تقديم المترجم
لا تكون القصيدة تاريخاً، سوى أنها قد تنيره.ثمة شعراء مؤرِخون أو بالعكس. وحدها قصائدهم تنيرهم من الداخل وتنيرنا، وتعرّف بمسماهم روحياً، ليس التاريخ هكذا، قد يبلبل أفكارهم، و" يسوّد عيشتهم " أحياناً.
تمضي القصيدة إلى الأمام مشفوعة بميزة الديمومة في تاريخ، لا يمكنه رفض طلب لها في هذا المضمار.
القصيدة التي تكون في الحالة هذه بمثابة " مسَّحة واجهة السيارة الزجاجية " لجعل الرؤية أوضح، قصيدة اعتبارية، لاحدودية. القصيرة لها مرجعية استبصارية، في مقدورها أن تشفي لامرئياً مؤثراً في حركية الروح، في بدعتها، قد تهبُ التاريخ قدرة خاصة، لمكاشفة المستور داخله، ومن ثم للنظر إلى غفل الاسم.
تلك هي القصيدة- الكريستال، التي تلقي بأقواس قزحها في ثنيات متماوجة في النسيح المعدني المتوهج لهذا الكريستال الموصول بالأعماق الأرضية، وبإشاراتية الفضائية معاً. لهذا تكون الندرة علامة فارقة لها.
وحين يتعلق الأمر بالحرب، تكون لهذه القصيدة صولتها وجولتها، قابليتها لأن تضيء على " الصفحتين".
القصيدة تدخل التاريخ وتخرج منه بذلك الرصيد الذي لا ينفد، بتموقعها المستقبلي، وإيقاظ الغافي جسدياً.
من نقرأ لهم من قصائد، كما في الأمثلة المختارة ، يسهل الامتلاء بذلك البريق العابر للأزمنة والأمكنة.
هكذا تدمر الحرب البشر زماناً ومكاناً، وهكذا تمنحهم فرصاً للبقاء بطرق أخرى.
القصيدة جينة من جينات البقاء بطرق أخرى، لأنها تحمل وقدة الحرب، لسعتها، رعبها، والمغايَر فيها.
الذين ذاقوا مرارتها عن قرب وعن بعد. من ذاقوها وأنهتهم، وأصبحوا ضحايا في عهدة من شهدوا سقوطهم ضحايا، أو في خانة " الاسم المجهول " أي " دون دفن " القصيدة تعنيهم، بطريقتها في مشرحة الحياة، لأنهم لا يستطيعون كتابة موتهم، أو ترْك وصية، ولو على وجه السرعة، عن خاصية النفس الأخير، على مرمى صادم ، من الرصاصة القاتلة، القنبلة المتفجرة المشظّية للجسد، اللغم المتربط بالجسم في لحظة ما، في القصيدة يمكن سماع سكتتهم، ذهولهم، صورة عيونهم التي تبثُّ رعبها في محيطها.
هذه المرارة الخارقة تمتد عبر لغات، كما في النصوص التي اخترتها، مرارة توقظ قوى نفسية ملهمة كأنما تتكلم بلغات كونية شتى، وتشعِر أن الإنسانية ليست حدودها، ليست أعلامها، ليست لغاتها المنقسمة على نفسها، ليست أنسابها، ليست رموزها، إنها روحها" الرحم الكوني " الذي منه وإليه نكون.
في القصيدة -الكريستال، حيث لا حدود يُنظَر فيها، للوجه أن يبصر حقيقته داخلاً وخارجاً، والنفَس صاعداً، والقلب يخفق في عموم الكريستال، لأن هناك رسم إقامة رحالة في الزمن.
لأن الرهان هو السلام، به كنا رغم الحرب الضروس، به نكون مهما استفحلت أحقاد تجارها هنا وهناك.
اللقاء فيما هو إنساني، وعودة الوعي السلمي مما هو إنساني، ولا بد أن إلهاً ما، يبتسم لما يُسمى إنسانياً.
النصوص المختارة
بعد المعركة
أبي، ذلك البطل ذو الابتسامة الرقيقة،
في إثره فارسٌ وحيدٌ أحبه أكثر من أي شيء،
لشجاعته الكبرى وقامته الفارعة،
يمتطي جواده، في مساء معركة،
عبرَ ساحة المعركة المغطاة بالجثث التي سربلها الليل.
