"كم من عابدٍ قطع الفيافي بحثًا عن ربّه، فلما واجه حقيقة نفسه؛ احترق جناحاه وصار طيرًا غريبًا ينشدُ وطنًا ليس من تراب".
_فريد الدين العطّار
(١)
جميع أهل القرية يؤمنون أنه من أولياء الله الصالحين، لم يروه قط في مشهد زور، أو مصافحا لامرأة، أو مشاركا في مجلس نميمة، وحين يبدأ قرع الطبول، يهرع إليها الجميع، ينفضون عن محالهم ذاهبين إلى الحفل، رجالٌ ونساءٌ وأطفال، ما عدا حاج حمد.
حاج حمد، ذلك الرجل الوحيد الّذي لا ابن له، لديه فقط تسع من الإناث؛ وكان حديث القرية لسنوات طويلة؛ في كلّ مرّة ينتشر خبر حمل زوجته ساق النخيل. والتي لا يعرف اسمها الحقيقي أحد، ولم يتساءل أحد عن اسمها، حتّى تبدّد من ذاكرة القرية، وثبتت ساق النّخيل.. وحدها.
تجلس ساق النخيل أمام زوجها حاج حمد، ببطنٍ تنذر بقرب الولادة، وبينما تتنفس بصعوبة، تُحاول أن تقطع ذهنه الشّارد، وسفره الطويل فيما هو قادم.
تباغته قائلة: أزارك الشّك في زرعك؟
أم ندمت على دعوتك القديمة؟
يرفع رأسه نحوها، ثمّ يحتاج أن يرفعه أكثر، يصل إلى وجهته، ثم لا يبرحهها، تعيده الذاكرة، إلىٰ تساؤله الدائم، كيف أنّ الزّمن يصبغ على الأشياء أثره، فأرضه الكبيرة تتمدد، تمتلىء بالزرع بعد أن كانت بورا، أسلافه ينقصون، يشيّع أجداده، ثمّ أعمامه، جنازةً تلو الأخرىٰ، إلىٰ مثواهم الأخير، علىٰ الضفة الأخرىٰ من النيل، يرىٰ نخيله على عكس أسلافه، في تكاثر دائم، وحماره الأخضر مربوط إلى النخيل مستظلًا تحته، هادئًا خلاف عادته في الصغر، لربما الحزن الكبير الّذي تركته الأم بعد وفاتها، أو إدراكه ثقل المسؤولية، وهل تدرك الحمير؟
كلّ الأشياء حوله زارها الزّمن إلَّا ساق النّخيل، بعينيها الواسعتين، تشعر بدفئهما، ترىٰ في انعكاسهما بياضًا ناصعًا؛ تحسبهما سكنًا للملائكة، بقوامها تُحجب عنك ضوء النّهار، تظلك كسحابة، تتبخّر الهموم من ملامحك، تشتدُّ تجاعيد وجهك، تتطاير أفعال الشعوذة من بدنك، عندما تصادفك، تحتفلُ احتفالًا خاصًا مع نفسك، على الأقل لن يزورك البؤس لأيّام قادمة.
ينظر إليها حاج حمد، يرتبك من جمالها، كأنّه يراها لأوّل مرّة قبل ثلاثة عشر عامًا، تتبدد من مخيلته كلّ الأسئلة، إلّا سؤالًا واحدًا، كيف تكبر ساق النخيل دون جسدها؟!
مرّت لحظات، تنتظر إجابته، يفصل بينهما السّكون، يتوه حاج حمد في عينيها الواسعتين، ولا يدري أنّ أسئلةً قد خرجت من شفتيها المكتنزتين. تعاوده بأسئلتها مرَّةً أخرى، لماذا تزورك الهموم عندما يرزقنا الله بحمل؟
هل ندمت على دعوتك القديمة، أنّك لأ تريد إلّا أن تنجب بناتًا فقط؟
يقترب منها، يريد أن يمدّ يده على شعرها، وأن يقتل المسافة الَّتي بينهما، لكن هذا لا يحدث في وضح النهار، ولا يجوز في القرية إطلاقًا. يتراجع خطوة، خشية أن يراه أحد، يعود إلىٰ رشده من فتنة جمالها، يقطع صمته، يبدأ في الحديث: ليس كما تعتقدين، لكن النّاس يا ساق النّخيل، كلّ المجالس تتحدّث عنّا، تنتظر أن تضعي حملك، تبدأ في المزايدات والرهان، وأنا تقتلني الغيرة.
(٢)
تحت وهج الشمس المحرق، والصيف قد بلغ منازل الهنعة والخرتان*، العرق قد بلّل ملابسه حتّى ثقلت على جسده النحيل، يتقطر من تحت طاقيته، ثمّ ينسكب على لحيته الرّثة، حينها يكون قد بلغ الصبر أعلى أنفه. يركب حاج حمد حماره الأخضر متجهًا نحو مزرعته، يشعر أنّ الفناء قد انعدم من الهواء، ساكنًا لا حركة له، الصمت يحاوطه إلّا من صوت خَبَبِ حماره.
يفكّر في ساق النّخيل، ببطنها الّتي كادت أن تزلق حملها، تختلط عليه المشاعر بين الأمل والقلق، يخشىٰ ما يحدث دائمًا، حديث القرية في كلّ مرّة تضع فيها ساق النّخيل أنثىٰ، تحاوطه الأفكار الّتي يحاول أن يهرب منها، يزوره الشّك وحديث الشّيطان: لماذا أنا الرجل الوحيد الّذي لم ينجب ذكرًا بعد تسع بطون؟ هذا الصوت الّذي يحاول على الدّوام كبته، هذه المرّة طفح حتّى بلغ شفتيه، تخرج ذبذبات تسمعها أذنيه، يلطم وجهه؛ عسى أن تبلغ نفسه رشدها، يذكّرها أنّه ولي الله في هذه القرية.
تتراكم الأيّام على كتفيه، تأكل من ملامحه المبهجة، تضيق عليه قريته، تلك القرية الّتي تشهد له بمواقفه وحكمته، ولكم كانت ستزيد تعاستها بدونه.
يريد أن يبوح، أن يشارك مخاوفه، يبحث حوله ولا يجد غير حبيبات الرمل الّتي تملأ الفناء، مبلّلة كأنّ من بين مساماتها ينساب عرق الأرض.
الكلمات تتراكم في فمه، لا تجد أذنًا تضمها، يشعر وكأنّ بلعومه ينفجر.
يعاوده الصوت مجدّدًا: أنّك ولي الله، وأولياء الله لا يشتكون.
بينما هو يسير على حماره نحو مزرعته، الشمس وقتها قد بلغت كبد السّماء، لا صوت غير طنين الصيف، من بعيد تتسرّب أصوات يحملها صدىٰ الفناء، تصل لأذنيه ساخنةً، صافيةً دون شوائب، يسمع اسم زوجته ساق النخيل بقلبه، تتصدر المجلس، يتناولون قصة إنجابها للإناث على الدوام.
يسير بخطوات متثاقلة تاركًا حماره، يحاول أن يرفع قدميه ولا يقدر، يشعر كأنَّ كلّ جاذبية الكون تمركزت تحتهما، يحمل في قلبه رجفة الوصول، شعر كأنَّ الزّمن تجمّد، وانعدمت رياح الفناء.. وجد حكاية زوجته ليِّنة في شفاههم، شُلَّتْ ألسنتهم حين رأوا عينيه تتشظىٰ غضبًا.
بعصاه المصنوعة من أعواد الشجر، المكسية بجلد الأفعى، فقد السيطرة على أعصابه، كلّ عضلاته مشدودة تكاد أن تتمزّق، تعرّق حتّى كاد أن يُجفَّ الماء من جسمه، لحسن حظهم ضلّتْ عصاه الطريق، لم تسقط أرضًا بل ارتمت على الزير*، حتى أصبح أشلاء، تطايرت ماؤه على أجسادهم؛ عسىٰ أن تغسل الخيبة من ملامحهم. بصوتٍ متحشرجٍ نادىٰ فيهم: " أتتناولون ساق النخيل على ألسنتكم؟! أانعدمت الرجولة فيكم؟ ماذا تركتم للنساء ومجالسهن حين تتناولون امرأة توضع؟ أتحسبون البنت نقمة؟ إنّها هبة الرّحمن، زهرة تتفتّح في صحراء العمر. أحقًّا ترون في الذكور امتدادًا، وفي الإناثِ انقطاعًا؟! والله ما ضاق صدري من البنات بقدر ما ضاق من انعدام رجولتكم." ثمّ انخفض صوته، بالكاد يصل أذنيه: ليتكم تدركون أنِّي حين أراهُنَّ أرىٰ نورًا يُبدِّدُ ظلام أيَّامي، بساتينًا تتفتّح في قفر حياتي، سندًا لشيخوختي، وملاذًا من وحشة الأيَّام.
