ بعينه، ولا لإدانة أحد، بل لأجل الرسالة التي تركتها في داخلي منذ ذلك اليوم.
وأرجو ألّا تغضب القصة أحدًا، وأن تصل الفكرة كما خرجت من قلبي.
كنتُ آنذاك أدرس في اليابان، وأحاول، على قدر ما أستطيع ـ أن أمهّد الطريق لزميلٍ مصري قرّر أن يلتحق بالدراسة في نفس الكلية التي كنتُ بها.
لم يكن الأمر بسيطًا؛ فالزميل لم يأتِ وحده، بل كان معه ثلاثة أطفال، وكان لزامًا أن يصل إلى فوكوكا ويجد بيتًا “دافئا”… لا شقةً فارغة وقلقًا مزدوجًا: غربةٍ ومسؤولية.
على مدى شهرٍ كامل، كنتُ أجمع له الضروريات الأساسية: أثاثًا، أدوات منزلية، احتياجات يومية… كل شيءٍ يختصر عليه أول صدمة في الحياة خارج الوطن. ثم جاءت لحظة الحقيقة: كيف أنقل كل تلك الأشياء إلى شقته قبل وصوله؟
المسافة لم تكن قريبة؛ حوالي خمسة عشر كيلومترًا بين الحيّ الذي أسكن فيه والحيّ الذي وجدنا فيه السكن بعد عناء. والأشياء كانت كثيرة وثقيلة؛ لا تكفيها سيارة سيدان صغيرة، ولا يمكن “تجزئتها” بسهولة… فهناك ثلاجة وأغراض لا تصلح المحاولات المحدودة.
بعد صلاة الجمعة، كنتُ أتحدث مع أحد الزملاء المصريين عن هذه الورطة. قال لي مطمئنًا: “لا تحمل همًّا… ننقلها على دفعات خلال أربعة أيام.” كان كلامه كريمًا، لكن المشكلة بقيت، فقد كان هناك بعض الأشياء التي لا تُنقل بكرم النوايا وحده.
وبينما أنا أشرح وأتنهد، ظهر شابٌ إيراني كنتُ أعرفه معرفة عابرة، ألقى السلامات، والتحيات، “كيف الحال”. كان طالبًا في كلية الهندسة. ذكيًّا، هادئًا، وسيم المحيا، يتحدث الإنجليزية بوضوحٍ جميل، ويعرف من اليابانية ما يكفي لتسيير الحياة.
اقترب مني فجأة وسألني:
“أين منزل صديقك الذي ستنقل له الأشياء؟”
استغربت: كيف عرف؟ ومتى سمع؟
ابتسم ابتسامةً صافية وقال ببساطة:
“كنتُ قريبًا منكما… سمعت الحوار… وجئت لأعرض المساعدة.”
قلت له تلقائيًا: “لكن الأمر يحتاج سيارة كبيرة… الأشياء كثيرة.”
ردّ وهو يحافظ على ذات الابتسامة المشجعة:
“سيارتي… مثل الميكروباص عندكم في مصر، لكنها أكبر قليلًا. ومعي اثنان من أصدقائي… سيأتون بسيارتهم أيضًا.”
لم أصدق سريعًا. راودني السؤال المعتاد الذي يأتينا حين يقترب المعروف من بابٍ لم نطرقه:
“هل أنت جاد؟”
قال: “جاد جدًا… الآن.”
سألته السؤال الذي لا بدّ أن يُسأل في هذا الموقف:
“ولماذا تفعل ذلك؟”
قال كلماتٍ بسيطة… لكنها كانت أثقل من الثلاجة التي سنحملها بعد قليل: "لأننا مسلمون… ينبغي أن نقف بجوار بعض البعض. ولأننا أصدقاء… ولأننا جيران في الغربة… وفي الإنسانية أنت أخي. ثم إنني رأيتك تساعد صديقك بإخلاص قبل أن يأتي… لا بد و أن أشارك في هذا الخير كما ساعدنا من سبقونا.”
في تلك اللحظة، شعرتُ بأن شيئًا في داخلي يهدأ.
كان يعلم تمامًا أنني سني، وأنه شيعي، وأن بيننا اختلافات… لكنه لم يُحضِر الاختلاف إلى الموقف. أحضر الإنسان.
وجاء الرجل بما وعد. هو وصديقاه، ومعهم السيارة الكبيرة، ومعنا نحن. حملنا الأغراض، وبدأنا رحلة النقل. ولن أنسى حرصه وهو يحمل الثلاجة الثقيلة مع صديقه الايراني على السلالم حتى الدور الثالث.
ولن أنسى كيف أفرغ السيارة من كل المقاعد تقريبًا ـ ما عدا كرسيه ـ ليصنع مساحةً إضافية لكل ما يمكن حمله.
ولن أنسى أن “اليوم” كله أصبح مشهدًا واحدًا متصلًا من الشهامة العملية: وقت، وجهد، ظهر، وابتسامة.
وعندما انتهينا، عرضتُ عليه مبلغًا ماليًا على الأقل نظير البنزين. رفض بهدوءٍ حاسم، كأنه يرفض أن يبيع معنى ما فعله. لم يترك لي إلا الامتنان… والتأمل.
خرجتُ من ذلك اليوم بدروسٍ لا تُكتب في المناهج:
تعلمتُ أن الاختلاف في المذاهب لا يُسقط الدين، ولا يمحو جوهره.
وتعلمتُ ألا أحكم على الناس بعِرقهم أو طائفتهم أو عنوانهم، بل بأفعالهم وسلوكهم الإنساني.
وتعلمتُ أن الغربة ـ رغم قسوتها ـ قد تهديك أحيانًا درسًا في الأخوّة لا تمنحه القربى وحدها.
ومنذ ذلك اليوم، زادت صداقتي بهذا الشاب الإيراني الهادئ، وبقي موقفه حيًا في ذاكرتي: درسًا في الإنسانية… لن أنساه.

تحياتي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...