خمَّن أنه سمع هسيس صوت في الظلال.
كان إسبانيًا من الجيش المغلوب،
يجرجر نفسه، مضرجاً بدمائه، على جانب الطريق،
يُصدر أنيناً، مُحطّمًا، شاحبًا، وأكثر من نصف ميت.
كان يردد: "ماء! ماء، من فضلك!"
أبي، متأثراً، ناول فارسه الأمين،
قارورة من الرم كانت معلقة على سرجه،
قال: "تفضل، أعطِ هذا الجريح البائس مشروبًا." بغتة، وبينما كان الفارس منحنياً،
انحنى نحوه، أمسك الرجل، وهو أشبه بالمغاربة،
بمسدس كان لا يزال ممسكاً به،
مصوّباً إياه نحو جبين أبي، صارخاً: "كارامبا!*"
مرّت الرصاصة قريبةً جداً حتى سقطت قبعته
وانتفض الحصان.
قال أبي: "على أي حال، أعطه شراباً."
كارامبا " Caramba " تعني بالإسبانية: يا للهول، تباً، من باب المفاجأة " المترجم، عن الانترنت "
Après la bataille
— فيكتور هيغو (1802-1885)
أسطورة القرون La légende des siècles
***
حرب، لستة آلاف عام
لستة آلاف عام، حرب
تُرضي الشعوب المتخاصمة،
والإله يهدر وقته في خلق
النجوم والزهور.
مشورات السماوات الرحبة،
والزنبقة النقية، والعش الذهبي،
لا يمكنها محوَ أي جنون
من قلب الإنسان المذعور.
المذابح، والانتصارات،
هوذا حبنا العظيم؛
والجماهير المظلمة
تتخذ الطبول أجراسًا لها.
المجد، طيّ أوهامه
وتحت عرباته المنتصرة،
تضع كل الأمهات المسكينات
وكل الأطفال الصغار.
سعادتنا جامحة؛
أن نقول: هيا بنا! هيا نموت!
وأن يكون على شفاهنا
لعاب الأبواق.
يلمع الفولاذ، حيث تتصاعد الأدخنة من المخيمات؛
نُطلق العنان لأنفسنا شاحبين
تُشعل النيران في النفوس الكئيبة
بأضواء المدافع.
وكل هذا في خدمة أصحاب السمو
ممن، بالكاد دُفنوا،
سيتبادلون المجاملات
بينما تتعفنون،
وفي تلك الساحة الكئيبة،
ستذهب الضباع والطيور،
المنفرّة، لترى إن كان هناك لحم متبقٍ بعد عظامكم!
لليس من شعب يتسامح
مع وجود آخر يعيش بجوارنا؛
ويُشعل الغضب
بسبب حماقتنا.
إنه روسي! ذبح، ضرب بالهراوة.
كرواتي! إطلاق نار سريع.
هذا صحيح. لماذا هذا الرجل ارتدى
معطفًا أبيض؟
هذا، أُبيده
وأرحل بقلب مطمئن،
لأنه ارتكب جناية
أن وُلد على الضفة اليمنى لنهر الراين.
روزباخ! واترلو! انتقام!
رجل، ثمل بضجيج مرعب،
ليس لديه عقل آخر
ما عدا المذبحة والليل.
يمكن للمرء أن يغترف من الينابيع،
ويصلي راكعًا في الظلال،
ويحب كما يحلم تحت أشجار البلوط؛
قتل الأخ أحلى.
نتقاتل، ونطعن بالحراب بعضنا ،
وعبر التلال والوديان نجري؛
يلتصق الرعب
بالقبضة بأعراف الخيول.
ويشرق الفجر على السهل!
آه! إني معجب حقًا،
بأن المرء قادر على الشعور بالكراهية
بعد أن تغني القبرة.
