أحمد بوعروة - من قال إننا سنغادر… ومن أوهمكم أننا سننسحب؟

من الذي أقنعكم أننا سنحزم حقائبنا ونغادر؟ من الذي أوهمكم أن هذا الوطن مجرد محطة عابرة، وأن أبناءه يمكن أن يتركوه عند أول خيبة، أو أول موجة فساد، أو أول ضجيج يُصنع بعناية لزرع اليأس في النفوس؟ من منحكم هذا اليقين المتعالي بأن الناس ستنسحب، وأن الساحة ستصفو لكم، وأن الوطن سيُترك نهبًا لمن أفسدوا المعنى، ولوّثوا الحلم، وأتعبوا الأرواح؟

أأنتم، بفسادكم الذي لم يعد يحتاج إلى أقنعة، وقد صار ظاهرًا حتى للعابرين؟ أم أنتم، بتفاهتكم التي ملأت منصات التواصل ضجيجًا فارغًا، حتى صارت السوشال ميديا في كثير من الأحيان مسرحًا يوميًا لتسويق الرداءة، وصناعة نجوم من الفراغ، وتقديم الوهم في هيئة نجاح؟ أم أولئك الذين لا يكتفون بترويج التفاهة الرقمية، بل يمدّونها بالحماية والدعم فنيًا وثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا، حتى أصبح السطحي يُمنح الضوء، والضجيج يُسوَّق على أنه تأثير، والفراغ يُقدَّم على أنه مشروع؟

غريب أمركم؛ تفسدون ثم تتساءلون عن الغضب، وتخنقون الأمل ثم تستغربون السخط، وتدفعون الناس إلى الحافة ثم تسألون لماذا يفكر البعض في الرحيل. الأخطر من الفساد نفسه أن يتحول القبح إلى شيء مألوف، وأن تصبح الرداءة عادة، وأن يُعاد تشكيل الذوق العام على مقاس التفاهة. صرنا نرى ما يُقدَّم فنيًا بلا روح، وما يُسوَّق ثقافيًا بلا عمق، وما يُرفع اجتماعيًا بلا أثر، وما يُدافع عنه سياسيًا بلا مشروع، وكأن المطلوب هو أن يعتاد الناس على الفراغ حتى يفقدوا القدرة على التمييز بين القيمة والزيف.

لكن دعونا نصحح المعنى، مرة واحدة، بوضوح لا يقبل التأويل: نحن لن نغادر… ولن ننسحب.

نعم، لن نغادر هذا التراب الذي يسكننا كما تسكن الروح الجسد، ولن ننسحب من معركة الدفاع عن وطنٍ نحبه أكثر مما يكره البعض صدقه. هذا الوطن ليس فندقًا نغادره، وليس بابًا يُوصَد فنبحث عن باب آخر، وليس جدارًا نتركه للمتصدعين من الداخل؛ الوطن نحن، فكيف ينسحب الإنسان من نفسه؟

أنتم تراهنون على تعبنا، وعلى لحظة الانكسار، وعلى تلك الجملة التي تنتظرون سماعها: «يكفي». لكن ما لم تفهموه بعد، أن «يكفي» عندنا لا تعني الهروب، بل تعني المواجهة؛ تعني أن نرفع الصوت، وأن نفضح الفساد، وأن نكشف الرداءة، وأن نواجه أولئك الذين يريدون تكريهنا في وطننا حتى نتركه لهم.

لن نترك الوطن لمن يحولون التفاهة إلى سياسة يومية، ولمن يبيعون الوهم في الشاشات والمنصات، ولمن يظنون أن الضجيج يمكن أن يُسكت الحقيقة. لن نترك البحر لملوحته، ولا الشمس لحرارتها، ولا السماء لزرقتها، ولن نترك ذاكرة الأمهات، وصوت الفجر، ورائحة الخبز، وأغاني الطفولة، وعرق البسطاء، وصبر القرى، وقلق المدن.

سنظل هنا، نكتب وننتقد ونقاوم ونغضب، ونسقط لننهض من جديد، لكننا لن نغادر… ولن ننسحب، لأن الوطن، في النهاية، ليس مجرد جغرافيا، بل هو المعنى الأخير الذي إذا ضاع ضاعت فينا أشياء لا تعوّض.

الوطن ليس صفقة نخسرها، ولا ساحة ننسحب منها، ولا أرضًا نتركها للفاسدين وصُنّاع التفاهة. الوطن هو ذاك الضوء الذي يسكننا مهما اشتد الظلام، وهو ذاك الصوت الداخلي الذي يقول لنا، كلما ارتفع الضجيج: ابقوا… لأن البقاء موقف، ولأن المقاومة تبدأ من الكلمة، ولأن الرحيل لا يصنع الأوطان.

لافتة:

الوطن ليس مكانًا نغادره، بل روحًا تسكننا؛ وكلما اشتدّ الظلام، ازددنا يقينًا بأن البقاء مقاومة، وأن الحب الحقيقي للأرض هو أن نبقى فيها… ونحرس ضوءها حتى يطلع فجرُ المعنى، وينكسر ليل الفساد، وتعودَ للروحِ طمأنينتُها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى