أ. د. عادل الأسطة - الشغف بكتابة الرواية

في رمضان غالبا ما كنت أواصل مشواري اليومي في مدينة نابلس من السوق الشرقي إلى حارة الغرب ، عبر شارعي خالد بن الوليد والنصر ، ممعنا النظر في الحلوى بأشكالها والخبز بأنواعه والفلافل والحمص والعصائر والبقوليات والبقدونس والنعناع والكزبرة والفجل والجبنة بأنواعها ، مستمتعا بما أرى ، ويحدث أحيانا أن أتجاذب الحديث العابر مع أحد معارفي أو أحد المارة .
في ١٦ آذار - يوم من أيام العشرة الأواخر - أصغيت إلى صوت ينادي :
- أستاذ عادل !
التفت إلى جهته وطلبت من صاحبه أن يعرفني بشخصه ، فعرفني وحكى لي حكايته . اسمه سلمان لؤي عمران وهو من قرية أعرف قسما من أبنائها . شاب في بداية العشرينيات من عمره تقدم للتوجيهي ولم يحالفه الحظ ، فقرر العمل والتفرغ لكتابة الرواية ، وأخبرني أنه نشر رواية والثانية في طريقها للنشر ، ولما سألته إن كانت جهة ما أصدرتها له أجابني أنه طبعها على نفقته وأن الثانيةستصدر عن دار نشر ثانية ، وإذ كنت أعرف أنها لا تنشر إلا لمن يدفع ، فلم أسأله عن المبلغ الذي ستتقاضاه منه ، وإن عرفت أنه دفع للناشر الأول مبلغ ٣٠٠٠ شيكل .
ما علينا !
سلمان أراد أن يهديني نسخة من روايته لأكتب عنها ، فأسمعته وجهة نظري :
- سوف أقرأ منها أربعين خمسين صفحة ، فإن قالت لي :
- واصل القراءة !
أواصل ، وإلا فسوف أدعها جانبا وأنشر خبرا عنها ليس أكثر .
وافق سلمان ووعدني أن يحضر النسخة في اليوم التالي ، وبعد يومين أحضرها وأسمعته رأيي ثانية .
في فجر اليوم الذي التقيت فيه سلمان كاتبني خالد كساب محاميد ، وهو فلسطيني أصل أهله من اللجون التي هجروا منها في العام ١٩٤٨ ليقيموا في قرى في الداخل .
خالد معجب بمحمود درويش وكتب عن زيارته البروة ولقائه مع إخوة الشاعر . كان هذا في ٢٠٠٧ يوم كان الشاعر على قيد الحياة.
صور خالد بقايا البروة والمدرسة التي درس فيها الشاعر الصفين الابتدائيين الأولين والشجرة التي ورد ذكرها في قصيدته " طللية البروة " ، وأدرجت القصيدة ومقالي عنها والصور . طبعا بعد أن أخذت إذنا منه .
ولأن خالد معجب بالقصيدة التي قلت مرة عنها إنها يجب أن تدرج في المناهج الدراسية الفلسطينية ، فقد اقترح علي أن أدرسها في ضوء الصور ، مقابل مكافأة مجزية على أن تصدر الكتابة في كتاب .
قلت لخالد إنني ما عدت منذ طوفان الأقصى قادرا على كتابة غير اليوميات ، وكنت رفعت شعارا لم ألتزم به " لا كتابة بعد غزة " ، عدا أنني أفشل في الكتابة غير النابعة من حافز شخصي ومحرك ذاتي ؛ أي الكتابة التي يطلب مني أن أنجزها .
في العام ٢٠١٥ كتبت المنشور الآتي :
[ يوم الأربعاء 18 / 3/ 2015 كنت في وزارة الثقافة ، والتقيت بعبد السلام عطاري ، وخاض في حديث عن الحركة الأدبية ، بحضور آيات نزال ، ومما قاله إنه لا توجد حركة نقدية في فلسطين ، وإن ما يكتبه النقاد ما زال مقتصرا على أسماء معروفة ورموز أدبية ، وليس هناك نقاد يتناولون الأعمال الأدبية للكتاب الجدد ، بل وللأجيال اللاحقة لجيل السبعينيات .
