د. محمد لبيب سالم - المناعة والحروب: تأملات فلسفية في القرارات المنضبطة وأمن الدول

ليست القوة دائمًا في شدة الضربة، بل قد تكون – في كثير من الأحيان – في دقة تقديرها. وهذه من أعمق الحقائق التي يكشفها لنا علم المناعة. فالجهاز المناعي لا تتحدد كفاءته فقط بقدرته على الهجوم، بل بقدرته على ضبط الهجوم: متى يبدأ، وكم يبلغ، ومتى يتوقف، وكيف يحقق الحماية دون أن يستهلك الجسد الذي قام أصلًا لحفظه. ومن هنا لا تبدو المناعة مجرد وظيفة بيولوجية صامتة، بل تبدو نموذجًا فكريًا بالغ الثراء، يعلّمنا أن البقاء لا يحتاج إلى أقصى رد ممكن، بل إلى الرد المناسب، في التوقيت المناسب، وبالقدر المناسب. وهذه الفكرة نفسها هي ما تحتاجه الدول حين تواجه الأخطار، وحين تقف قياداتها بين احتمالين كلاهما خطر: التراخي الذي يغري الخصم، والإفراط الذي ينهك الذات.

في علم المناعة، ليست كل مواجهة مع الجسم الغريب متشابهة في نتائجها. فالأمر لا يتوقف على طبيعة المستضد وحدها، بل يتصل أيضًا بكمية التعرض له وامتداد هذا التعرض عبر الزمن. فقد يكون التعرض الضعيف أقل من المستوى اللازم لبناء استجابة فعالة، كما قد يكون التعرض المرتفع أو المزمن سببًا في دفع الخلايا التائية إلى ما يعرف بـ الإنهاك المناعي؛ أي إلى تراجع قدرتها الوظيفية تحت وطأة التحفيز المستمر. ولهذا لم تعد المناعة الحديثة ترى النجاح في مجرد إشعال الاستجابة، بل في ضبط شدتها، واستدامتها، ومنع تحولها إلى خلل وظيفي أو استنزاف ممتد. فالمناعة، في جوهرها، لا تعمل بمنطق القتال لأجل القتال، وإنما بمنطق أوسع وأعمق: حفظ الاتزان الحيوي.

ومن هنا تتولد المقاربة مع الحروب. فالدولة، مثل الجسد، قد تواجه تهديدًا حقيقيًا يستدعي ردًا حاسمًا، غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في مبدأ الرد ذاته، بل في حسن تقدير مستواه. فالرد الأدنى من اللازم قد يفتح شهية الخصم للتمدد، ويمنحه شعورًا بأن كلفة عدوانه محتملة. أما الرد الأعلى من اللازم، فقد يحقق نجاحًا أوليًا، لكنه يجر الدولة إلى مسار طويل من الاستنزاف: استنزاف في السلاح، والاقتصاد، والسمعة، والشرعية، والأعصاب، والذاكرة الجمعية. وهنا تلتقي البيولوجيا بالسياسة في منطق واحد: ليس كل ما يبدو قوةً هو قوة بالفعل، لأن بعض صور القوة قد تكون، في حقيقتها، بداية الإنهاك.

وكما أن العجز المناعي خطر، فإن فرط الاستجابة المناعية خطر أيضًا. فالالتهاب إذا جاوز حدّه، ولم يجد ما يضبطه، لم يعد دفاعًا خالصًا، بل صار جزءًا من الضرر. والقياس الفلسفي هنا شديد الوضوح: فالحرب التي تتجاوز حدها الدفاعي المعقول قد تتحول من أداة لحماية الدولة إلى أداة لإضعافها من الداخل، مهما رفعت من شعارات الحسم والانتصار والردع. ذلك أن القرار العسكري لا يُمارَس فقط ضد خصم خارجي، بل يُمارَس أيضًا داخل الجسد الوطني نفسه: داخل الاقتصاد، والمجتمع، والمؤسسات، والأفق السياسي، وداخل قدرة الدولة على ترميم نفسها بعد الصدمة. وكما أن الجهاز المناعي لا يملك ترف تمزيق أنسجته بلا حساب، فإن الدولة الرشيدة لا يجوز لها أن تتعامل مع القوة كما لو كانت منفصلة عن الكلفة التي تتركها في بنيتها هي ذاتها.

وهنا يظهر مفهوم بالغ الأهمية: الإنهاك. فالخلايا التائية لا تنهك لأنها ضعيفة من الأصل، بل قد تنهك لأنها ظلت طويلًا تحت تحفيز كثيف، متواصل، ومفتوح النهاية. وهذا المعنى بالغ الأهمية في التفكير الاستراتيجي؛ لأن الدول كذلك قد لا تنهار بضربة واحدة، وإنما بسبب دخولها في نمط استجابة طويل، عالي الكلفة، مزمن التهييج، غامض النهاية. وعندئذ لا يكون الخطر فقط في احتمال الهزيمة المباشرة، بل في أن تتحول الدولة نفسها إلى كيان منشغل بالاستنزاف، فاقد للمرونة، منهك الإرادة، متآكل القدرة على إعادة البناء. وبهذا المعنى، يمكن القول إن الإنهاك الاستراتيجي في الحروب يشبه – على المستوى التأملي – الإنهاك المناعي في البيولوجيا: كلاهما نتيجة لاستجابة لم تعد مضبوطة بحدها الوظيفي، بل أصبحت أسيرة دوام الاستثارة وتراكم الكلفة.

