وارد بدر السالم - عروس الكافتيريا...

جعلتني أفكر وأقلق وأرتاب لمدة 20 ساعة متتالية، بعدما جمعتْ نفسها بملامح غامضة بالرغم من ابتسامتها المشرقة ومصافحتها يدي. سبقتني بالخروج برشاقة وجسدها يهتز بخفّة، كإنما أجهضت واجباً ثقيلاً أفرغته من روحها أمامي.
لم أستطع تفسير غموض ملامحها. بالرغم من كونها تبتسم وتقبض على يدي بمودّة. وقتها غمرني شعور غريب هو مزيج من اليأس والدهشة. ربما أوحت لي بأنها بَصَمَتْ على علاقتنا التي تشهد تقاطعات بين فترة وأخرى. بل منحتني يوماً كاملاً لأرى ما يتوجب رؤيته في رأسها، فظل خيالي ينسج الأوهام والآمال الكثيرة والاحتمالات الصعبة في الساعات الطويلة التي انهكتني.
خرجتُ من الحي الكئيب مثقلاً بالأسئلة. يعتريني القلق. طال عليّ طريق العودة ماشياً في الأزقة الخلفية. كنت أفزّ في ليلي الماضي بين لحظةٍ وأخرى، كما لو هناك حقيقةً مجهولة خبّأتها عني مع الفترة الفائتة. ربما أحسستُ بأن لغتها تغيرت أكثر مما يجب وكشفت لي بعضاً مما تفكر به. كأن علاقتنا دخلت في نفق ضيق معتم بالكاد أتنفس فيه.
شذى لا تفكر مثلي.
أنا أجعلُ الحياة بسيطة جداً. أصاحبها على قدر ما أستطيع. أذهب معها وأرجع من دون ان أتقاطع معها كثيراً فالحكمة تدعو الى ذلك. والحب الذي أحمله في داخلي يدعو اليها. بينما هي تعقّد الحياة من حولها بطريقة مجنونة. تنسج خيوطاً مبللة وتلفّها حول كل قصة وحكاية وموقف. تتقصّى كل شيء بطريقة غير تقليدية. كنت أفكر بأن هذا إفراطٌ - مني- في الحب والكثير من الاستسلام لسطوتها الروحية عليّ. غير إن إحساساً متناقضاً أخذت ملامحه تتجسد أمامي وتثير مخاوفي من إنّ هذه العلاقة من طرف واحد. صعبة. مغلقة. لا منفذ منها. تمر بنهايات متعددة لا تتشابه في الأحوال كلها. حتى عندما أعترف لنفسي بأنها الجميلة الوحيدة الأكثر وعياً من غيرها التي انجذبتُ اليها.
أقف الان على مسافة مناسبة من وعي الحب الذي تعرفه بي. ومع كونها انثى عارفة لكل ما يدور من حولها. إلا إنها في بعض الأحيان تسمع مني بعينين مفتوحتين على رموش طويلة، مسكونتين بالصفاء والغموض معاً. لكن رأسها مثل غربال يغربل الكلام فيرمي قشوره في الكوخ الخشبي الملاصق لمائدتنا. حيث تتلقفه أسماك الزينة المرابطة في الحوض الزجاجي القريب من مائدتنا.
التقينا في كافتيريا على أطراف العاصمة عدداً من المرات المتباعدة. زبائن المكان قليلون في العادة. أكثرهم عشاق وشباب حب جامعيون. وفتيات ؛ قد ينتظرن أصدقاء فيسبوكيين وتويتريين؛ يغيّر الميك اب ملامحهنّ بشكل فاضح.
لم أكن قد اعتدتُ المكان بعد. هي التي دلّتني عليه. فضيلته بُعدهُ عن صخب المدينة. أضواؤه بنفسجية خفيفة. ورواده ليسوا كثيرين. المائدة التي نجلس عليها في العادة ينتصب الى جانبها كوخ خشبي يذرف ماءً يتدفق على حوض زجاجي مكوّر، تلعب فيه أسماك صغيرة ملونة. كثيراً ما تنبّهنا الى حركاتها المعاكسة لحركة الشلال الصغير المتدفق من عنق حنفية واسعة الفوهة. لاسيما السمكة السوداء التي تثير الكثير من المشاكل داخل الحوض.