Depuis six mille ans la guerre
— فيكتور هيغو (1802-1885)
أغاني الشوارع والغابات Les chansons des rues et des bois
***
الهارب" من الخدمة العسكرية "
انحدر نزولاً من التل ركضاً
قدماه دفعتا الحجارةَ بالتدحرج
هناك، بين الجدران الأربعة
بحزن كئيب غنت صفارات الإنذار
استنشق عبير الأشجار
بجسده المتقد كله
صاحبه النور
جاعلاً ظله يرقص
ليتهم يمهلونني بعض الوقت
قفز عبر العشب
قطف ورقتين صفراوين
مشبعتين بالعصارة وأشعة الشمس
قذفت المدافع الفولاذية الزرقاء
لهيبًا قصيرًا من النار الجافة
ليتهم يمهلونني بعض الوقت
بلغ حافة الماء
غمر وجهه فيه
ضحك فرحًا، وشرب
ليتهم يمهلونني بعض الوقت
نهض ليقفز
ليتهم يمهلونني بعض الوقت
نحلة نحاسية مسعورة
أسقطته أرضاً على الضفة الأخرى
امتزج الدم بالماء
كان لديه الوقت ليرى
الوقت ليشرب من هذا الجدول
الوقت ليرفع إلى شفتيه
ورقتين غارقتين بالشمس
الوقت ليضحك على القتلة
الوقت ليبلغ الضفة الأخرى
آن أوان الركض إلى المرأة
كان لديه الوقت الكافي ليعيش.
L'évadé
— بوريس فيان Boris Vian (1920-1959)
أغانٍ وقصائد Chansons et poèmes
***
الفارّ " من الخدمة العسكرية "
سيدي الرئيس، أكتب إليكم هذه الرسالة
التي ربما تقرأونها
إن كان لديكم الوقت
لقد استلمتُ للتو
أوراقي العسكرية
للتوجه إلى الحرب
قبيل مساء الأربعاء
سيدي الرئيس،
لا أريد الذهاب
لستُ هنا لأقتل الأبرياء
ليس لأغضبكم
عليّ أن أخبركم
وقد اتخذتُ قراري
سأهرب
منذ ولادتي
رأيتُ أبي يموت
إخوتي يرحلون
وأطفالي يبكون
أمي عانت كثيراً
حتى وهي في قبرها
وتضحك على القنابل
تضحك على الديدان
عندما كنتُ أسيراً
سلبوني زوجتي
سلبوني روحي
وكل ماضيّ العزيز
غداً، في الصباح الباكر
سأوصد بابي
في وجه السنين الميتة،
سأسير في الطرقات
متوسلاً من أجل حياتي
على طرقات فرنسا
من بريتاني إلى بروفانس
قائلاً للناس
ارفضوا الطاعة
ارفضوا فعل ذلك
لا تذهبوا إلى الحرب
ارفضوا المغادرة
إذا كان لا بد من إراقة الدماء
اذهب وأرِق دمك
أنت رسول صالح
سيدي الرئيس
إذا لاحقتني
أخبر رجال الدرك لديك
أنّي لن أحمل سلاحاً
وأن أمكنكم إطلاق النار.
Le Déserteur
— بوريس فيان (1920-1959)
أغانٍ وقصائد
***
اللعبة
ست عشرة قطعة بيضاء. ست عشرة قطعة سوداء.
مواجهة.
كل لاعب يأخذ مكانه حسب رتبته.
بشكل متناظر، على كلا الجانبين.
الأصغر في المقدمة.
ست عشرة قطعة سوداء. ست عشرة قطعة بيضاء.
ثمانية مربعات في ثمانية. تبدأ اللعبة.
مبارزة، وتكتيكات ملتوية، ومعارك محتدمة،
معارك ضارية. محاولة أخيرة
لتوجيه الضربة القاضية للخصوم:
"كش ملك! مات الملك!"
يُبارَك الفائز.
إنما الانتقام يجري في عروقه.
كل شيء يعود إلى نصابه.
ولا يبقى أثر للمعركة.
في الحال، اللعبة تُستأنف.
ست عشرة قطعة سوداء. ست عشرة قطعة بيضاء...
لا أربعة وستون مربعًا
لا اثنان وثلاثون لاعبًا،
إنما بأعداد وأزمنة مختلفة،
مع ذلك، للحياة الأسس نفسها.
Le jeu
— إستر غرانيك Esther Granek (1927-2016)
تركيبات Synthèses
***
لو استطعتِ رؤية قلبي كما رأيتِ وجهي
لو استطعتِ رؤية قلبي كما رأيتِ وجهي،
لرأيتِه مضرجاً بالدماء، مثقوبًا ألف مرة،
محروقًا، متصدعًا، ولحُرمتِ من صوتي،
مُجبرةً على البكاء عليّ، وكبح جماح غضبكِ.
