بقلم: خالد صالح عطية – مارس 2026
في الاشتباك الفكري الذي تفتحه الدكتورة غانية ملحيس حول مفهوم “الفخّ المركّب”، لا يتوقف الأمر عند تقديم إطار تفسيري للحروب المعاصرة، بل يتجاوز ذلك إلى لحظة أكثر حدة: لحظة يصبح فيها المفهوم نفسه موضوعًا للسؤال، لا أداة للإجابة. فحين يُدفع هذا الطرح إلى حدوده القصوى، لا يكشف فقط كيف تعمل الحروب، بل لماذا لم تعد قادرة على أن تنتهي. وهنا يبدأ الانزياح الحقيقي: من سؤال الصراع إلى سؤال العالم.
ما يقدّمه مفهوم “الفخّ المركّب” هو إعادة تعريف للحرب بوصفها نظام اشتغال، لا حدثًا. نظام تتداخل فيه الأبعاد الأخلاقية والزمنية والطاقوية والخطابية والإدراكية والبنيوية، لا بوصفها عناصر منفصلة، بل شبكة لا يعمل أي جزء منها خارج الآخر. وفي هذا المستوى، لا يعود الفشل في الحسم نتيجة خلل في الإدارة أو سوء تقدير، بل نتيجة منطق داخلي للصراع ذاته. فالحرب لا تتعثر لأنها أسيء إدارتها، بل لأنها تُدار ضمن بنية تجعل الحسم نفسه غير قابل للتحقق—وربما لم يعد هذا “الفشل” عرضًا، بل أصبح هو القاعدة التي يعمل النظام ضمنها.
غير أن هذا الطرح، في أقصى درجات تماسكه، لا يكتمل إلا إذا وُضع تحت اختبار الواقع. فحين ننظر إلى الحروب الجارية اليوم، لا بوصفها حالات منفصلة، بل كتجليات كثيفة لبنية واحدة، يبدأ “الفخّ المركّب” في الظهور لا كإطار تفسيري، بل كنظام يعمل فعليًا داخل كل حالة—لكن أيضًا، وربما على نحو مقلق، كنظام لا يفسّر كل شيء بالقدر نفسه، ما يفرض إبقاء مسافة نقدية منه حتى في لحظة استخدامه.
في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، لا يتجلى الفخّ في البعد العسكري فقط، بل في تراكب أبعاده كلها، وفي تناقضاته الداخلية كذلك. فالأهداف هنا متضخمة أخلاقيًا وسياسيًا، حيث تُقدَّم الحرب بوصفها صراعًا وجوديًا، لكن هذا الخطاب نفسه يتصدع أمام حسابات المصالح داخل المعسكرات الداعمة. الزمن يتحول إلى مأزق، لا لأن الأطراف لا تستطيع الحسم فحسب، بل لأن كل محاولة لتسريعه تصطدم بمخاوف الانزلاق إلى مواجهة أوسع، وكل محاولة لإطالته تولّد ضغطًا داخليًا متزايدًا داخل أوروبا والولايات المتحدة. الطاقة تدخل كفاعل بنيوي، لكن ليس بوصفها أداة ضغط فقط، بل كعامل ارتباك يعيد تشكيل التحالفات نفسها. أما الخطاب، فينتج سرديات متماسكة ظاهريًا لكنها متناقضة عمليًا، فيما تقع النخب في فخ إدراكي مزدوج: المبالغة في تقدير القدرة على الاستمرار، والتقليل من كلفة التآكل. ومع ذلك، لا يمكن اختزال الحرب بالكامل داخل هذا الفخ، إذ تظهر لحظات اختراق تكتيكية أو تغيرات ميدانية توحي بإمكانية كسر النمط—لكنها سرعان ما تُعاد امتصاصها داخل البنية نفسها. وهنا تحديدًا يتجلى الفخّ لا كاستحالة مطلقة للحسم، بل كآلية تُعيد احتواء أي اقتراب منه.