" أترك لك يوماً كاملاً.. 24 ساعة تكفي لتفهم ما قلته. أنت ذكي وواعٍ وانسان محترم."
كنت أخطف نظرة الى فتحة في صدرها. تبدأ من فراشة ذهبية أسفل المكان؛ وعلى قميصٍ فضي؛ ويمتد لونها البارق حتى عنقها الأسمر.
- غداً في وقت كهذا سيكون مناسباً لنا نحن الاثنين.
كان نومي ليلة البارحة قلقاً. أرق طويل بدّد ليلي الوحيد. لجمت رغبتي في الاتصال بها. أحوم حول اسمها في الموبايل وأحدثه وأراها فيه. لم تبق أمامي سوى أربع ساعات صعبة. ستنقضي منها ثلاث ساعات بالتفكير المضطرب، والتأويل الجارح لي، والمراجعة المعقّدة، والتخمين العشوائي، والاحتمالات المتعددة. سأكرر ما فكرتُ به في الساعات العشرين التي مرّت والثلاث التي تلتها، ثم ألتقيها في كافتيريا يوم أمس على مائدتنا، تحت شجيرة ظليّة وُضعت في بطن كوخ خشبي يصب الماء عليها كشلال صغير، وهذا يتدفق على سمكات صغيرات مختلفة الألوان. لكنها تتعارك في بعض الأحيان وتتشاجر بين الفقاعات الكثيرة والزبد المتكاثر من التدفق المستمر. لاسيما السمكة السوداء التي تثير الأخريات بحركاتها الاستفزازية وحركتها النشيطة.
تتوزع على المائدة أضواء بنفسجية خافتة، فتجعل من المكان مشروعَ طيف متعثراً يمر من رأسي ويذهب الى رأسها؛ لكنه يعود الى رأسي الممتلئ بصورتها الأليفة التي لا تبارحني. رأسها صخرة لا تمر منه الأضواء ولا أحلام اللون البنفسجي الضئيلة، ولا رذاذ الشلال الصغير الذي يطلّ علينا. فيرتد إليّ مفتتاً ومبعثراً. قد لا أفهم معنى الارتداد من رأسها. ولعلي لا أريد فهمه وأنا منغمر في حالة حب تملكتني أكثر مما يجب حتى أتعب.
تموت بين لساني الكلمات. أتحشرج بها. أفقد الكثير منها، تلك الكلمات التي تستأنف في ذاكرتي لتقويض المسافات المتباعدة بيننا، تلك التي أجدها بعد كل لقاء. انهض من لساني وحنجرتي وفمي وقلبي لأقول كلاماً آخر، ربما هو أكثر مضاءً في الحب الذي أعاني منه معها. تلك غريزة تنبثق من أعماقي المسحورة. أحاول أن تكون نافذة فيها، تلك المرأة التي تحيّرني بتقلباتها الانثوية التي لا يمكن لي معرفتها. حيرة العاشق العاجز عن مجاراة مَن يحبها ويستسلم لها في كل صغيرةٍ وكبيرة. لكنه ينتظر مفاجآتها حتى لو كانت قاسية وصعبة، فالطريق الى الحب لا عودة منه. لا بديل عنها. الحب يكون هكذا. ترمي كل سهامك على الفريسة ولا تنتهي سهام الحب فيك. بالرغم من إننا جلسنا في المكان ذاته أكثر من مرة. كنتُ انظر الى وجهها المضاء بشاشة الموبايل. أتأمل سحر التكوين عليه. بينما انشغلت في معظم لقاءاتنا بموبايلها المطروح على راحة يدها الغضة. تكلم عدداً من صديقاتها وتكتب رسائل متوالية لهنّ. تبتسم وتتجهم بين لحظة وأخرى، قبل أن تعود لي بوجهٍ فيه ابتسامة بعينين بنفسجيتين تعكسان أضواء المكان وطيفه البنفسجي.