ومن أجمل ما يكشفه لنا علم المناعة أن البداية ليست منفصلة عن النهاية، وأن بعض النهايات تُزرع ملامحها منذ الطور الأول. ففي علم الالتهاب، هناك فكرة عميقة مفادها أن الطريقة التي تبدأ بها الاستجابة تؤثر في الطريقة التي تنتهي بها، وأن البداية المنضبطة تحمل في داخلها شروط الاحتواء والحل والعودة إلى الاتزان. ويمكن إسقاط هذا المعنى على الحروب إسقاطًا تأمليًا ناضجًا: فالقرار العسكري الحكيم ليس فقط قرار الدخول، بل هو أيضًا قرار السقف، وقرار المدى، وقرار الخروج. ولذلك فإن السؤال الأهم قبل أي تصعيد ليس: هل نستطيع أن نرد؟ بل: ما مقدار الرد الذي يحقق الغرض دون أن يفتح مسارًا تتجاوز كلفته الغرض نفسه؟

وهذه المقاربة لا تعني، بطبيعة الحال، نقل قوانين المناعة إلى السياسة نقلًا حرفيًا. فالجسد ليس دولة، والخلايا ليست جيوشًا، والعامل الممرض ليس خصمًا سياسيًا. غير أن القيمة الحقيقية هنا ليست في التطابق، بل في الاستبصار. أي في أن تمنحنا البيولوجيا نموذجًا عقليًا يذكّرنا بأن الأنظمة المعقدة لا تُدار بمنطق الإفراط، بل بمنطق الضبط؛ وأن الحفاظ على الكيان أسمى من مجرد إظهار القدرة على القتال؛ وأن الحكمة ليست نقيض القوة، بل صورتها العليا. فالقوة العارية قد تثير الانبهار لحظة، أما القوة المنضبطة فهي التي تحفظ الوجود.

بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، والقول إن المناعة تعلمنا أن الدفاع الحقيقي ليس فعلًا عدوانيًا محضًا، بل هو فعل وجودي وأخلاقي؛ لأنه دفاع عن الكل، لا عن لحظة الانفعال. ولهذا فإن الدولة التي تبني قرارها العسكري على الغضب وحده تشبه جهازًا مناعيًا فقد القدرة على التمييز بين التهديد وحدود الجسد الذي ينبغي أن يحميه. والدولة التي تتباطأ عن الرد حين يجب الرد تشبه جهازًا مناعيًا أخفق في إدراك الخطر قبل أن يتمدد. وبين هذين الحدين يتجلى معنى النضج: استجابة لا تخون الهدف، ولا تلتهم الذات.

ومن هنا نصل إلى خلاصة فكرية بالغة الأهمية:
ليس المطلوب من القادة أن يكونوا أكثر اندفاعًا، بل أن يكونوا أكثر مناعيةً بالمعنى العقلي للكلمة؛ أي أكثر قدرة على تقدير المستوى المناسب، ووزن الجرعة، وقراءة الزمن، وحساب الكلفة، وفهم أن الاستجابة إذا فقدت تناسبها فقدت حكمتها، وإذا فقدت حكمتها فقد تتحول من أداة حماية إلى سبب استنزاف. والمناعة، بهذا المعنى، لا تقدم للسياسة وصفة جاهزة، لكنها تقدم لها درسًا بالغ العمق: أن النظم الذكية لا تعيش بأقصى عنف ممكن، بل بأقصى اتزان ممكن تحت ضغط الخطر.

ولذلك فإن هذه المقاربة ليست مناسبة فحسب، بل نافعة أيضًا؛ لأنها تمنح صانع القرار لغة تجمع بين العلم والتأمل لفهم المعضلة الكبرى في الحروب:
أن الخطر ليس في أن نرد فقط، ولا في أن نصمت فقط، بل في أن نخطئ مقدار الرد، وزمنه، ومداه، وكلفته، ونهايته.

ويمكن تلخيص الفكرة كلها في عبارة واحدة:
كما أن الجسد لا تحميه أعنف استجابة مناعية، بل أدقها ضبطًا، كذلك الأوطان لا تحميها أكثر الحروب صخبًا، بل أكثر القرارات حكمةً وتناسبًا.
اما الغرور بالقوة وقت اتخاذ القرار فهو ضعف في صاحب القرار ونكبة علي دولة القرار.

أ.د. محمد لبيب سالم
أستاذ علم المناعة – كلية العلوم، جامعة طنطا – مصر
كاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر
mohamedlabibsalem@yahoo.com

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...