لو لم تُهدّئ هذه المصائب شجاعتكِ بعد،
لفعلتِ يا ديانا، كما فعل ملوكنا،
إذ ترين صورتكِ تُعاني من القوانين نفسها،
كما يُعاني رعيتكِ الذين يحملون صورتكِ.
لا تُلقي بشعلة، ولا سهم، ولا ضربة، ولا طلقة،
إلا إذا اخترقت صورتكِ أولًا.
هكذا رأينا في الحرب الأهلية
الأمير، يُسقط بمدفعٍ مُشين،
المكان وقد حمل شعاره واسمه،
يُدمر شرفه ليُخرّب مدينته.
Si vous voyiez mon coeur ainsi que mon visage
— تيودور أغريبا دوبينيه Théodore Agrippa d’Aubigné (1552-1630)
مذبحة ديانا L’Hécatombe à Dian
***
باريس
أين البهجة ولو في قلب العاصفة؟
أين النور ولو في قلب الليل؟
الهواء مزيج من الكحول والمصائب والبسالة.
نوافذ محطمة، إنما الأمل لا يزال وامضاً.
وترتفع الأغاني من بين الجدران المدمرة.
لا تنطفئ أبدًا، بل تنبعث من جديد من الرماد.
شعلة الوطن الدائمة.
من بوان دو جور إلى بير لاشيز.
هذه الوردة العطرة تتفتح من جديد في آب.
أناس من كل مكان، هُمْ دماء باريس.
لا شيء يضاهي ألق باريس في الغبار.
لا شيء أنقى من جبينها الثائر.
لا شيء أقوى من النار أو البرق.
من باريس خاصتي، متحدية المخاطر.
لا شيء أجمل من باريس التي أملكها.
لم يسبق لي أن شعرت بقلبي بهذه السرعة.
لم يسبق لي أن شعرت هكذا بالضحك والبكاء.
كصرخة شعبي المنتصر.
لا شيء يضاهي عظمة الكفن. وقد تمزَّق أرباً أرباً.
باريس، باريس نفسها مُحرَّرة.
Paris
— لوي أراغون Louis Aragon (1897-1982)
غير مُحدَّد Non renseigné
لا تكون القصيدة تاريخاً، سوى أنها قد تنيره.ثمة شعراء مؤرِخون أو بالعكس. وحدها قصائدهم تنيرهم من الداخل وتنيرنا، وتعرّف بمسماهم روحياً، ليس التاريخ هكذا، قد يبلبل أفكارهم، و" يسوّد عيشتهم " أحياناً.
تمضي القصيدة إلى الأمام مشفوعة بميزة الديمومة في تاريخ، لا يمكنه رفض طلب لها في هذا المضمار.
القصيدة التي تكون في الحالة هذه بمثابة " مسَّحة واجهة السيارة الزجاجية " لجعل الرؤية أوضح، قصيدة اعتبارية، لاحدودية. القصيرة لها مرجعية استبصارية، في مقدورها أن تشفي لامرئياً مؤثراً في حركية الروح، في بدعتها، قد تهبُ التاريخ قدرة خاصة، لمكاشفة المستور داخله، ومن ثم للنظر إلى غفل الاسم.
تلك هي القصيدة- الكريستال، التي تلقي بأقواس قزحها في ثنيات متماوجة في النسيح المعدني المتوهج لهذا الكريستال الموصول بالأعماق الأرضية، وبإشاراتية الفضائية معاً. لهذا تكون الندرة علامة فارقة لها.
وحين يتعلق الأمر بالحرب، تكون لهذه القصيدة صولتها وجولتها، قابليتها لأن تضيء على " الصفحتين".
القصيدة تدخل التاريخ وتخرج منه بذلك الرصيد الذي لا ينفد، بتموقعها المستقبلي، وإيقاظ الغافي جسدياً.
من نقرأ لهم من قصائد، كما في الأمثلة المختارة ، يسهل الامتلاء بذلك البريق العابر للأزمنة والأمكنة.
هكذا تدمر الحرب البشر زماناً ومكاناً، وهكذا تمنحهم فرصاً للبقاء بطرق أخرى.
القصيدة جينة من جينات البقاء بطرق أخرى، لأنها تحمل وقدة الحرب، لسعتها، رعبها، والمغايَر فيها.