مضىٰ مبتعدًا، يطوي الأرضَ بخطاه، يجرُّ وراءه جدارًا من الكبرياء، تركهم يتقاذفون بنظراتٍ خجلى.
(٣)
لم يزره الشّك قط كما يسكنه في تلك اللحظة، يشعر بأنّ ذاكرته الأبدية تتلاشىٰ منها كلماته الخالدة، وأمنيته الدائمة عن البنات، يجد كلّ شيء يتآمر ضدّه، أهل قريته وحديثهم الأبدي عن إنجابه للإناث، حتّى ذاكرته بدأت تخونه، تمسح حديث أنّه ولي الله، وتزرع فيه الشّك فيما أتّاه الله من بنات.
ترجّل حاج حمد عن حماره الأخضر عند باب الدار، يمني نفسهُ ببشرى تكسر نصل السيوف الّتي استلّتها ألسنة القوم، لكن السّكون الّذي استقبله عند العتبة كان أثقل من ضجيج معركة. لم يجد الزغاريد* الّتي تشرخ صمت الفناء، كانت الدّار غارقة في صمتٍ مريب، يشبه الّذي يلفّ البيوت حين يخرج منها النعش ولا يعود. دخل الحوش فوجد نساء القرية ملتحفاتٍ بسوادهنّ، يجلسن بوجوه مطرقة نحو الأرض، يتبادلن نظرات باهتة كأنّهنّ في مأتم لا ينقصه إلّا صراخ المعزيات.
جرىٰ حافيًّا نحو غرفة ساق النخيل رُغم ألم المفاصل المزمن، وانحناءة ظهره، لم يقف إلّا عند رأس ساق النخيل، وجدها بوجهٍ شاحب، لم تكُ تنظر إليه، كانت تشعر بالخيانة نحوه، وأنّ البنات زادن من احدوداب ظهره.
كانت تقبع ثلاث كُتل من ثور؛ ثلاث بنات، ملفوفاتٍ في خرقٍ بيضاء متسقة، جئن معًا كأنّما ليؤكّدن للقرية بأنّ رحم "ساق النخيل" هو حقلٌ لا يخرج منه إلّا الياسمين، حتّى وإن كان القوم يفضلون عليه الشّوك.
لم يتحمّل حاج حمد المشهد، ضرب السرير بعصاه، تجرّد من صفة ولي الله، لم يألفه أحد بهذا العنف قط، فكيف له أن يغضب أمام بناته اللاتي لم يتجاوزن السويعات، وساق النخيل الّتي لطالما كان يقبّلها بين عينيها.
ارتجفت ساق النخيل من ضربته للسرير خوفًا، حتّى غارت قدماها في الأرض وتحوّلت إلىٰ نخلة عملاقة تضرب بجذورها في أعماق النيل. أمّا البنات الثلاث من كثرة البكاء تحوّلن إلى ثلاث أعين تسكب الدموع، حتّى صارن بركة ماء يحاوطن ساق النخيل كما أنّهنّ عينٌ من نهر النيل.
شعر حاج حمد ببرودةٍ تسري في أطرافه النحيلة، وحكّة غريبة تحت جلده الأسمر، بدأت يده تنكمش وتتغطى بريشٍ أسود، فبرز من وجهه منقار صغير معقوف. كأنّه غراب، طار بيعدًا عن فناء القرية.
بقيت "ساق النخيل" نخلة لا تموت، تطعم الجياع، وتذكّر القرية أنّ الأنثى هي أصل الحياة وثبات الأرض.
____________
الهنعة والخرتان:
منازل فلكية، وهي تقويم شعبي يعتمده المزارعون والرعاة في السودان لمعرفة تقلبات الفصول.
الزير:
هو إناءٌ فخاري كبير الحجم ومخروطي الشكل يصنع من الطين المحروق، يستخدم لتبريد وتنقية مياه الشرب.
الزغاريد:
هي صوت حاد ومستمر تصدره النساء بتحريك الألسن والحنجرة، وهي تعبير شعبي عن الفرح والانتصار.
