عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب.. عندما يضعك الكتاب في الواجهة..

في مساء الأمس ، كان موعد تقديم الرواية الجديدة للمفكر والروائي حسن أوريد امتحانا خفيا لروحي ، حيث اجتمعنا على شرف رواية "اللّاروب"، وبحضور صاحبها، الأديب الذي يشبه كتبه في عمقها وهدوئها ؛ كان كل شيء يسير وفق المألوف ، إلى أن انحرف القدر قليلا ، قبل دقائق معدودة من انطلاق اللقاء، التفت إليّ بابتسامة واثقة، وقال : أنت من سيقدمني للحضور اليوم.



في تلك اللحظة، شعرت كأن الرفوف كلها تنظر إليّ، و الكتب التي ألِفتُ ترتيبها ، صارت تراقب ارتباكي.
كيف أقدم كاتبا لأول مرة ، وأي كاتب ؟ ، مفكر كبير ، وروائي أطبقت شهرته الآفاق ؟كيف سأختصر تجربة بهذا الحجم ، وأنا غير مستعد لها؟
تسلل إلى نفسي الخجل أولا، خجل البدايات المرتبكة ، لكن شيئا آخر نهض في داخلي ، ربما هو ذلك البائع الذي تعوّد أن يحكي عن الكتب كما لو كانت كائنات حيّة ، فتقدمت كمن يفتح بابا ، وشيئا فشيئا، صارت الكلمات أكثر طواعية، و الصوت أكثر ثباتا، وأمسى اللقاء يشبه حكاية تُروى وليس برنامجا يُنفّذ.
مرّت الفقرات كما تمرّ الصفحات الجيدة بانسياب، دون أن نشعر بثقلها ، وحين انتهى كل شيء، أدركت أن بعض الأدوار هي من تختارنا في اللحظة التي نظن فيها أننا غير مستعدين.




في يوميات بائع كتب، لا تحدث المفاجآت على الرفوف فقط ، لكن أحيانا، تنسحب الكتب إلى الخلف، وتدفعك أنت إلى الواجهة ، فتنتقل من بائع بسيط ، إلى لحظة مكتوبة على عجل، كصوت يتعلم نبرته وهو يُقال، وقلبا يُرتّب ارتباكه كما تُرتّب الكتب في صمت ، وفي النهاية ، تكتشف أنك كنت على نحو خفي، توقّع باسمك أول سطر في كتاب لم تكن تدري أنك أنت صفحته الأولى.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...