خصوصية الدماغ البشري: القلعة التي لم تفتحها التكنولوجيا

الدماغ البشري: القلعة التي لم تفتحها التكنولوجيا

في زمنٍ استطاعت فيه التكنولوجيا أن ترى من بعيد، وتسمع من وراء الجدران، وتتحكم في الأشياء عن بُعد عبر آلاف الأميال، وتتعامل مع الموجات الكهرومغناطيسية والكهربية إرسالًا واستقبالًا، يبقى الدماغ البشري واحدًا من أكثر أسرار الوجود استعصاءً على الامتلاك الكامل.
لقد امتدت يد الإنسان إلى الفضاء، ونفذت أدواته إلى أعماق البحار، واخترقت تقنياته الجسد البشري حتى أدق تفاصيله، ومع ذلك ما يزال عاجزًا عن أن ينتزع من الدماغ فكرةً واحدة كما هي، أو أن يستخرج من نسيجه ذكرى طفولة، أو دعاءً قيل في لحظة شدة، أو قصيدةً سكنت النفس، أو لحنًا عاش في الوجدان، أو خوفًا ارتجف في القلب، أو أملًا أشرق في الروح.

وهنا يبدأ التأمل الحقيقي: كيف يمكن لعضو مادي، له وزن وحجم وشكل وخلايا وأنسجة، أن يحمل هذا العالم اللامادي الهائل، ثم يبقى محتفظًا بسرّه؟
وكيف يستطيع الإنسان أن يشرح الدماغ، ويحلل خلاياه، ويرصد إشاراته، ثم لا يستطيع، إلى اليوم، أن يعثر فيه على رواية، أو قصة قصيرة، أو أغنية، أو نظرية، أو حنين، أو نية، أو معنى؟

فحتى لو أخذ العلماء المخ بالكامل، وفككوا أنسجته، واستخلصوا عصارة خلاياه، فلن يجدوا بين أيديهم إلا جزئيات مادية: بروتينات، ودهونًا، وأغشية، ونواقل عصبية، وأيونات، وخلايا، ومسارات، وشبكات. لكنهم لن يعثروا على الأفكار ذاتها، ولن يجدوا المشاعر كما عشناها، ولا الذكريات كما خزناها في أعماقنا، ولا النيات كما مرت في صمت نفوسنا.
لن يجدوا قصيدة شعر، ولا رواية، ولا قصة قصيرة، ولا فيلمًا، ولا أغنية، ولا نظرية، ولا ذكرى للطفولة، ولا دعاء وقت الشدة. سيجدون المادة، لكنهم لن يجدوا المعنى؛ سيجدون البنية، لكنهم لن يجدوا التجربة؛ سيجدون المكونات، لكنهم لن يجدوا الإنسان من الداخل.

وحتى إذا اتجهوا إلى مناطق بعينها، مثل الحُصين المرتبط بدور جوهري في تكوين الذكريات وتثبيتها، أو اللوزة الدماغية المرتبطة بالمشاعر والانفعال وتلوين الخبرة الإنسانية بطابعها العاطفي، فلن يحصلوا إلا على بنى خلوية وآثار نشاط، لا على الذكرى نفسها وهي تُستعاد، ولا على العاطفة وهي تُحَسّ، ولا على الحزن أو الفرح أو الحنين بوصفها عوالم داخلية حيّة.
إنهم قد يعرفون مواضع تقريبية لبعض الوظائف، وقد يقتربون من خرائط النشاط، لكنهم لا يملكون بعدُ المفاتيح الكاملة لذلك التحول العجيب من المادة إلى وعي، ومن الإشارة إلى معنى، ومن الخلية إلى تجربة داخلية.

ولهذا تبقى المشكلة الأكبر ليست فقط في أين توجد الأشياء في الدماغ، بل في كيف توجد.
أين تُخزَّن الذكرى؟ سؤال مهم.
لكن كيف تصبح الذكرى ذكرى أصلًا؟ وكيف تتحول الإشارات الكهروكيميائية إلى معنى شخصي، وإلى صورة، وإلى ألم، وإلى شوق، وإلى رجاء؟ هذا هو السؤال الأعمق.
وطالما أننا لا نعرف الكيفية الكاملة التي تُخزَّن بها أفكارنا ونياتنا ومشاعرنا، فلن نستطيع اختراق الأفكار اختراقًا حقيقيًا، حتى لو عرفنا بعض الأماكن المرتبطة بوظائف معينة. فالكيف هنا أصعب بكثير من المكان، وأغلق بكثير من الخريطة، وأبعد بكثير من مجرد الرصد والملاحظة.

ومن هنا يبدو الدماغ البشري سرًا من أسرار الله سبحانه وتعالى.
فالله عز وجل لم يجعل الإنسان مجرد تركيب مادي يمكن فتحه كما تُفتح الأجهزة، ولا مجرد منظومة يمكن تفكيكها ثم إعادة جمعها فنحصل على حقيقتها كاملة. بل جعل فيه بعدًا داخليًا محفوظًا، وعالمًا باطنيًا لا يُنتزع بسهولة، وحرمةً نفسية لا تملك التكنولوجيا، رغم كل ما فيها من إبهار وزخرف وقوة، أن تستولي عليها استيلاءً تامًا.