لم أشعر بالملل والتجاهل. بل كنت أتفحص؛ هذه المرة وكما في كل مرة؛ وجهها المدور الأسمر الناعم، وشفتيها الرقيقتين وعينيها اللتين تنسدل عليهما رموش طويلة، وشعرها الطافح بالسواد، وقميصها الفضي الذي يرتفع بطريقة مثيرة. يحدد المساحة العريضة من صدرها المضغوط، حتى وصلت معها الى الساعة الأخيرة من اللقاء الذي ينتظرني. فأدركت بأنني في امتحان الساعة المتبقية التي ستجمعني بها, ساعة واحدة أخيرة تفصلني عن محاورة أتوقعها غير مريحة مع شذى التي انجذبتُ اليها، كما ينجذب المغناطيس الى مسمارٍ ذي رأس مدبب.
في الساعة المنتظرة تبخّر كل شيء من رأسي. بات صفحة بيضاء. أريد أبدأ من جديد، وأغلق هذا الملف الشائك. وقتها سعيت الى المكان بخفّة طائر لا شجرة يحط عليها غير شجرة الكافتيريا الظلّية التي يقبع تحتها كوخ من خشب وحوض وشلال منهمر وسمكات صغيرات، بينها سمكة سوداء كإصبع متفحم، كثيرة الحركة. أحياناً أراها تبصق في الماء فتزيد من الفقاعات المتزاحمة حولها. كمن تريد إخفاء نفسها وتتوارى عن الانظار.
لقاء الأمس ترك بي إحساساً من إن في كلامها وأسئلتها وتداعيات الحوار خشونة لم آلفها في مواعيدنا السابقة. لا أعرف أهي خشونة انثى تخشى من التجربة وتكرارها، أم هو وعي مضخّم أكبر من عمرها الثلاثيني. ربما هو تثاقف فوضوي لم تسيطر عليه، وقد ظهر في اللحظة الأخيرة من لقاء الأمس. كان وعياً ملتبساً عليّ. مخيفاً. لم يكن في أوانه. ربما أدركت ولأول مرة بفهمها لِما تقوله. بدت تماماً من إنها كانت مستعدة لتقول الذي لا يُقال في جلستنا المتاخمة لمائدة الأسماك الملونة الصغيرة، وهي تتشاجر في ما بينها كلما زاد تدفق الشلال عليها.
كانت واضحة وغامضة ومحيّرة. خفتُ منها. خفتُ عليّ من هذا الاندفاع الذي لا أعرف نهايته. لكنني بفطرة الرجل العاشق الذي يكتسحني، شعرت بدبابيس الحوار الملغّزة تنغرز بي بين لحظة وأخرى. فكنت مرناً. متجاهلاً في بعض الدقائق. وصادماً في دقائق أخرى. أعتقد قد ظهر في داخلي ذلك الذي لا يظهر عادة في لقاءات أليفة، لا تتقاطع فيها معادلة الحب، ولا تنجرف فيها رومانسية القلوب الى ظنون تالية. لهذا؛ وأنا ذاهب اليها متوتراً؛ أستعيد أخريات الحوار بروح فيها قلق لم أستطع كبته وسِتره والتحايل عليه. لا أخدع نفسي كثيراً. لكنني أمضي اليها كما في كل مرة، بالأشواق ذاتها، والحرص على تطويقها من الجوانب كلها. فلعلني بالغتُ في تفسير ما قالته. هذا القلق. الخوف. الشك. هو طبعُ المحب. العاشق. الذي لا يرى أنثاه إلا بهذه الطريقة التي لا تقل تعقيداً عما تفكر به شذى وتقوله بقوة لا تليق بي وبها وبالمكان الذي حفظ حرارة أجسادنا في لقاءاتٍ سابقة.
" أمامنا 24 ساعة كاملة. يوم واحد يكفي. لا ألزمكَ بشيء ولا تلزمني بشيء. هذا هو الحب؛ أن لا تعدني وأعدك، ثم نتزوج، بعدها نكره بعضنا ونتحايل على بعضنا، ثم نقرر الانفصال."
" هههه اختصار زمن طويل بكلام قصير."
" الذي في داخلك ليس هو بداخلي."