-----------------------------
* القصة الفائزة بالمركز الأوّل، في مسابقة القصة القصيرة، الّتي نظّمها {ملتقىٰ الإبداع العربي}، دورة الأديب نهاد عبد جودة، الموسم الرابع | العراق. فبراير ٢٠٢٦م
_فريد الدين العطّار
(١)
جميع أهل القرية يؤمنون أنه من أولياء الله الصالحين، لم يروه قط في مشهد زور، أو مصافحا لامرأة، أو مشاركا في مجلس نميمة، وحين يبدأ قرع الطبول، يهرع إليها الجميع، ينفضون عن محالهم ذاهبين إلى الحفل، رجالٌ ونساءٌ وأطفال، ما عدا حاج حمد.
حاج حمد، ذلك الرجل الوحيد الّذي لا ابن له، لديه فقط تسع من الإناث؛ وكان حديث القرية لسنوات طويلة؛ في كلّ مرّة ينتشر خبر حمل زوجته ساق النخيل. والتي لا يعرف اسمها الحقيقي أحد، ولم يتساءل أحد عن اسمها، حتّى تبدّد من ذاكرة القرية، وثبتت ساق النّخيل.. وحدها.
تجلس ساق النخيل أمام زوجها حاج حمد، ببطنٍ تنذر بقرب الولادة، وبينما تتنفس بصعوبة، تُحاول أن تقطع ذهنه الشّارد، وسفره الطويل فيما هو قادم.
تباغته قائلة: أزارك الشّك في زرعك؟
أم ندمت على دعوتك القديمة؟
يرفع رأسه نحوها، ثمّ يحتاج أن يرفعه أكثر، يصل إلى وجهته، ثم لا يبرحهها، تعيده الذاكرة، إلىٰ تساؤله الدائم، كيف أنّ الزّمن يصبغ على الأشياء أثره، فأرضه الكبيرة تتمدد، تمتلىء بالزرع بعد أن كانت بورا، أسلافه ينقصون، يشيّع أجداده، ثمّ أعمامه، جنازةً تلو الأخرىٰ، إلىٰ مثواهم الأخير، علىٰ الضفة الأخرىٰ من النيل، يرىٰ نخيله على عكس أسلافه، في تكاثر دائم، وحماره الأخضر مربوط إلى النخيل مستظلًا تحته، هادئًا خلاف عادته في الصغر، لربما الحزن الكبير الّذي تركته الأم بعد وفاتها، أو إدراكه ثقل المسؤولية، وهل تدرك الحمير؟
كلّ الأشياء حوله زارها الزّمن إلَّا ساق النّخيل، بعينيها الواسعتين، تشعر بدفئهما، ترىٰ في انعكاسهما بياضًا ناصعًا؛ تحسبهما سكنًا للملائكة، بقوامها تُحجب عنك ضوء النّهار، تظلك كسحابة، تتبخّر الهموم من ملامحك، تشتدُّ تجاعيد وجهك، تتطاير أفعال الشعوذة من بدنك، عندما تصادفك، تحتفلُ احتفالًا خاصًا مع نفسك، على الأقل لن يزورك البؤس لأيّام قادمة.
ينظر إليها حاج حمد، يرتبك من جمالها، كأنّه يراها لأوّل مرّة قبل ثلاثة عشر عامًا، تتبدد من مخيلته كلّ الأسئلة، إلّا سؤالًا واحدًا، كيف تكبر ساق النخيل دون جسدها؟!
مرّت لحظات، تنتظر إجابته، يفصل بينهما السّكون، يتوه حاج حمد في عينيها الواسعتين، ولا يدري أنّ أسئلةً قد خرجت من شفتيها المكتنزتين. تعاوده بأسئلتها مرَّةً أخرى، لماذا تزورك الهموم عندما يرزقنا الله بحمل؟
هل ندمت على دعوتك القديمة، أنّك لأ تريد إلّا أن تنجب بناتًا فقط؟
يقترب منها، يريد أن يمدّ يده على شعرها، وأن يقتل المسافة الَّتي بينهما، لكن هذا لا يحدث في وضح النهار، ولا يجوز في القرية إطلاقًا. يتراجع خطوة، خشية أن يراه أحد، يعود إلىٰ رشده من فتنة جمالها، يقطع صمته، يبدأ في الحديث: ليس كما تعتقدين، لكن النّاس يا ساق النّخيل، كلّ المجالس تتحدّث عنّا، تنتظر أن تضعي حملك، تبدأ في المزايدات والرهان، وأنا تقتلني الغيرة.