الذين ذاقوا مرارتها عن قرب وعن بعد. من ذاقوها وأنهتهم، وأصبحوا ضحايا في عهدة من شهدوا سقوطهم ضحايا، أو في خانة " الاسم المجهول " أي " دون دفن " القصيدة تعنيهم، بطريقتها في مشرحة الحياة، لأنهم لا يستطيعون كتابة موتهم، أو ترْك وصية، ولو على وجه السرعة، عن خاصية النفس الأخير، على مرمى صادم ، من الرصاصة القاتلة، القنبلة المتفجرة المشظّية للجسد، اللغم المتربط بالجسم في لحظة ما، في القصيدة يمكن سماع سكتتهم، ذهولهم، صورة عيونهم التي تبثُّ رعبها في محيطها.
هذه المرارة الخارقة تمتد عبر لغات، كما في النصوص التي اخترتها، مرارة توقظ قوى نفسية ملهمة كأنما تتكلم بلغات كونية شتى، وتشعِر أن الإنسانية ليست حدودها، ليست أعلامها، ليست لغاتها المنقسمة على نفسها، ليست أنسابها، ليست رموزها، إنها روحها" الرحم الكوني " الذي منه وإليه نكون.
في القصيدة -الكريستال، حيث لا حدود يُنظَر فيها، للوجه أن يبصر حقيقته داخلاً وخارجاً، والنفَس صاعداً، والقلب يخفق في عموم الكريستال، لأن هناك رسم إقامة رحالة في الزمن.
لأن الرهان هو السلام، به كنا رغم الحرب الضروس، به نكون مهما استفحلت أحقاد تجارها هنا وهناك.
اللقاء فيما هو إنساني، وعودة الوعي السلمي مما هو إنساني، ولا بد أن إلهاً ما، يبتسم لما يُسمى إنسانياً.
النصوص المختارة
بعد المعركة
أبي، ذلك البطل ذو الابتسامة الرقيقة،
في إثره فارسٌ وحيدٌ أحبه أكثر من أي شيء،
لشجاعته الكبرى وقامته الفارعة،
يمتطي جواده، في مساء معركة،
عبرَ ساحة المعركة المغطاة بالجثث التي سربلها الليل.
خمَّن أنه سمع هسيس صوت في الظلال.
كان إسبانيًا من الجيش المغلوب،
يجرجر نفسه، مضرجاً بدمائه، على جانب الطريق،
يُصدر أنيناً، مُحطّمًا، شاحبًا، وأكثر من نصف ميت.
كان يردد: "ماء! ماء، من فضلك!"
أبي، متأثراً، ناول فارسه الأمين،
قارورة من الرم كانت معلقة على سرجه،
قال: "تفضل، أعطِ هذا الجريح البائس مشروبًا." بغتة، وبينما كان الفارس منحنياً،
انحنى نحوه، أمسك الرجل، وهو أشبه بالمغاربة،
بمسدس كان لا يزال ممسكاً به،
مصوّباً إياه نحو جبين أبي، صارخاً: "كارامبا!*"
مرّت الرصاصة قريبةً جداً حتى سقطت قبعته
وانتفض الحصان.
قال أبي: "على أي حال، أعطه شراباً."
كارامبا " Caramba " تعني بالإسبانية: يا للهول، تباً، من باب المفاجأة " المترجم، عن الانترنت "
Après la bataille
— فيكتور هيغو (1802-1885)
أسطورة القرون La légende des siècles
***
حرب، لستة آلاف عام
لستة آلاف عام، حرب
تُرضي الشعوب المتخاصمة،
والإله يهدر وقته في خلق
النجوم والزهور.
مشورات السماوات الرحبة،
والزنبقة النقية، والعش الذهبي،
لا يمكنها محوَ أي جنون
من قلب الإنسان المذعور.
المذابح، والانتصارات،
هوذا حبنا العظيم؛
والجماهير المظلمة
تتخذ الطبول أجراسًا لها.
المجد، طيّ أوهامه
وتحت عرباته المنتصرة،
تضع كل الأمهات المسكينات
وكل الأطفال الصغار.
سعادتنا جامحة؛
أن نقول: هيا بنا! هيا نموت!
وأن يكون على شفاهنا
لعاب الأبواق.
يلمع الفولاذ، حيث تتصاعد الأدخنة من المخيمات؛
نُطلق العنان لأنفسنا شاحبين
تُشعل النيران في النفوس الكئيبة
بأضواء المدافع.