وفي المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يظهر الفخّ المركّب بصيغة أكثر اضطرابًا مما يبدو. فالحرب لا تُخاض بالكامل، لكنها ليست معلقة بقدر ما هي موزعة على مستويات متداخلة. في البعد الأخلاقي، يُستخدم خطاب الردع والدفاع لتبرير التصعيد، لكن هذا الخطاب نفسه يتعايش مع إدراك ضمني لخطورة الانزلاق. الزمن لا يعمل كأداة ضغط فقط، بل كمساحة ارتباك، حيث تتحول المهلات إلى تعبير عن عجز القرار أكثر مما هي أدوات له. في البعد الطاقوي، يصبح مضيق هرمز نقطة اختناق، لكن التهديد باستخدامه الكامل يكشف حدود القدرة على استخدامه. الخطاب هنا لا يعكس التوازن، بل يخفي اختلاله، إذ تتجاور لغة التصعيد مع قنوات التهدئة دون أن تلغي إحداهما الأخرى. أما الإدراك، فيتجلى في انقسام داخل المؤسسات الأمريكية نفسها، حيث لا يوجد تصور موحد لطبيعة المواجهة أو نهايتها. وفي هذا التداخل، تتحول القوة إلى عبء مُدار: استخدامها الكامل مكلف، والامتناع عنها مكلف، وإدارتها لا تنهي المأزق بل تؤجله. ومع ذلك، تبقى هناك احتمالات انفلات لا يفسرها الفخ بالكامل، ما يذكّر بأن البنية ليست محكمة الإغلاق، بل تعيش على حافة اختلال دائم.
وفي هذا السياق تحديدًا، يبرز نمط تصعيدي لافت: التوسع في استخدام القوة التدميرية واستهداف البنى التحتية، وصولًا إلى مؤسسات مدنية ومعرفية ك الجامعات. غير أن هذا التحول لا يعكس اقتراب الحسم، بل يكشف العكس تمامًا. فحين تعجز أدوات الردع التقليدية عن إنتاج نتيجة حاسمة، تنتقل الحرب من استهداف القدرة العسكرية إلى استهداف شروط إنتاجها: المجتمع، الاقتصاد، المعرفة، والزمن نفسه. لكن هذا الانتقال، بدل أن يختصر الطريق إلى النهاية، يفتح أفقًا أطول للصراع، إذ يتحول التدمير من وسيلة للحسم إلى آلية لإعادة إنتاجه. وهنا تتجلى مفارقة الفخّ المركّب في أوضح صورها: كلما توسّع نطاق الأهداف، تراجعت إمكانية إنهاء الحرب، لأن الصراع لم يعد يدور حول من ينتصر، بل حول من يستطيع تحمّل الاستمرار .
أما في الحالة الفلسطينية، فيبلغ الفخّ المركّب ذروته، لكنه يكشف أيضًا حدوده. في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، لا يظهر الفخ فقط بوصفه تراكبًا للأبعاد، بل بوصفه انكشافًا لها. في البعد الأخلاقي، يُرفع سقف الحرب إلى مستوى مطلق، لكنه يتحول تدريجيًا إلى مصدر تآكل في الشرعية. الزمن يصبح استنزافًا مفتوحًا، لكن هذا الاستنزاف لا يعمل في اتجاه واحد، بل يعيد توزيع الكلفة بشكل غير متكافئ. الطاقة تدخل بشكل غير مباشر، عبر الاقتصاد والدعم الدولي، لكنها تبقى خلفية مؤثرة. الخطاب يبلغ أقصى تناقضاته، حيث تتسع الفجوة بين الرواية والواقع إلى حد يصعب احتواؤه. الإدراك هنا ليس فقط فخًا، بل ساحة صراع، حيث تتقاطع تقديرات القوة مع وقائع الصمود. وفي هذا الترابط، تنقلب المعادلة: التفوق العسكري لا ينتج نهاية، بل يعمّق الاستمرار. ومع ذلك، تظل هذه الحالة تحديدًا اختبارًا حرجًا للمفهوم، لأنها تكشف أن الفخّ لا يعمل فقط كآلية ضبط، بل كفضاء قد يتصدع تحت ضغط التناقض الأخلاقي والسياسي المتراكم—وهنا لا يُختبر الفخ فقط، بل يُحرج، لأن استمرار الصراع لا ينتج عن تماسك البنية بقدر ما يكشف حدودها.