كانت عيناها أكثر إضاءة، ووجهها أكثر احتقاناً:
" صراحتك في غير محلها. تعقّدين الأمور هكذا."
" لا أخدعك."
مدّت أصابعها في الحوض القريب، كأنها تريد أن تمسك واحدة من السمكات الصغيرات:
" انا امرأة تجربة منفصلة. قضيت ثلاث سنوات في الزواج، فعرفت الحب من أين يأتي.. عرفتُ إن للحب نوافذ ومرايا وانعكاسات وأوقاتاً أخذتُ أفهمها عندما كنت متزوجة في ذلك الخطأ."
صرت محايداً:
" قد لا يتكرر ما تتصورينه خطأ."
" وقد يتكرر."
" أترين الحب يجعل العشاق حكماء؟"
" اتضح لي بأن الحب نزوة جسد لا أكثر من هذا."
" هل هذه حكمة ؟"
" الحكمة يفرزها العقل كالهرمون المتضخم فيه. الحب لا يفرز غير النزوة."
الساعة الأخيرة كانت حرجة لي ومتداخلة في أعماقي. ذهبت ماشياً الى كافتيريا اللقاء. سأنتظرها أو تنتظرني تحت اللون البنفسجي الخافت. هي امرأة ليست حساسة كثيراً من هذا الأمر. لا يهمها مَن يصل قبل مَن. نضجها الغريب يفيض عليها فيجعلها صعبة وصلبة وأحياناً قاسية. تتمتع بحاسة ثلاثينية للحياة. حاسة لا نمتلكها كثيراً لاسيما نحن الرجال.
- انتم أسرى اللحظة بما فيها من شهوة فظيعة.
- لا تحجّمي العلاقة بهذه الطريقة.
- لم أقل بأنني أحبكَ. لكن يمكن تحديد علاقتنا على وفق ما أراه مناسبا لنا نحن الاثنين.
- لا تجعليني أشعر في هذا التحديد تجاوزاً على رجلٍ أحبكِ.
- ليس الأمر بهذا التصور.
- تضعين العلاقة في قارورة ضيقة جداً.
- لا أريد تجربة ثانية. انها مرارة الزواج التي لا أجيدها. أصبحت امرأة خارجة من قانون كيميائي. امتزاج لا أطيقه. ولست مستعدة ان أمتزج بكيمياء أخرى تعيد لي ما خضته من تجربة مريرة.
- تجربة واحدة لا تكفي كثيراً أن تنظري الى الحياة من خلالها.
- أظن إن المرأة ليست فأرة للتجارب. صورة واحدة لرجل أرتني الكثير من الصور المخفية تحت الثياب.
مررتُ بعمارات عمودية يصعد وينزل منها ناسٌ كثيرون كمن يتسلقون بجهد جبلاً مرتفعاً. محال متقاربة ومتباعدة. أسواق ومولات مزدحمة. كافتيريات تتقدمها مصابيح بألوان كثيرة ونشرات ضوئية ضعيفة الإضاءة، شبه مظلمة. رجال ونساء وأطفال وعربات صغيرة. سيارات وشوارع متقاطعة وأرصفة تمشي وعلامات مرور تشتعل وتنطفئ. فانغمرتُ في فوضى المدينة شارد الذهن كثيراً. كنت أرى الحياة تصطخب فيها، وأضواؤها تفتح الأمكنة الصغيرة والكبيرة، والوقت يتآكل بالتدريج. كإنما صخبها وفوضاها دخل بي، فمشيت متسارعاً أحمله ويحملني. لذلك كانت الأمكنة تنسحب وتتوارى خلفي. معها الأضواء والأسواق والمولات والعمارات والناس والسيارات والشوارع والأرصفة، والدقائق العشر الأخيرة أوصلتني على باب الكافتيريا المضيئة وروائحها المثيرة كعطور مختلطة على جسد عروس. على مائدة في زاوية بنفسجية خافتة الاضاءة، تكشف كوخاً خشبياً ينفث شلالاً متسارعاً على حوض فيه أسماك اصبعية ملونة رشيقة، وكانت السمكة المتفحمة على سطح الحوض تنظر الى مكاني الفارغ.