وكل هذا في خدمة أصحاب السمو
ممن، بالكاد دُفنوا،
سيتبادلون المجاملات
بينما تتعفنون،
وفي تلك الساحة الكئيبة،
ستذهب الضباع والطيور،
المنفرّة، لترى إن كان هناك لحم متبقٍ بعد عظامكم!
لليس من شعب يتسامح
مع وجود آخر يعيش بجوارنا؛
ويُشعل الغضب
بسبب حماقتنا.
إنه روسي! ذبح، ضرب بالهراوة.
كرواتي! إطلاق نار سريع.
هذا صحيح. لماذا هذا الرجل ارتدى
معطفًا أبيض؟
هذا، أُبيده
وأرحل بقلب مطمئن،
لأنه ارتكب جناية
أن وُلد على الضفة اليمنى لنهر الراين.
روزباخ! واترلو! انتقام!
رجل، ثمل بضجيج مرعب،
ليس لديه عقل آخر
ما عدا المذبحة والليل.
يمكن للمرء أن يغترف من الينابيع،
ويصلي راكعًا في الظلال،
ويحب كما يحلم تحت أشجار البلوط؛
قتل الأخ أحلى.
نتقاتل، ونطعن بالحراب بعضنا ،
وعبر التلال والوديان نجري؛
يلتصق الرعب
بالقبضة بأعراف الخيول.
ويشرق الفجر على السهل!
آه! إني معجب حقًا،
بأن المرء قادر على الشعور بالكراهية
بعد أن تغني القبرة.
Depuis six mille ans la guerre
— فيكتور هيغو (1802-1885)
أغاني الشوارع والغابات Les chansons des rues et des bois
***
الهارب" من الخدمة العسكرية "
انحدر نزولاً من التل ركضاً
قدماه دفعتا الحجارةَ بالتدحرج
هناك، بين الجدران الأربعة
بحزن كئيب غنت صفارات الإنذار
استنشق عبير الأشجار
بجسده المتقد كله
صاحبه النور
جاعلاً ظله يرقص
ليتهم يمهلونني بعض الوقت
قفز عبر العشب
قطف ورقتين صفراوين
مشبعتين بالعصارة وأشعة الشمس
قذفت المدافع الفولاذية الزرقاء
لهيبًا قصيرًا من النار الجافة
ليتهم يمهلونني بعض الوقت
بلغ حافة الماء
غمر وجهه فيه
ضحك فرحًا، وشرب
ليتهم يمهلونني بعض الوقت
نهض ليقفز
ليتهم يمهلونني بعض الوقت
نحلة نحاسية مسعورة
أسقطته أرضاً على الضفة الأخرى
امتزج الدم بالماء
كان لديه الوقت ليرى
الوقت ليشرب من هذا الجدول
الوقت ليرفع إلى شفتيه
ورقتين غارقتين بالشمس
الوقت ليضحك على القتلة
الوقت ليبلغ الضفة الأخرى
آن أوان الركض إلى المرأة
كان لديه الوقت الكافي ليعيش.
L'évadé
— بوريس فيان Boris Vian (1920-1959)
أغانٍ وقصائد Chansons et poèmes
***
الفارّ " من الخدمة العسكرية "
سيدي الرئيس، أكتب إليكم هذه الرسالة
التي ربما تقرأونها
إن كان لديكم الوقت
لقد استلمتُ للتو
أوراقي العسكرية
للتوجه إلى الحرب
قبيل مساء الأربعاء
سيدي الرئيس،
لا أريد الذهاب
لستُ هنا لأقتل الأبرياء
ليس لأغضبكم
عليّ أن أخبركم
وقد اتخذتُ قراري
سأهرب
منذ ولادتي
رأيتُ أبي يموت
إخوتي يرحلون
وأطفالي يبكون
أمي عانت كثيراً
حتى وهي في قبرها
وتضحك على القنابل
تضحك على الديدان
عندما كنتُ أسيراً
سلبوني زوجتي
سلبوني روحي
وكل ماضيّ العزيز
غداً، في الصباح الباكر
سأوصد بابي
في وجه السنين الميتة،
سأسير في الطرقات
متوسلاً من أجل حياتي
على طرقات فرنسا
من بريتاني إلى بروفانس
قائلاً للناس
ارفضوا الطاعة
ارفضوا فعل ذلك
لا تذهبوا إلى الحرب
ارفضوا المغادرة
إذا كان لا بد من إراقة الدماء
اذهب وأرِق دمك
أنت رسول صالح
سيدي الرئيس
إذا لاحقتني
أخبر رجال الدرك لديك
أنّي لن أحمل سلاحاً
وأن أمكنكم إطلاق النار.