(٢)
تحت وهج الشمس المحرق، والصيف قد بلغ منازل الهنعة والخرتان*، العرق قد بلّل ملابسه حتّى ثقلت على جسده النحيل، يتقطر من تحت طاقيته، ثمّ ينسكب على لحيته الرّثة، حينها يكون قد بلغ الصبر أعلى أنفه. يركب حاج حمد حماره الأخضر متجهًا نحو مزرعته، يشعر أنّ الفناء قد انعدم من الهواء، ساكنًا لا حركة له، الصمت يحاوطه إلّا من صوت خَبَبِ حماره.
يفكّر في ساق النّخيل، ببطنها الّتي كادت أن تزلق حملها، تختلط عليه المشاعر بين الأمل والقلق، يخشىٰ ما يحدث دائمًا، حديث القرية في كلّ مرّة تضع فيها ساق النّخيل أنثىٰ، تحاوطه الأفكار الّتي يحاول أن يهرب منها، يزوره الشّك وحديث الشّيطان: لماذا أنا الرجل الوحيد الّذي لم ينجب ذكرًا بعد تسع بطون؟ هذا الصوت الّذي يحاول على الدّوام كبته، هذه المرّة طفح حتّى بلغ شفتيه، تخرج ذبذبات تسمعها أذنيه، يلطم وجهه؛ عسى أن تبلغ نفسه رشدها، يذكّرها أنّه ولي الله في هذه القرية.
تتراكم الأيّام على كتفيه، تأكل من ملامحه المبهجة، تضيق عليه قريته، تلك القرية الّتي تشهد له بمواقفه وحكمته، ولكم كانت ستزيد تعاستها بدونه.
يريد أن يبوح، أن يشارك مخاوفه، يبحث حوله ولا يجد غير حبيبات الرمل الّتي تملأ الفناء، مبلّلة كأنّ من بين مساماتها ينساب عرق الأرض.
الكلمات تتراكم في فمه، لا تجد أذنًا تضمها، يشعر وكأنّ بلعومه ينفجر.
يعاوده الصوت مجدّدًا: أنّك ولي الله، وأولياء الله لا يشتكون.
بينما هو يسير على حماره نحو مزرعته، الشمس وقتها قد بلغت كبد السّماء، لا صوت غير طنين الصيف، من بعيد تتسرّب أصوات يحملها صدىٰ الفناء، تصل لأذنيه ساخنةً، صافيةً دون شوائب، يسمع اسم زوجته ساق النخيل بقلبه، تتصدر المجلس، يتناولون قصة إنجابها للإناث على الدوام.
يسير بخطوات متثاقلة تاركًا حماره، يحاول أن يرفع قدميه ولا يقدر، يشعر كأنَّ كلّ جاذبية الكون تمركزت تحتهما، يحمل في قلبه رجفة الوصول، شعر كأنَّ الزّمن تجمّد، وانعدمت رياح الفناء.. وجد حكاية زوجته ليِّنة في شفاههم، شُلَّتْ ألسنتهم حين رأوا عينيه تتشظىٰ غضبًا.
بعصاه المصنوعة من أعواد الشجر، المكسية بجلد الأفعى، فقد السيطرة على أعصابه، كلّ عضلاته مشدودة تكاد أن تتمزّق، تعرّق حتّى كاد أن يُجفَّ الماء من جسمه، لحسن حظهم ضلّتْ عصاه الطريق، لم تسقط أرضًا بل ارتمت على الزير*، حتى أصبح أشلاء، تطايرت ماؤه على أجسادهم؛ عسىٰ أن تغسل الخيبة من ملامحهم. بصوتٍ متحشرجٍ نادىٰ فيهم: " أتتناولون ساق النخيل على ألسنتكم؟! أانعدمت الرجولة فيكم؟ ماذا تركتم للنساء ومجالسهن حين تتناولون امرأة توضع؟ أتحسبون البنت نقمة؟ إنّها هبة الرّحمن، زهرة تتفتّح في صحراء العمر. أحقًّا ترون في الذكور امتدادًا، وفي الإناثِ انقطاعًا؟! والله ما ضاق صدري من البنات بقدر ما ضاق من انعدام رجولتكم." ثمّ انخفض صوته، بالكاد يصل أذنيه: ليتكم تدركون أنِّي حين أراهُنَّ أرىٰ نورًا يُبدِّدُ ظلام أيَّامي، بساتينًا تتفتّح في قفر حياتي، سندًا لشيخوختي، وملاذًا من وحشة الأيَّام.