بهذا المعنى، لا تعود هذه الحروب أمثلة على تعثر الصراعات، بل شواهد على نمط جديد منها—نمط لا يعمل ضمن منطق الانتصار والهزيمة، بل ضمن منطق الاستمرار المشروط. وإذا كان “الفخّ المركّب” يفسّر كيف تعيد الحروب إنتاج نفسها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي تغيّر في العالم بحيث أصبحت هذه البنية ممكنة، وربما ضرورية في الوقت نفسه؟
في التحليل الكلاسيكي، كان يُفترض أن الصراعات—حتى حين تطول—تنتهي بانتصار أو هزيمة أو إعادة توازن. أما اليوم، فنحن أمام نمط مختلف: الصراعات لا تُحسم، ولا تتوقف، ولا تتحول إلى استقرار، بل تستمر. ليس فقط لأن الأطراف عاجزة، بل لأن البيئة التي تعمل داخلها لم تعد تسمح بإنتاج نهاية دون كلفة تتجاوز القدرة على تحملها. لم يختفِ المركز فقط، بل اختفت الفكرة التي كانت تمنحه معناه: أن هناك نقطة يمكن عندها إغلاق الصراع. وهنا لا يعود “الفخّ” خاصية للصراع، بل أثرًا لبنية عالم فقد قدرته على الإغلاق—أو ربما لم يعد يرغب فيه بالشكل الذي كان عليه.
ضمن هذا التحول، لا تتغير موازين القوة فقط، بل يتغير معناها. فالقوة لم تعد أداة لإنهاء الصراع، ولا وسيلة لفرض نظام، بل أصبحت آلية لضبط الإيقاع وتأجيل الانفجار وإدارة التوتر. وهنا تظهر مفارقة غير مريحة: كلما تضخمت القوة، تراجعت قدرتها على الحسم. ليس لأنها ضعفت، بل لأنها تعمل داخل بيئة تجعل أي استخدام حاسم لها منتجًا لأزمات أكبر. بهذا المعنى، لم تفقد القوة فعاليتها فقط، بل فقدت قدرتها على تعريف ما إذا كانت الفاعلية ممكنة أصلًا.
ولا يقف التحول عند حدود القوة، بل يمتد إلى العلاقة بين الفعل ونتائجه. في النماذج التقليدية، كان الفعل يقود إلى نتيجة، والنتيجة تعيد تشكيل الواقع. أما في هذا النمط من الصراعات، فإن الفعل لا ينتهي عند نتائجه، بل ينفلت منها. كل خطوة تفتح مسارات غير متوقعة، وتُنتج تداعيات تتجاوز الفاعل، ثم تُعاد امتصاصها داخل بنية تعيد إنتاج الأزمة. أي أننا لم نعد أمام عالم تحكمه السببية، بل أمام عالم تحكمه التفاعلات. وفي مثل هذا العالم، لا يكون الفشل في الحسم استثناء، بل القاعدة—لكن ليس بالضرورة قاعدة نهائية.
غير أن قوة مفهوم “الفخّ المركّب” تفرض عليه اختبارًا مضادًا. فهل يمكن أن يتحول إلى تفسير كلي يفسّر كل شيء فيفقد دقته؟ وهل نحن أمام نمط تاريخي عابر، أم تحوّل بنيوي طويل الأمد؟ وهل يملك القدرة على تفسير أنماط مختلفة من الصراعات، أم أنه يرتبط بسياق محدد؟ بل أكثر من ذلك: هل يصف المفهوم الفخّ… أم يشارك، دون قصد، في تثبيته عبر تحويله إلى بنية مكتملة؟ هذه الأسئلة لا تُضعف المفهوم، بل تمنحه شرط بقائه، لأن أي إطار لا يُساءل يتحول من أداة تحليل إلى يقين مغلق.
