نور الدين السد - الفلسفة في العالم العربي والإسلامي: . من أزمة التلقي إلى أفق التأسيس الحضاري

- الفلسفة بوصفها مرآة الوعي الحضاري:

لا يمكن مقاربة واقع الفلسفة في العالم العربي والإسلامي بوصفه مجرد شأن أكاديمي أو تخصص معرفي معزول، بل هو في جوهره تعبير عن حالة الوعي الحضاري للأمة، إذ إن الفلسفة – في معناها العميق – ليست بحثًا في المجردات فحسب، بل هي مساءلة شاملة للوجود، وللمعنى، وللمصير، وللإنسان في علاقته بذاته وبالعالم والتاريخ، ومن ثم فإن أي أزمة تعيشها الفلسفة هي في حقيقتها أزمة في بنية العقل، وفي شروط إنتاج المعنى، وفي قدرة الأمة على التفكير في ذاتها.
ومن هذا المنطلق، فإن تحليل راهن الفلسفة في العالم العربي والإسلامي يقتضي تجاوز القراءات الوصفية السطحية، إلى بناء رؤية تحليلية مركبة تستوعب الأبعاد التاريخية، والإبستمولوجية، والسياسية، والثقافية، وتكشف عن البنية العميقة للأزمة، كما تستشرف إمكانات التجاوز.

- أولاً: الفلسفة العربية المعاصرة بين أزمة الإنتاج ووهم التراكم:

أبرز ما يميز الواقع الفلسفي العربي المعاصر هو ما يمكن تسميته بـ"أزمة الإنتاج الفلسفي"، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن الفلسفة في العالم العربي لم تعد تنتج نظريات أو نسقًا فلسفيًا خاصًا بها، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى نشاط شارح أو ناقل للفلسفات الغربية، دون القدرة على إعادة بنائها ضمن سياقها الحضاري الخاص.
هذه الأزمة لا تتعلق فقط بضعف الإنتاج، بل بطبيعته أيضًا، إذ إن الفكر الفلسفي العربي يعيش حالة اغتراب معرفي مزدوج:
اغتراب عن تراثه الذي لم يتم استيعابه نقديًا،
واغتراب عن الحداثة التي يتم استهلاكها دون إعادة إنتاج، ومن هنا نشأت مفارقة عميقة: تراكم معرفي دون إنتاج فلسفي حقيقي، حيث تتكدس الترجمات والدراسات، لكن دون أن تتحول إلى "رؤية فلسفية عربية" قادرة على مساءلة الواقع وصياغة مفاهيمه الخاصة.

- ثانياً: إشكالية المنهج وازدواجية المرجعية:

يعاني الخطاب الفلسفي العربي الإسلامي من ازدواجية مرجعية حادة بين:
- مرجعية تراثية دينية وكلامية
- ومرجعية حداثية غربية
وهذه الازدواجية لم تُحلّ في إطار تركيب معرفي خلاق، بل ظلت في حالة توتر دائم، أنتج ما يمكن تسميته بـ"العقل المزدوج" الذي يفكر بأدوات غير منسجمة مع موضوعه.
وتتجلى هذه الإشكالية في:
- غياب منهج فلسفي عربي موحد.
- اضطراب المفاهيم والمصطلحات.
- الانتقال الانتقائي بين المدارس الفلسفية دون تأسيس إبستمولوجي.
وهو ما يجعل الفلسفة العربية تعيش حالة لا-منهجية، حيث تُستخدم المناهج دون وعي بشروطها أو أسيقتها.

- ثالثاً: الفلسفة والدين – من جدل معرفي إلى مأزق حضاري:

من أكثر القضايا تعقيدًا في الفكر العربي الإسلامي المعاصر هي العلاقة بين الفلسفة والدين، حيث لم تتطور هذه العلاقة إلى مستوى الحوار المعرفي، بل ظلت في كثير من الأحيان محكومة بمنطق الصراع أو التوجس المتبادل، فالفلسفة تقوم على النسبية، والنقد، وتعدد التآويل، بينما يُفهم الدين – في كثير من الأسيقة – بوصفه حقيقة مطلقة مغلقة، مما يحدّ من إمكان قيام حوار متكافئ بين الطرفين، وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا بسبب:
- تضييق مجال التفكير الحر في القضايا الدينية.
- الخلط بين "الدين" و"تآويله التاريخية".
- سيطرة الخطاب الوعظي على حساب الخطاب الفلسفي.
والنتيجة هي تعطيل الوظيفة النقدية للفلسفة في مجال هو في أمسّ الحاجة إليها، وهو مجال فهم الدين وتأويله في ضوء تحولات العصر.

رابعاً: الفلسفة والواقع – انفصال أم عجز عن التمثيل؟

من السمات البنيوية للفلسفة العربية المعاصرة أنها تعاني من انفصال شبه تام عن الواقع الاجتماعي والسياسي، حيث تتحول في كثير من الأحيان إلى خطاب نخبوي مغلق، غير قادر على التأثير في البنية الثقافية العامة، وقد أشار بعض الباحثين إلى أن المتفلسفة العرب يعيشون "خارج زمنهم"، إذ يستوردون مفاهيم لا ترتبط بسياقهم، ويعالجون قضايا فقدت راهنيتها، بينما يغيب الاشتغال على الإشكاليات الفعلية للمجتمعات العربية، وهنا تتجلى مفارقة خطيرة، فالفلسفة التي وُجدت لتفهم الواقع، أصبحت عاجزة عن تمثيله، ويرتبط ذلك بـ:
- ضعف الثقافة الفلسفية في المجال العام.
- غياب الفلسفة عن السياسات التعليمية الفاعلة.
- هيمنة الخطاب الإيديولوجي على حساب التفكير النقدي.

خامساً: العوائق البنيوية: اللغة، المؤسسة، والسياسة:

لا يمكن فهم أزمة الفلسفة العربية دون تحليل العوائق البنيوية التي تعيق تطورها، وأهمها:
1- العائق اللغوي:
إشكالية المصطلح الفلسفي في اللغة العربية، حيث يعاني من: عدم الاستقرار، وتعدد الترجمات، وغياب التوحيد المفاهيمي.
2- العائق المؤسسي:
- تهميش الفلسفة في التعليم.
- ضعف البحث الفلسفي.
- غياب مراكز التفكير الفلسفي الاستراتيجي.
3- العائق السياسي:
- تضييق حرية التفكير.
- الخوف من الفلسفة بوصفها خطابًا نقديًا.
- توظيف الفكر بدل تحريره.

سادساً: أزمة الفلسفة أم أزمة العقل الحضاري؟

إن التحليل العميق يكشف أن أزمة الفلسفة ليست إلا عرضًا لأزمة أعمق، هي أزمة العقل الحضاري العربي الإسلامي، الذي لم يحسم بعد علاقته بـ:
التراث، والحداثة، والعلم، والسلطة، والدين وسوى ذلك من الموضوعات الحيوية في الفكر الفلسفي.
وبالتالي فإن الفلسفة ليست غائبة، بل هي مُعطَّلة وظيفيًا، أي أنها موجودة من حيث الشكل، لكنها غائبة من حيث الدور الحضاري.

سابعاً: لابد من فلسفة عربية إسلامية جديدة – ولابد من أفق
التأسيس:

إن تجاوز هذه الأزمة لا يكون عبر استيراد فلسفات جديدة، -وإن كانت معرفة المنجز الفلسفي في العالم ضرورة - فإن التجاوز أكثر من ضرورة ، ويكون ذلك عبر تأسيس فلسفة عربية إسلامية أصيلة، تقوم على:
1- إعادة بناء العلاقة مع التراث، ليس بوصفه مقدسًا، ولا بوصفه متجاوزًا، بل بوصفه مادة للتفكير النقدي المنتج.
2- إنتاج المفهوم لا استهلاكه، أي الانتقال من الترجمة إلى الإبداع المفاهيمي.
3- تحرير العلاقة بين الفلسفة والدين، من خلال بناء فضاء تأويلي جديد يسمح بالحوار بدل الصراع.
4- ربط الفلسفة بالواقع، وذلك بتحويلها إلى أداة لفهم التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
5- تأسيس عقل تأويلي جديد، وهنا يمكن أن نقر بأفق فلسفي تأويلي جديد، مثل ما سعت إليه بعض المشاريع الفلسفية العربية الحديثة على الرغم من محدوديتها وأنحصارها في إطار نخبوي ضيق، حيث تحول النص الفلسفي إلى منظومة خطابية مولدة للفكر ، لا مجرد موضوع للتفسير التقليدي، لكن توارت جل الجهود والمشاريع الفلسفية العربية الحديثة، وغيبت لأن الأسيقة الداخلية والخارجية لم تكن ملائمة، ولم تكن في صالحها، ولذلك لم تخرج من أسوار الجامعة، ولم تشهد العناية اللازمة، من حيث النقاش والنقد والمحاورة...

