عبدالله إبراهيم - بورخيس العابر دائمًا وأبدًا

بعدَ أن فرغتُ من قراءة معظم أعمال بورخيس السردية، وبعض كتبه الأخرى ومقالاته، وكتبتُ عنه فصلًا طويلًا في كتابي (عين الشمس، صدر في بيروت، ٢٠١٨)، ثم ظهر لوحده في كتاب بعنوان «وارث العمى» عكفتُ على قراءة سيرته الذاتية. وهي ليست سيرةً مستوفيةً لشروط نوعها، بل (هوامش سيرة) صدرت بالعربية في عام ٢٠٢٠ بترجمة سنان أنطون، عن أصلٍ إسباني، ثم إنجليزي، نُشِر في عام ١٩٧٠، فجاءت تلك الهوامش بمثابة حاشية على سيرةٍ لم تُكتب بتمامها، مع أن بعض الكُتّاب استدرجوا بورخيس للإفصاح عن بعض تجاربه، مثل بارنستون في كتابه «مع بورخيس: مساء عادي في بوينس أيرس» ومانغويل في كتابه «مع بورخيس».
تصلح هوامش سيرة أن تكون مدخلًا إلى الذات الثقافية لبورخيس التي انحبست في إطار الكتب وحدها، ولم تتطلع إلى سواها إلا نادرًا. ويتعين القول بأنه حتى في كتابة سيرته لم يتقيّد بورخيس بحدود النوع الخاص بالسيرة الذاتية، مثلما قام به في كتابة القصة القصيرة التي لم تمتثل لمعايير كتابة القصة القصيرة. ففي الحالتين، كان عابرا يتخطّى مستوى الإيهام التخييلي إلى مستوى الإيهام الواقعي؛ فيدوّن تأملات ذاتية حتى وهو يتخيّل، وأحسب أنه المكان المناسب للفصل في ذلك، ما يجعله أداة تفسيرية لمعظم قصصه، وحتى مقالاته الخارجة على الأعراف الدارجة في الكتابة؛ فقد جعل من عبارة Ensayo autobiográfico عنوانًا لسيرته.
لا تحمل كلمة Ensayo في الإسبانية معنى مقال بالمعنى الدقيق له، إنما تحيل إلى معنى المقالٍ المعبّرٍ عن تجربة ذاتية فيها مساحة وافية للتأمل الذاتي، وغير مقيّدة بالتوثيق الدقيق. أما Autobiográfico فتشير معنى السيرة الذاتية، أي سرد حياة الكاتب كما وقعت بترتيب زمني وأحداث واقعية. مزج بورخيس بين دلالتين؛ فهو يكتب عن ذاته مستفيدًا من حرية الـ Ensayo في التعبير عن الأفكار والتجارب والذكريات، مع الحفاظ على ارتباطه بالهوية الذاتية الذي يشير إليه البعد autobiográfico. وبذلك المزج المتفاعل، تتجاوز سيرته حدود السرد التقليدي لتصبح سردًا شخصيًا عن الذات والزمان والوجود، حيث يتاح التداخل للواقع والذاكرة والتخييل.
ويلزم ذلك توضيحًا أوفى: تتشابه كلمة Ensayo الإسبانية وEssay الإنجليزية في الأصل اللغوي والمعنى الأساسي، إذ تحيلان إلى مقالة تقدّم فكرة أو تجربة فكرية. أما الاختلاف فيكمن في الأسلوب وطريقة العرض؛ فـ Ensayo أكثر انفتاحًا على التعبير الشخصي والسرد التأملي، وتمزج بين التحليل والتجربة الذاتية، بينما Essay تركّز على عرض الحجج وتحليل الموضوع بأسلوب منظّم، مع هيكل له مقدمة ومتن وخاتمة. تمثّل الكلمة الإسبانية تجربة فكرية مفتوحة، بينما تمثل الإنجليزية محاولة منهجية لإقناع القارئ بأفكار محددة.
ويمكن البناء على تلك الفوارق الطفيفة: حينما اختار بورخيس كلمة Ensayo عنوانًا لسيرته الذاتية قصد عكس وعيه بأسلوبه الخاص في الكتابة السردية؛ فما كتبه محاولة مرنة لاستكشاف الذات، ومعالجة جملة أفكار وذكريات بطريقة سردية-نقدية. فلم يرَ نفسه مؤرخًا لحياته، بل مفكرًا يتأمل في تجربة حياته التي أعاد صياغة الجانب الثقافي منها، فأراد التخفيف من التزمت الزمني؛ فالسيرة الذاتية التقليدية تتطلب ترتيب الأحداث زمنياً، بينما يسمح Ensayo له بالقفز بين الذكريات، والربط بين أحداث بعيدة، أو دمج الواقع بالخيال، وهو أسلوب بورخيس المألوف في الكتابة. وبذلك أراد تمثيل شذرات من حياته بعيدًا عن السرد التقليدي. إنه أسلوبه في جعل السيرة تجربة فكرية بقدر ما هي سردية حياتية. وبذلك فالتركيبة Ensayo autobiográfico تعني: محاولة سردية في البحث عن الذات، أو بحث في السيرة الذاتية الثقافية، فما كتبه ليس وثيقة تاريخية لحياته؛ بالأحرى هو نص سردي وفكري، وتجربة كتابية تأملية عن الذات.
لم يحمل العنوان الإنجليزي للكتاب المعنى الإسباني الدقيق له؛ فقد ظهر بعنوان Autobiographical Notes. أجل، Autobiographical مكافئ لكلمة Autobiográfico، فهو يتعلق بالسيرة الذاتية، لكن التغيير وقع في Notes؛ فهذه الكلمة تعطي انطباعًا بأن النصّ جملة ملاحظات على تجربة حياة، أكثر من كونه مقالًا متكاملًا أو نصًا تأمليًا. وبذلك جعل العنوانُ الكتابَ أقرب إلى كون السيرة مجموعة خواطر شخصية. باختصار، يكمن الفرق في الأسلوب والدلالة الأدبية: يشير الإسباني إلى نص ثقافي تأملي، ويشير الإنجليزي إلى ملاحظات شخصية.
ومنذ عنوانها اتخذت سيرة بورخيس طابعًا إشكاليًا حين مقايستها بمعايير السيرة الذاتية التقليدية، بحسب ما يؤكده عنوانها «مقالةٌ سيرُ ذاتية Autobiographical Essay»؛ فالسؤال لا يتعلق بوجود مادة حياتية عاشها، بل بطبيعة تمثيلها سرديًا، ومدى خضوعها لما يُعرف بميثاق السيرة الذاتية. يقوم ذلك الميثاق على تطابق ثلاثي الأركان بين المؤلف والراوي والشخصية، مع توفّر الصدق المرجعي واستعادة الماضي على أنه تجربة معيشة فعلا، وليس مادة تخييلية. في حالة بورخيس، تحقق التطابق الاسمي والمرجعي شكليًا؛ إذ صرّح بهويته واستعاد وقائع طفولته في بوينس آيرس وجنيف ومدريد، وتحدّث عن عماه وتكوينه الثقافي، وعلاقته بالمكتبات، غير أن ذلك التطابق بقي مهددًا بطبيعة مشروعه الأدبي القائم على تقويض الحدود بين الواقع والمتخيل.
في واقع الحال، أعاد بورخيس تشكيل حياته ضمن بنية تأملية أقرب إلى «السيرة الثقافية» منها إلى الاعتراف الشخصي؛ حيثُ أُختزلت الأحداث لصالح الأفكار، ورويت الوقائع كما لو أنها احتمالات سردية لا شهادات عن تجربة الحياة. وتحول عبارته الواردة في السيرة «حياتي فقيرة بالأحداث وغنية بالقراءات» ذات بورخيس إلى وظيفة ثقافية، وليس إلى كيان نفسي متعيّن، فيتراجع عنصر الكشف الذاتي الذي يُعدّ ركنًا في السيرة الذاتية.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن بورخيس نقض الميثاق نقضًا كاملاً؛ فهو لا يعلن تخييلاً صريحًا ولا يتخفّى وراء أقنعة اسمية، لكنه يراوغ القارئ بتحوير سردي يجعل «الذات» موضوعًا للتأمل أكثر منها موضوعًا للبوح. وبناء عليه، فلا تتوافر سيرته على شروط السيرة الذاتية شكلاً، لكنها تُفرغها جزئيًا من بعدها الاعترافي، وتعيد تعريفها بوصفها بناءً سرديًا يوازي أعماله القصصية في وعيها بالاحتمال والالتباس؛ فمؤلفاتُه خطراتٌ ذهنية أكثر منها واقعية، ويبدو فيها وكأنه منقطع عن تقاليد الكتابة المعاصرة له. وبالنظر إلى كفافه، فقد اشتدت رغبته في العزلة؛ ومن ذلك اعتكافه في غرفته المظلمة، الغرفة التي سماها بارنستون «زنزانة بورخيس الصغيرة»، وهي «مظلمة بالكامل»، فلا حاجة له بالضوء فيها لأنه لا يبصر شيئا من حوله، وكأن الدنيا بدورها كانت معتمة فأعرضَ عنها.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...