وإذا كانت الحروب تعمل داخل بنية تعيد إنتاج نفسها، فإن السؤال التالي يصبح أكثر إرباكًا: هل يمكن الخروج منها؟ لا تبدو الإجابة تقنية. لا مزيد من القوة، ولا تحسين أدوات الإدارة، يكفيان. لأن المشكلة ليست في الأدوات، بل في القواعد التي تعمل داخلها. الخروج—إن كان ممكنًا—لا يكون عبر كسر أحد عناصر الفخّ، بل عبر تفكيك الترابط الذي يمنحه القدرة على العمل. لكن حتى هذا الطرح لا يخلو من مفارقة: قد لا يكون الخروج مستحيلًا، بل مكلفًا إلى حد يجعل النظام نفسه يفضّل الاستمرار على الانتهاء. وهل يمكن تفكيك البنية دون العمل داخلها؟ أم أن كل محاولة للخروج تعيد إنتاج شروط البقاء؟
في المحصلة، ما يتيحه هذا الاشتباك لا يقتصر على تطوير مفهوم، بل يفتح أفقًا أكثر عمقًا: لسنا فقط أمام حروب تفشل في الحسم، بل أمام عالم لم يعد يعرف كيف يُنتج نهاية—أو لم يعد يملك الشروط التي تجعل النهاية ممكنة كما كانت. وهنا يتحول السؤال من: كيف نخرج من الفخّ؟ إلى: هل نحن داخل صراعات معقّدة، أم داخل عالم أصبح—في بنيته—فخًا مفتوحًا؟ وفي هذا المستوى تحديدًا، لا يعود التحدي في تفسير ما يحدث، بل في القدرة على التفكير فيه دون أن نصبح جزءًا صامتًا من منطقه.
في الاشتباك الفكري الذي تفتحه الدكتورة غانية ملحيس حول مفهوم “الفخّ المركّب”، لا يتوقف الأمر عند تقديم إطار تفسيري للحروب المعاصرة، بل يتجاوز ذلك إلى لحظة أكثر حدة: لحظة يصبح فيها المفهوم نفسه موضوعًا للسؤال، لا أداة للإجابة. فحين يُدفع هذا الطرح إلى حدوده القصوى، لا يكشف فقط كيف تعمل الحروب، بل لماذا لم تعد قادرة على أن تنتهي. وهنا يبدأ الانزياح الحقيقي: من سؤال الصراع إلى سؤال العالم.
ما يقدّمه مفهوم “الفخّ المركّب” هو إعادة تعريف للحرب بوصفها نظام اشتغال، لا حدثًا. نظام تتداخل فيه الأبعاد الأخلاقية والزمنية والطاقوية والخطابية والإدراكية والبنيوية، لا بوصفها عناصر منفصلة، بل شبكة لا يعمل أي جزء منها خارج الآخر. وفي هذا المستوى، لا يعود الفشل في الحسم نتيجة خلل في الإدارة أو سوء تقدير، بل نتيجة منطق داخلي للصراع ذاته. فالحرب لا تتعثر لأنها أسيء إدارتها، بل لأنها تُدار ضمن بنية تجعل الحسم نفسه غير قابل للتحقق—وربما لم يعد هذا “الفشل” عرضًا، بل أصبح هو القاعدة التي يعمل النظام ضمنها.
غير أن هذا الطرح، في أقصى درجات تماسكه، لا يكتمل إلا إذا وُضع تحت اختبار الواقع. فحين ننظر إلى الحروب الجارية اليوم، لا بوصفها حالات منفصلة، بل كتجليات كثيفة لبنية واحدة، يبدأ “الفخّ المركّب” في الظهور لا كإطار تفسيري، بل كنظام يعمل فعليًا داخل كل حالة—لكن أيضًا، وربما على نحو مقلق، كنظام لا يفسّر كل شيء بالقدر نفسه، ما يفرض إبقاء مسافة نقدية منه حتى في لحظة استخدامه.