خاتمة
- من الفلسفة التابعة إلى الفلسفة المؤسسة:
إن الفلسفة في العالم العربي والإسلامي تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، إما أن تظل تابعة، شارحة، مستهلكة، وإما أن تتحول إلى فلسفة مؤسسة، منتجة، ومؤثرة في مسار الحضارة، ولن يتحقق هذا التحول إلا بإعادة بناء العلاقة بين الفكر والواقع، وبين العقل والوحي، وبين التراث والحداثة، في إطار مشروع حضاري شامل يجعل من الفلسفة أداة نهضة لا ترفًا ثقافيًا...
- إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل لدينا فلسفة؟ بل أصبح: هل نملك الشجاعة لإنتاج فلسفة تخصنا؟

. نورالدين السد

-----------------------------------------

- ملاحظة خارج النص:

- إن حديثنا عن ( الفلسفة في العالم العربي والإسلامي: من أزمة التلقي إلى أفق التأسيس الحضاري) ليس من منطلق أيديولوجي أو بدافع العصبية والهوى، بقدر ما هو نتاج قراءات استغرقت سنوات طوال، إذ لاحظنا أن معظم المشاريع الفلسفية العربية والإسلامية توهجت في أوانها، ثم أخمدت بعد حين، ولم يراكم عليها بالنقد والتطوير والإضافة ، وتم ركنها في رفوف المكتبات، ولم تلق الاستجابة المأمولة في الواقع، وظل السؤال عالقا، بل شكل هاجسا معرفيا، وحيرة لا تزال تبحث عن إجابة مقنعة ، ومن هنا كانت هذه القراءة العجلى، على إيجازها تحاول مقاربة موضوع أزمة الفلسفة العربية والإسلامية وأسباب قلة الإنتاج...
وخلصت إلى أن المنجز الفلسفي منها إما تابعا أو شارحاً، أومستهلكا، بالإضافة إلى كونه معزولا عن حركية الواقع العربي وعن خصوصية ما تعيشه الأقطار العربية والإسلامية عبر سيرورتها التاريخية، بل لم تطرح بدائل للإقلاع بالراهن العربي والإسلامي ومعالجة ما يعيشه من تخلف وتبعية في الأغلب الأعم...
وإذا حدثني عن جهود الجامعات العربية والإسلامية ومراكز البحوث المتخصصة فأقول إنها لم تنتج فلاسفة، بقدر ما أنتجت مدرسي فلسفة ، وناقلي مقولات، ومعلومات فلسفية، مقرونة بحفظ أسماء فلاسفة من سقراط وافلاطون وأرسطو إلى هيغل، وسپينوزا ، وماركس، وفوكو، ودريدا وسواهم من الغربيين، وغيرهم من الفلاسفة العرب والمسلمين القدماء والمحدثين، نعم لقد أنتجت الجامعات ومراكز البحوث ومعاهد الفلسفة مدرسين أو معلمين غير قادرين على إنتاج المعرفة الفلسفية، وغير قادرين على تبليغ وتعليم طلابهم آليات التفكير النقدي الفلسفي لحل بعض المعظلات الجوهرية التي تعيشها مجتمعاتهم، فما بالك بالمعظلات التي يعيشها العرب والمسلمون راهنا...
- لهذه الهواجس المعرفية ما سبب لي كثيرا من الأرق، وحرمني النوم ليالي وليالي، أتمنى أن أجد الإجابة عنها عند أهل الاختصاص... وصح النوم ...

- صور الفلاسفة والمفكرين في أسفل المقال مأخوذة من صفحة فيسبوك (أنصار الفلسفة).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...