شذى وصلتْ قبلي كما كنتُ أتوقع.
كانت جالسة قبلي. منشغلة بحاسبة أمامها. قد تشاهد فيلماً كعادتها. أو تقرأ في كتاب pdf أو تتصفح مواقع معينة. بريقٌ على وجهها يتوضح وأنا أخطو من المائدة ذاتها؛ من عطر انثى لها تجربة مضت ظلت تزعجها ولا تود تكرارها. حتى انجذابي اليها كانت تتردد في قبوله والتعويل عليه. فيها مسٌّ من شيء لا أدركه بالضبط. ربما في الوعي الذي فاض فيها. أو الفوضى المكتظة حولها في التجربة التي لا تود شرح تفاصيلها لي. فالقسوة التي ظهرت فيها كانت مانعاً لأن أتقدم اليها خطوة إضافية، بالرغم من كوني ظاهراً أمامها، ولم أترك ورائي ما يمكّنني من الرجوع فيه. أغلقت ورائي كل شيء. هي أمامي، تجسد لي فورة الحياة والحب والبدايات السعيدة التي ألمحها في كل جزئية منها. لم أكن على خطأ وقلبي يختار امرأة حرة الان. مستقلة. عنيدة وراقية. تراجع الحياة التي عاشتها والتي تعيشها بطريقة قد لا نألفها في النساء.
صافحتني وهي جالسة. أطفأت الحاسبة الملازمة لها. فنجان قهوتها أمامها. والخرير الناعم لشلال الكوخ الخشبي يجعل السمكات الصغيرات يتقلبن مع الموج الصغير والفقاعات الطافحة. الضوء البنفسجي الخافت يلوّن شعرها المنسدل على جهتي صدرها. الأسماك كما هي. لا تشعر بمرور الليل وأرقه. والشلال ما يزال يتدفق. والفقاعات تزيد الحوض غموضاً. والسمكة السوداء ما تزال على سطح الحوض.
- ماذا ترى؟
قلت ، ناظراً الى الشلال الصغير المتدفق الى جانبنا:
- يبدو إن السمكات تعقّد الموج الذي تسبح فيه.
كان وجهها بنفسجياً:
- السمكة السوداء هذه المرة ابتعدت عن صويحباتها.
- ترى ما لا نراه.
كانت عيناها تنظران الى فورة الحوض والماء المصبوب عليه من أعلى الكوخ.
قالت؛ كإنما ربطت الحوض بما في داخلها من فوضى:
- يحدث أن أعقّد الموضوع برأيك ؟
كنتُ أليفاً كما يجب, وعاشقاً كما أريد:
- أنتِ سمكة الحب التي تحت شلال ماء في كوخ يكفي لتفكري بصوت عالٍ.
لم يغرِها القول.
لم تبتسم.
تابعتْ:
- صياد الأسماك غالباً ما يكون صبوراً.
- الصبر. حكاية معقدة اخترعها العشاق على ما يبدو.
صمتت.
واصلتُ:
- يوجد هدف يتوجب السعي نحوه.
- أعماق المحيطات غامضة جداً.. اسأل السمكة السوداء.
- أسميها عروس الكافتيريا هههه أعتقد بأنها انثى.
الى جانبها كرسي فارغ, عليه حقيبتها البيضاء. والى جوارها حقيبة الحاسبة السوداء. نظرت لي. في عينيها لمعة جميلة لكنها غامضة. وقميصها فضي أيضاً، تطرزه ورود بيضاء محفورة ببياضٍ آخر غير واضحة تماماً. ولولا بروز صدرها المشدود لما رأيت وردتين فضيتين مستدقتين على شبح حلمتيها.
سألتني:
- ماذا حدث خلال الـ 20 ساعة التي مضت؟
نطقتُ بهدوء:
- لا شيء..!
تساءلتْ:
- هل كنت تفهمني ؟
- لا.
- أنت واضح.
قلت بشيء من التريث:
- وضوحي هو من المحبة التي أكنّها اليك.
أعادت الفكرة بطريقة أخرى:
- أريد أن انزع الحب من قلبك.
كان شكلها جميلاً.
تساءلتُ:
- وماذا يبقى مني لو تنزعي من قلبي الحب؟
كإنما تتوقع تساؤلي. لهذا استدركتْ:
- انت.. فقط.
أعدت تساؤلاً آخر:
- وماذا يعني لك هذا ؟
- يعني أنتَ.. لا أكثر من هذا.
تعمقتُ في عينيها:
- يُفترض أنا الحب.. ولستُ أنا.
ردت بذكاء:
- لا.. أنت شيءٌ آخر.. الحب عاطفة تغلّف كيانك الذي أمامي وتتغلب على شخصك المخفي.
كانت أمامي وجهاً لوجه. أشم عطرها. أشعر بالكوخ المائي كله من عطرها. وددت أمسك اصابعها الممدودة مع كفها أمامي. كانت انثى صُنعت من كل مادة معطرة.
- أمسكها.. إنها أصابع. لست أنا على كل حال.
وضعتُ كفها الناعمة في كفي. أمسك نعومة السمكة السوداء التي بقيت طافية على سطح الماء. تنظر الينا على الأرجح.
- أصابعي هي أسماك هذا الكوخ. لن تجد فيها ما يغذّيك.
سحبت يدي ببطء من أصابع السمكة.
- تعرفي بحبي لك.
- أعرف بأنك مسكت أصابعي وسمحت لك.. عادةً ما تكون أصابع السمكة باردة.
- هذا جزء من استمكان الحب فيك.. حرارة الأعماق.
- عندما تجد يد السمكة باردة، فافهم بأنها.. باردة.
لفّني غموض آخر.
لم تتبدل ملامحها التي وجدتها منذ هذا اللقاء. لكن تغيرت فيها أشياء كثيرة، لست قادراً على رصدها.
- لا يمكن لي أن أفهم مثل هذا.
رأيت وميضاً ناعماً في عينيها الواسعتين. هو الوميض ذاته في كل مرة ألتقيها هنا. الى جانب السمكات الصغيرات في الكوخ المائي الصغير.
- هل تريد أن تتحسس جسدي..!؟
فتحت حقيبتها الفضية، وأخرجت موبايلها. وضعته أمامها:
- الجسد هو الحب.. تمام ؟
في تلك اللحظة ترسّخ بي بشكل واضح بأن شذى امرأة من نوع صعب.
- ليس هو الهدف.
ردت بعناد:
- تجربتي تقول هذا.
- تجربتك شخصية في الأحوال كلها.
- أعمّمها.
خطف بي شعور عابر من إنها تستفزني، وتحدد هدفي منها. فكنت أكثر واقعية منها.
- الوجود الجنسي بين المرأة والرجل فطرة وغريزة.
تعاندني:
- الحب ليس غريزة.
لبطت السمكات الصغيرات في الحوض المجاور لمائدتنا. كانت السمكة السوداء قد هبطت الى القاع، وبدت أكثر شراسة من غيرها. لكنها هدأت عندما تفجرت الفقاعات فوقها.
- عندما تموت فيك غريزة الجنس يموت الحب. يُفترض فهم هذا.
- بالرغم من إنه جسدي. لكنه روح يجمع روحين متباعدتين قبل هذا.
لم تعجبها فكرتي كثيراً.
- لا لا ..اتصال جسدي. لا أكثر. لا توجد ثلاث أرواح على فراش واحد.
- انتِ تقرأي الحالة من جسدك فقط.
- وجسدك أيضاً.
- لم يغرني جسدك. لم أفكر به.
- يكفي أصابعي هي جسدي. تحركت بك غريزة الجنس أكثر من الحب. الحب ليس هذا. الحب مضاد حيوي للجنس.
- البشرية أصلاً قامت على ثنائية الرجل والمرأة.. أي على الجنس وهو الحب.
لوت شفتيها:
- حتى الحيوانات قامت على هذا الأساس.
- لماذا ترفضي هذه القيمة الفطرية.
- جسدي يرفضها. هي علاقة مغشوشة باسم الحب.