مضىٰ مبتعدًا، يطوي الأرضَ بخطاه، يجرُّ وراءه جدارًا من الكبرياء، تركهم يتقاذفون بنظراتٍ خجلى.
(٣)
لم يزره الشّك قط كما يسكنه في تلك اللحظة، يشعر بأنّ ذاكرته الأبدية تتلاشىٰ منها كلماته الخالدة، وأمنيته الدائمة عن البنات، يجد كلّ شيء يتآمر ضدّه، أهل قريته وحديثهم الأبدي عن إنجابه للإناث، حتّى ذاكرته بدأت تخونه، تمسح حديث أنّه ولي الله، وتزرع فيه الشّك فيما أتّاه الله من بنات.
ترجّل حاج حمد عن حماره الأخضر عند باب الدار، يمني نفسهُ ببشرى تكسر نصل السيوف الّتي استلّتها ألسنة القوم، لكن السّكون الّذي استقبله عند العتبة كان أثقل من ضجيج معركة. لم يجد الزغاريد* الّتي تشرخ صمت الفناء، كانت الدّار غارقة في صمتٍ مريب، يشبه الّذي يلفّ البيوت حين يخرج منها النعش ولا يعود. دخل الحوش فوجد نساء القرية ملتحفاتٍ بسوادهنّ، يجلسن بوجوه مطرقة نحو الأرض، يتبادلن نظرات باهتة كأنّهنّ في مأتم لا ينقصه إلّا صراخ المعزيات.
جرىٰ حافيًّا نحو غرفة ساق النخيل رُغم ألم المفاصل المزمن، وانحناءة ظهره، لم يقف إلّا عند رأس ساق النخيل، وجدها بوجهٍ شاحب، لم تكُ تنظر إليه، كانت تشعر بالخيانة نحوه، وأنّ البنات زادن من احدوداب ظهره.
كانت تقبع ثلاث كُتل من ثور؛ ثلاث بنات، ملفوفاتٍ في خرقٍ بيضاء متسقة، جئن معًا كأنّما ليؤكّدن للقرية بأنّ رحم "ساق النخيل" هو حقلٌ لا يخرج منه إلّا الياسمين، حتّى وإن كان القوم يفضلون عليه الشّوك.
لم يتحمّل حاج حمد المشهد، ضرب السرير بعصاه، تجرّد من صفة ولي الله، لم يألفه أحد بهذا العنف قط، فكيف له أن يغضب أمام بناته اللاتي لم يتجاوزن السويعات، وساق النخيل الّتي لطالما كان يقبّلها بين عينيها.
ارتجفت ساق النخيل من ضربته للسرير خوفًا، حتّى غارت قدماها في الأرض وتحوّلت إلىٰ نخلة عملاقة تضرب بجذورها في أعماق النيل. أمّا البنات الثلاث من كثرة البكاء تحوّلن إلى ثلاث أعين تسكب الدموع، حتّى صارن بركة ماء يحاوطن ساق النخيل كما أنّهنّ عينٌ من نهر النيل.
شعر حاج حمد ببرودةٍ تسري في أطرافه النحيلة، وحكّة غريبة تحت جلده الأسمر، بدأت يده تنكمش وتتغطى بريشٍ أسود، فبرز من وجهه منقار صغير معقوف. كأنّه غراب، طار بيعدًا عن فناء القرية.
بقيت "ساق النخيل" نخلة لا تموت، تطعم الجياع، وتذكّر القرية أنّ الأنثى هي أصل الحياة وثبات الأرض.
____________
الهنعة والخرتان:
منازل فلكية، وهي تقويم شعبي يعتمده المزارعون والرعاة في السودان لمعرفة تقلبات الفصول.
الزير:
هو إناءٌ فخاري كبير الحجم ومخروطي الشكل يصنع من الطين المحروق، يستخدم لتبريد وتنقية مياه الشرب.
الزغاريد:
هي صوت حاد ومستمر تصدره النساء بتحريك الألسن والحنجرة، وهي تعبير شعبي عن الفرح والانتصار.
-----------------------------
* القصة الفائزة بالمركز الأوّل، في مسابقة القصة القصيرة، الّتي نظّمها {ملتقىٰ الإبداع العربي}، دورة الأديب نهاد عبد جودة، الموسم الرابع | العراق. فبراير ٢٠٢٦م