Le Déserteur
— بوريس فيان (1920-1959)
أغانٍ وقصائد
***
اللعبة
ست عشرة قطعة بيضاء. ست عشرة قطعة سوداء.
مواجهة.
كل لاعب يأخذ مكانه حسب رتبته.
بشكل متناظر، على كلا الجانبين.
الأصغر في المقدمة.
ست عشرة قطعة سوداء. ست عشرة قطعة بيضاء.
ثمانية مربعات في ثمانية. تبدأ اللعبة.
مبارزة، وتكتيكات ملتوية، ومعارك محتدمة،
معارك ضارية. محاولة أخيرة
لتوجيه الضربة القاضية للخصوم:
"كش ملك! مات الملك!"
يُبارَك الفائز.
إنما الانتقام يجري في عروقه.
كل شيء يعود إلى نصابه.
ولا يبقى أثر للمعركة.
في الحال، اللعبة تُستأنف.
ست عشرة قطعة سوداء. ست عشرة قطعة بيضاء...
لا أربعة وستون مربعًا
لا اثنان وثلاثون لاعبًا،
إنما بأعداد وأزمنة مختلفة،
مع ذلك، للحياة الأسس نفسها.
Le jeu
— إستر غرانيك Esther Granek (1927-2016)
تركيبات Synthèses
***
لو استطعتِ رؤية قلبي كما رأيتِ وجهي
لو استطعتِ رؤية قلبي كما رأيتِ وجهي،
لرأيتِه مضرجاً بالدماء، مثقوبًا ألف مرة،
محروقًا، متصدعًا، ولحُرمتِ من صوتي،
مُجبرةً على البكاء عليّ، وكبح جماح غضبكِ.
لو لم تُهدّئ هذه المصائب شجاعتكِ بعد،
لفعلتِ يا ديانا، كما فعل ملوكنا،
إذ ترين صورتكِ تُعاني من القوانين نفسها،
كما يُعاني رعيتكِ الذين يحملون صورتكِ.
لا تُلقي بشعلة، ولا سهم، ولا ضربة، ولا طلقة،
إلا إذا اخترقت صورتكِ أولًا.
هكذا رأينا في الحرب الأهلية
الأمير، يُسقط بمدفعٍ مُشين،
المكان وقد حمل شعاره واسمه،
يُدمر شرفه ليُخرّب مدينته.
Si vous voyiez mon coeur ainsi que mon visage
— تيودور أغريبا دوبينيه Théodore Agrippa d’Aubigné (1552-1630)
مذبحة ديانا L’Hécatombe à Dian
***
باريس
أين البهجة ولو في قلب العاصفة؟
أين النور ولو في قلب الليل؟
الهواء مزيج من الكحول والمصائب والبسالة.
نوافذ محطمة، إنما الأمل لا يزال وامضاً.
وترتفع الأغاني من بين الجدران المدمرة.
لا تنطفئ أبدًا، بل تنبعث من جديد من الرماد.
شعلة الوطن الدائمة.
من بوان دو جور إلى بير لاشيز.
هذه الوردة العطرة تتفتح من جديد في آب.
أناس من كل مكان، هُمْ دماء باريس.
لا شيء يضاهي ألق باريس في الغبار.
لا شيء أنقى من جبينها الثائر.
لا شيء أقوى من النار أو البرق.
من باريس خاصتي، متحدية المخاطر.
لا شيء أجمل من باريس التي أملكها.
لم يسبق لي أن شعرت بقلبي بهذه السرعة.
لم يسبق لي أن شعرت هكذا بالضحك والبكاء.
كصرخة شعبي المنتصر.
لا شيء يضاهي عظمة الكفن. وقد تمزَّق أرباً أرباً.
باريس، باريس نفسها مُحرَّرة.
Paris
— لوي أراغون Louis Aragon (1897-1982)
غير مُحدَّد Non renseigné