هل هذا الكلام صحيح ؟
أعتقد أنه ينطبق علي شخصيا ، وأنا أقر بهذا ولا أنكره ولا أجادل فيه ، فأنا ما زلت أكتب عن أسماء نشأت مع نصوصها : م . درويش وا . حبيبي وس . القاسم ومعين بسيسو وغ. كنفاني وأ. هنية وم. شقير وتوفيق فياض ونجاتي صدقي وسميرة عزام و .. و ... وبعض الأسماء التي بدأت تكتب في فترة لاحقة ، ولم أتابع نتاج الأجيال الشابة متابعتي الأسماء الوارد ذكرها . وغالبا ما يؤرقني السؤال الآتي :
- هل هناك من الأسماء الشابة من تجاوز أيا من الأسماء الوارد ذكرها ؟
وأنا أحاور كثيرا من الكتاب الجدد اسألهم إن كانوا قرؤوا الأجيال السابقة وإن ساءلوا أنفسهم أين هم منها ؟ وماذا أضافوا إليها ؟ وغالبا ما يجيبونني بإنهم لم يقرؤوها ، ما يجعلني أتساءل مجددا :
كيف إذن يمكن متابعة كتابات الأجيال الجديدة ؟ ثم أقول :
-على هذه الأجيال أن توجد نقادها منها .
ربما أنا على خطأ ! ربما !]
يومها كنت قرأت ثلاث روايات لروائيين لكل منهم ما لا يقل عن ثلاث أربع روايات ، وعرفت منهم أنهم لم يقرؤوا من سبقهم ، وكانت أعمالهم لا تتجاوز السابق . ويومها تساءلت :
- هل يجدر أن أتوقف أمام رواياتهم ؟
قبل أسبوعين أعدت إدراج المنشور السابق
فناقشني فيه بعض الكتاب ، ومنهم الشاعر سامي مهنا ، مبدين رأيا مغايرا ، فعدت وكتبت الرأي الآني :
[ أنا أقدم رأيا يحتمل الصواب والخطأ ولم أنف احتمالية الخطأ . لاحظ عبارة " وربما أنا على خطأ " ].
ولكن وجهة نظري أنه ليس هناك كاتب فرض حضوره في المشهد الأدبي كما فرض هؤلاء الكتاب حضورهم ، وهذا يعتمد على شيوع كتاباتهم وإعادة طباعة أعمالهم و أمسياتهم الشعرية وحضورها وتلقي أعمالهم نقديا وحضور نصوصهم على الألسن .
وكثيرا ما سببت لي آرائي جدلا مرهقا متعبا .
ما علينا ! هل قرأت رواية سلمان كما وعدت ؟
عنوان الرواية هو " أمنيات لا تعرف الحدود " ( ٢٠٢٥ ) وعندما سألت سلمان الريفي عن مكان جريان أحداث الرواية أجاب بأنه المخيم ، فسألته مجددا : لماذا لا تكتب عن بيئتك- أي الريف ؟ وما علاقتك بالمخيم ؟ أجاب بأنه زار مخيمات عديدة .
عندما قرأت الصفحات الأولى من الرواية لاحظت مدى تأثر سلمان بنتاج غسان كنفاني ، ويبدو أنه قرأه جيدا ، بخاصة " رجال في الشمس " و " كعك على الرصيف " . تحضر أسئلة غسان في روايته وتتشابه شخصية رواية سلمان مع القصة وعنوانها . والمخيم لا يقع في الضفة الغربية بل في دمشق . إنه مخيم اليرموك .
ثمة شغف بكتابة الرواية و ... وكم أثر غسان كنفاني في الأجيال الفلسطينية ؟!

يتبع ٢٣ و ٢٤ و ٢٥ آذار ٢٠٢٦


٦ / ٣ / ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى