عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

في تمام العاشرة صباحا ، حين كانت المفاتيح لا تزال تستفيق من نعاسها، انفتحت أبواب المكتبة على ظل خفيف.
دخلت بهدوء ؛ بدلة رياضية أنيقة، حذاء يلامس الأرض كما لو يخشى إزعاجها، قبعة مائلة إلى الأمام تُخفي ملامحها، وحجاب يفيض بنقاء يُرى ولا يُوصف ؛ لم تسأل ، لم تتلفت ، كأنها تعرف الطريق دون أن يدلّها أحد.
فاتجهت مباشرة إلى جناح القانون، كانت تتنقل بين الرفوف كما تتحرك الذاكرة بين سنواتها؛ تمس الكتب، تُقلّبها، تُصغي لصمتها ، تقرأ المقدمات والفهارس على مهل .
ساعات مضت، والمكتبة تنظر إليها بدهشة: زبونة لا تساوم، لا تستعجل، لا تثرثر ، لم تسأل عن مراجع محددة ، ولم تستفسر عن مواضيع بعينها ، فقط تتصفح بهدوء .
وحين أعلنت الساعة الثانية زوالا نهاية الفترة الصباحية، انسحبت بهدوء، كغيمة لم تمطر بعد، وقد تركت خلفها سبعة مراجع مصطفّة على جنب ، كأنها وعد مؤجل.
وعند الثالثة مساء ، قبل أن تكتمل يقظة المكان، عادت ، فكانت أول الداخلين، وأشدهم حضورا ، رغم صمتها.
رجعت إلى جناحها الأثير، واستأنفت رحلتها مع الكتب، لا تقطعها إلا أنفاسها ؛ تنتقي بعين خبيرة، وبقلب يعرف ما يريد دون ضجيج.
حتى إذا مالت الشمس نحو الغروب، والساعة تشير إلى السابعة والنصف ، كانت قد جمعت اثني عشر عنوانا ، كأنها أبوابا نحو المعرفة ، أو سلالم نحو العلا .
جلست ، تأملت ، قلبت الصفحات الأخيرة كما لو كانت تودّع أصدقاء جدد قبل أن تصطحبهم معها ، ثم نهضت.
اقتربت من الصندوق، دفعت ثمن الكتب، أطلقت كلمات قليلة ، لكنها كانت ممتلئة ، فيها تحية، شكر وامتنان ، كأنها أخيرا سمحت للصمت أن يتكلم، ثم غادرت .
وتركت في المكان أثرا لا يُرى، لكنه يُحس ، مفاده بأن بعض القرّاء يأتون ليعيدوا إلينا الإيمان بأن القراءة طريقة حياة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...