وهذا المعنى لا يخص الإنسان وحده على نحو مطلق؛ فالمدهش أن الكائنات الحية الأخرى تشاركنا شيئًا من هذا السر. حتى الحيوانات، المتقدمة منها والبدائية، لها خصوصيتها المتفردة. نستطيع أن ندرس سلوكها، وأن نرصد بعض أنماط نشاطها العصبي، وأن نفسر شيئًا من استجاباتها، لكننا لا نستطيع أن “نهكر” أفكار أدمغتها، ولا أن ننفذ إلى باطن خبرتها كما هي.
وهذا يعني أن في الحياة نفسها حجابًا، وأن في الكائن الحي حرمةً داخلية، وأن الله سبحانه وتعالى جعل بين ظاهر الكائن وباطنه مسافةً لا تُلغى بسهولة، حتى لا يتحول كل حيٍّ إلى صفحة مكشوفة أمام غيره.

ولو تخيلنا — على سبيل الفرض — أن التكنولوجيا وصلت يومًا إلى وسيلة لاختراق أفكار الناس اختراقًا مباشرًا، لكان ذلك من أكثر الاحتمالات رعبًا في تاريخ البشرية.
حينها سيصبح كل واحد منا مكشوفًا للآخر، وستُقرأ أدمغتنا كما تُقرأ الشاشات، وتتكشف أسرارنا، وتُفضح نياتنا، وتنهار تلك المساحة العميقة التي تحفظ للإنسان كرامته وخصوصيته وحقه في أن يكون له داخلٌ لا يطؤه أحد.
بل إن العلاقات الإنسانية نفسها ستفقد كثيرًا من معناها، لأن جزءًا كبيرًا من الحكمة والرحمة والأدب والستر قائم على أن الإنسان لا يرى من الآخر كل شيء، ولا يعرف عنه كل شيء، ولا يطّلع على باطنه كله. ولو سقط هذا الحجاب، لتحولت الحياة إلى انكشاف دائم لا يُحتمل، وإلى عريٍّ نفسي أشد قسوة من أي عريٍّ آخر.

ولهذا فإن بقاء الدماغ عصيًّا على الاختراق الكامل ليس مجرد قصور علمي مؤقت، بل يمكن تأمله أيضًا بوصفه رحمة من الله بالإنسان، وصيانة لخصوصيته، وحفظًا لجوهره.
فالتكنولوجيا قد تقترب من الإنسان، لكنها لا تزال عاجزة عن امتلاكه من الداخل. قد ترصد أثر الفكرة، لكنها لا تملك الفكرة نفسها. قد تسجل النشاط، لكنها لا تستولي على المعنى. قد ترى الخلية، لكنها لا تمسك بالروح التي جعلت من هذا النسيج البشري عالمًا حيًّا من الوعي والإرادة، والحنين، والنية، والرجاء.

ومن أجمل ما يُتأمل في هذا الباب أن الإنسان، رغم كل ما صنعه بيديه، ما يزال يحمل في رأسه سرًا لا يملكه كامل الملك.
إنه يعرف الكثير عن الدماغ، لكنه لا يعرف بعد كيف تنقلب المادة إلى قصيدة، وكيف تتحول الخلايا إلى دعاء، وكيف تصير الإشارات إلى حب، وإلى خوف، وإلى ذاكرة، وإلى يقين، وإلى أمل.
وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين العلم بوصفه اقترابًا من الظاهرة، وبين امتلاك الحقيقة الكاملة لها. ويظهر أيضًا أن في خلق الله سبحانه وتعالى من العمق ما يجعل الإنسان، مهما تقدم، يقف خاشعًا أمام حدودٍ لم يُؤذن له بعد بتجاوزها.

وهكذا يبقى الدماغ البشري قلعةً محصنة، لا بمعنى أن العلم لا يقترب منه، بل بمعنى أن جوهره الأعمق لم يُفتح بعد. وتبقى أفكار الإنسان ونياته وذكرياته ومشاعره ملكًا لصاحبها، لا تُستخرج من نسيج، ولا تُعصر من خلية، ولا تُلتقط كاملة من موجة.
ويبقى في هذا كله شاهدٌ إيماني جليل: أن الله سبحانه وتعالى كرّم الإنسان بأن جعل له داخلًا لا يُستباح بسهولة، وسرًا لا يُنتزع، وحرمةً نفسية تحفظ له معناه في عالم يتسع فيه سلطان التكنولوجيا كل يوم.
فمهما أزينت التكنولوجيا وازخرفت، ومهما بدت قادرة على كل شيء، سيظل في الإنسان شيءٌ أكبر من أجهزتها، وأعمق من معادلاتها، وأعزّ من أن يُختزل إلى بيانات: ذلك العالم الداخلي الذي لا يعلمه على تمامه إلا الله.

لو أحببت، أكتب لك بعد ذلك نسخة أقصر وأكثر بلاغة تصلح منشورًا قويًا على فيسبوك.

ا.د. محمد لبيب سالم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...