في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، لا يتجلى الفخّ في البعد العسكري فقط، بل في تراكب أبعاده كلها، وفي تناقضاته الداخلية كذلك. فالأهداف هنا متضخمة أخلاقيًا وسياسيًا، حيث تُقدَّم الحرب بوصفها صراعًا وجوديًا، لكن هذا الخطاب نفسه يتصدع أمام حسابات المصالح داخل المعسكرات الداعمة. الزمن يتحول إلى مأزق، لا لأن الأطراف لا تستطيع الحسم فحسب، بل لأن كل محاولة لتسريعه تصطدم بمخاوف الانزلاق إلى مواجهة أوسع، وكل محاولة لإطالته تولّد ضغطًا داخليًا متزايدًا داخل أوروبا والولايات المتحدة. الطاقة تدخل كفاعل بنيوي، لكن ليس بوصفها أداة ضغط فقط، بل كعامل ارتباك يعيد تشكيل التحالفات نفسها. أما الخطاب، فينتج سرديات متماسكة ظاهريًا لكنها متناقضة عمليًا، فيما تقع النخب في فخ إدراكي مزدوج: المبالغة في تقدير القدرة على الاستمرار، والتقليل من كلفة التآكل. ومع ذلك، لا يمكن اختزال الحرب بالكامل داخل هذا الفخ، إذ تظهر لحظات اختراق تكتيكية أو تغيرات ميدانية توحي بإمكانية كسر النمط—لكنها سرعان ما تُعاد امتصاصها داخل البنية نفسها. وهنا تحديدًا يتجلى الفخّ لا كاستحالة مطلقة للحسم، بل كآلية تُعيد احتواء أي اقتراب منه.
وفي المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يظهر الفخّ المركّب بصيغة أكثر اضطرابًا مما يبدو. فالحرب لا تُخاض بالكامل، لكنها ليست معلقة بقدر ما هي موزعة على مستويات متداخلة. في البعد الأخلاقي، يُستخدم خطاب الردع والدفاع لتبرير التصعيد، لكن هذا الخطاب نفسه يتعايش مع إدراك ضمني لخطورة الانزلاق. الزمن لا يعمل كأداة ضغط فقط، بل كمساحة ارتباك، حيث تتحول المهلات إلى تعبير عن عجز القرار أكثر مما هي أدوات له. في البعد الطاقوي، يصبح مضيق هرمز نقطة اختناق، لكن التهديد باستخدامه الكامل يكشف حدود القدرة على استخدامه. الخطاب هنا لا يعكس التوازن، بل يخفي اختلاله، إذ تتجاور لغة التصعيد مع قنوات التهدئة دون أن تلغي إحداهما الأخرى. أما الإدراك، فيتجلى في انقسام داخل المؤسسات الأمريكية نفسها، حيث لا يوجد تصور موحد لطبيعة المواجهة أو نهايتها. وفي هذا التداخل، تتحول القوة إلى عبء مُدار: استخدامها الكامل مكلف، والامتناع عنها مكلف، وإدارتها لا تنهي المأزق بل تؤجله. ومع ذلك، تبقى هناك احتمالات انفلات لا يفسرها الفخ بالكامل، ما يذكّر بأن البنية ليست محكمة الإغلاق، بل تعيش على حافة اختلال دائم.