- لم يحدث إن عروسين بعد حب طويل ينظران الى بعضهما في ليلة العرس.
لم ترد على مكالمة رنّ فيها موبايلها المطروح أمامها. وبدت أكثر استعداداً لتمرير فكرتها:
- يحدث كثيراً.. العروس تكون خائفة ومترددة ومرتعبة حينما تنتهي في غرفتها الوحيدة كلمات الحب المكررة. ألا ترى معي بأن اللغة ستتغير.. وكل الماضي الرومانسي ينتهي بين أفخاذها الناعمة ؟
- كل عروس تعرف بالفطرة ، بل ويتوجب أن تجعل أفخاذها ناعمة ووجهها جميلاً ورائحتها طيبة.. تعرف إن لغة أخرى ستحل بينها وبين عريسها.
أصرّت على رأيها:
- تخاف.. لهذا تبدو لكم متهيأة.
حاججتها:
- الخوف لا يجعل المرأة جميلة.
ارتفعت السمكة الى الأعلى. كانت تنظر الينا:
- في الظاهر هكذا.. أما في الداخل فالأمر عكسه بالضبط.
- أنت متطرفة. لا تؤمني بالفطرة.
- أنا حقيقية.. يشغلك الجنس بي أكثر ما يشغلك الحب.. الرجل مفضوح يا عزيزي.
اشتبكت سمكتان صغيرتان تحت تدفق الشلال الصغير. وكانت الفقاعات تغطيهما، لكنهما افترقتا بصعوبة بعدما كان الموج الناعم يجرفهما. بينما بقيت السمكة السوداء تدور حول الفقاعات، لكنها متوترة.
- يبدو بأنهما من بيئتين مختلفتين.. من بحرين ماؤهما مختلف.
قالت ذلك وهي تنظر اليهما.
- الماء مالح في البحار كلها.
قلتُ، وانا انظر معها الى الجمع الصغير من الاصبعيات الناعمة وهي تتلوى وتتعاقب في ما بينها. حتى نزلت السمكة السوداء بشكل سريع كسهم أسود الى القاع واشتبكت مع سمكات أخريات.
أعادت النظر لي:
- أعتقد إن إحداهما نهرية. لا علاقة لها بالبحر المالح. لهذا فهي منزعجة من وجودها بين كائنات مالحة.
أكملت:
- انها أنثى.. انهم يتقاتلون عليها.
غضضت النظر عن فكرتها. وكان من السهل ان أتساءل:
- هل كان عليها أن لا تتعايش في المكان؟
- عليها العيش وسط الكائنات المُرّة والمالحة. لكي تُحدث هذه الفورة في البحر.
تمتمتُ، وكنتُ أنظر الى الحوض الذي تعكر:
- هذه عروس الكافتيريا. تعلو وتهبط من دون بقية السمكات.
- أنت..
أشرت لها بيدي أن تصمت. كانت عيناي مفتوحتين عليها. بينما ظل الشلال المتدفق بالماء يخلّف فقاعات أكبر حجماً. وكنت أبحث بعينين محتقنتين عن السمكة السوداء المتشاجرة، لكن قوة الماء المندفع رفع أوساخ الحوض الصغير. والفقاعات التي ظلت تنتفخ على السطح حجبت عني السمكة السوداء التي تطوّقها بعض السمكات الملونة. لم أعد كما كنتُ أراها. كنتُ خفيف الأحمال في تلك اللحظة. ظل الحوض الماء في الحوض العكر يدير السمكات الصغيرات في فورة قوية. كنت في تلك اللحظة أرى المخفي عني في الحوض.
لم يكن قلقي الذي سبق وعيي في حادثة الحب معها قد جاء من فراغ. لذلك قررتُ الانسحاب بهدوء وثقة لم أكن أمتلكها في مضى من دون أن أقول شيئاً.
صافحتها.. أرتَدُّ الى داخلي بصعوبة تمكنتُ منها. كان عليّ طي الكثير مما قطعتُه من مسافات متعبة. وجدتُ بأنني قادر عليها في تلك اللحظة الفوضوية.
كانت يد السمكة باردة فعلاً؛ أبرد مما كنتُ أتصور.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...