وفي هذا السياق تحديدًا، يبرز نمط تصعيدي لافت: التوسع في استخدام القوة التدميرية واستهداف البنى التحتية، وصولًا إلى مؤسسات مدنية ومعرفية ك الجامعات. غير أن هذا التحول لا يعكس اقتراب الحسم، بل يكشف العكس تمامًا. فحين تعجز أدوات الردع التقليدية عن إنتاج نتيجة حاسمة، تنتقل الحرب من استهداف القدرة العسكرية إلى استهداف شروط إنتاجها: المجتمع، الاقتصاد، المعرفة، والزمن نفسه. لكن هذا الانتقال، بدل أن يختصر الطريق إلى النهاية، يفتح أفقًا أطول للصراع، إذ يتحول التدمير من وسيلة للحسم إلى آلية لإعادة إنتاجه. وهنا تتجلى مفارقة الفخّ المركّب في أوضح صورها: كلما توسّع نطاق الأهداف، تراجعت إمكانية إنهاء الحرب، لأن الصراع لم يعد يدور حول من ينتصر، بل حول من يستطيع تحمّل الاستمرار .
أما في الحالة الفلسطينية، فيبلغ الفخّ المركّب ذروته، لكنه يكشف أيضًا حدوده. في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، لا يظهر الفخ فقط بوصفه تراكبًا للأبعاد، بل بوصفه انكشافًا لها. في البعد الأخلاقي، يُرفع سقف الحرب إلى مستوى مطلق، لكنه يتحول تدريجيًا إلى مصدر تآكل في الشرعية. الزمن يصبح استنزافًا مفتوحًا، لكن هذا الاستنزاف لا يعمل في اتجاه واحد، بل يعيد توزيع الكلفة بشكل غير متكافئ. الطاقة تدخل بشكل غير مباشر، عبر الاقتصاد والدعم الدولي، لكنها تبقى خلفية مؤثرة. الخطاب يبلغ أقصى تناقضاته، حيث تتسع الفجوة بين الرواية والواقع إلى حد يصعب احتواؤه. الإدراك هنا ليس فقط فخًا، بل ساحة صراع، حيث تتقاطع تقديرات القوة مع وقائع الصمود. وفي هذا الترابط، تنقلب المعادلة: التفوق العسكري لا ينتج نهاية، بل يعمّق الاستمرار. ومع ذلك، تظل هذه الحالة تحديدًا اختبارًا حرجًا للمفهوم، لأنها تكشف أن الفخّ لا يعمل فقط كآلية ضبط، بل كفضاء قد يتصدع تحت ضغط التناقض الأخلاقي والسياسي المتراكم—وهنا لا يُختبر الفخ فقط، بل يُحرج، لأن استمرار الصراع لا ينتج عن تماسك البنية بقدر ما يكشف حدودها.
بهذا المعنى، لا تعود هذه الحروب أمثلة على تعثر الصراعات، بل شواهد على نمط جديد منها—نمط لا يعمل ضمن منطق الانتصار والهزيمة، بل ضمن منطق الاستمرار المشروط. وإذا كان “الفخّ المركّب” يفسّر كيف تعيد الحروب إنتاج نفسها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي تغيّر في العالم بحيث أصبحت هذه البنية ممكنة، وربما ضرورية في الوقت نفسه؟
في التحليل الكلاسيكي، كان يُفترض أن الصراعات—حتى حين تطول—تنتهي بانتصار أو هزيمة أو إعادة توازن. أما اليوم، فنحن أمام نمط مختلف: الصراعات لا تُحسم، ولا تتوقف، ولا تتحول إلى استقرار، بل تستمر. ليس فقط لأن الأطراف عاجزة، بل لأن البيئة التي تعمل داخلها لم تعد تسمح بإنتاج نهاية دون كلفة تتجاوز القدرة على تحملها. لم يختفِ المركز فقط، بل اختفت الفكرة التي كانت تمنحه معناه: أن هناك نقطة يمكن عندها إغلاق الصراع. وهنا لا يعود “الفخّ” خاصية للصراع، بل أثرًا لبنية عالم فقد قدرته على الإغلاق—أو ربما لم يعد يرغب فيه بالشكل الذي كان عليه.
ضمن هذا التحول، لا تتغير موازين القوة فقط، بل يتغير معناها. فالقوة لم تعد أداة لإنهاء الصراع، ولا وسيلة لفرض نظام، بل أصبحت آلية لضبط الإيقاع وتأجيل الانفجار وإدارة التوتر. وهنا تظهر مفارقة غير مريحة: كلما تضخمت القوة، تراجعت قدرتها على الحسم. ليس لأنها ضعفت، بل لأنها تعمل داخل بيئة تجعل أي استخدام حاسم لها منتجًا لأزمات أكبر. بهذا المعنى، لم تفقد القوة فعاليتها فقط، بل فقدت قدرتها على تعريف ما إذا كانت الفاعلية ممكنة أصلًا.
ولا يقف التحول عند حدود القوة، بل يمتد إلى العلاقة بين الفعل ونتائجه. في النماذج التقليدية، كان الفعل يقود إلى نتيجة، والنتيجة تعيد تشكيل الواقع. أما في هذا النمط من الصراعات، فإن الفعل لا ينتهي عند نتائجه، بل ينفلت منها. كل خطوة تفتح مسارات غير متوقعة، وتُنتج تداعيات تتجاوز الفاعل، ثم تُعاد امتصاصها داخل بنية تعيد إنتاج الأزمة. أي أننا لم نعد أمام عالم تحكمه السببية، بل أمام عالم تحكمه التفاعلات. وفي مثل هذا العالم، لا يكون الفشل في الحسم استثناء، بل القاعدة—لكن ليس بالضرورة قاعدة نهائية.
غير أن قوة مفهوم “الفخّ المركّب” تفرض عليه اختبارًا مضادًا. فهل يمكن أن يتحول إلى تفسير كلي يفسّر كل شيء فيفقد دقته؟ وهل نحن أمام نمط تاريخي عابر، أم تحوّل بنيوي طويل الأمد؟ وهل يملك القدرة على تفسير أنماط مختلفة من الصراعات، أم أنه يرتبط بسياق محدد؟ بل أكثر من ذلك: هل يصف المفهوم الفخّ… أم يشارك، دون قصد، في تثبيته عبر تحويله إلى بنية مكتملة؟ هذه الأسئلة لا تُضعف المفهوم، بل تمنحه شرط بقائه، لأن أي إطار لا يُساءل يتحول من أداة تحليل إلى يقين مغلق.
وإذا كانت الحروب تعمل داخل بنية تعيد إنتاج نفسها، فإن السؤال التالي يصبح أكثر إرباكًا: هل يمكن الخروج منها؟ لا تبدو الإجابة تقنية. لا مزيد من القوة، ولا تحسين أدوات الإدارة، يكفيان. لأن المشكلة ليست في الأدوات، بل في القواعد التي تعمل داخلها. الخروج—إن كان ممكنًا—لا يكون عبر كسر أحد عناصر الفخّ، بل عبر تفكيك الترابط الذي يمنحه القدرة على العمل. لكن حتى هذا الطرح لا يخلو من مفارقة: قد لا يكون الخروج مستحيلًا، بل مكلفًا إلى حد يجعل النظام نفسه يفضّل الاستمرار على الانتهاء. وهل يمكن تفكيك البنية دون العمل داخلها؟ أم أن كل محاولة للخروج تعيد إنتاج شروط البقاء؟
في المحصلة، ما يتيحه هذا الاشتباك لا يقتصر على تطوير مفهوم، بل يفتح أفقًا أكثر عمقًا: لسنا فقط أمام حروب تفشل في الحسم، بل أمام عالم لم يعد يعرف كيف يُنتج نهاية—أو لم يعد يملك الشروط التي تجعل النهاية ممكنة كما كانت. وهنا يتحول السؤال من: كيف نخرج من الفخّ؟ إلى: هل نحن داخل صراعات معقّدة، أم داخل عالم أصبح—في بنيته—فخًا مفتوحًا؟ وفي هذا المستوى تحديدًا، لا يعود التحدي في تفسير ما يحدث، بل في القدرة على التفكير فيه دون أن نصبح جزءًا صامتًا من منطقه.