سنية عبد عون رشو - الضوء الخافت.. قصة قصيرة

هناك عند منعطف الطريق ... في ركن ضيق مظلم أشاح الرجل النحيل بوجهه عن شاشة التلفاز في المقهى الكئيب ..... حيث تنثر احدى قنوات الحقائق الكونية عطر مآسيها المباح ... صاح أحدهم ... من فضلكم مللنا نشرة الاخبار وإحصاء الموتى .... وصرح فلان وأعترض فلان... وما زالت قوافل الحزن توحي بالنهاية وتغلف الارواح المثقلة خارج تأريخ البشرية .... هناك فانوس خافت في أحد أركان المقهى تدور حوله مجاميع النمل والعناكب ويجذب رفيف أرجل البعوض المتراقص حوله لتحترق أجنحته لحظة احتضانه بريق الضوء الخافت ... عامل المقهى..... دعونا نستسقي الفرح من قناة اخرى .... ساد صمت بين الحاضرين .... كل العيون اتجهت صوب شاشة التلفاز.... الا الرجل النحيل فقد كانت عيناه تراقب الرجل الغريب الجالس قبالته .... صاح شاب .... هذا فلم رائع ..... وصاح الثاني.... كنت أتمنى رؤيته منذ مدة فقد سمعت ان فيه لقطات حية من الحرب العالمية الثانية .... وقال ثالث .... اللعنة .... أكره الحرب وأكره صرير عجلاتها وطبولها التي مزقت أوتار سمعي .....!!! أخذوا يسردون حكايات قدرهم المنحوس على هذه الارض ..... يبتسم الحوذي صاحب العربة ... دون ان ينبس ببنت شفة أما الرجل النحيل الاشيب.... فقد وجد نفسه في منأى عن مطارق فؤوسهم التي ينحتون بها الهواء ...... لينزوي في ركن بعيد في زاوية المقهى.... وهو يفرك يدا بيد وعيناه تراقبان باهتمام مايجري من احداث ..... أخذ يتحسس أضلاعه التي بانت حتى ليسهل عدها ..... لم ينتبه اليه أحد .... فقد تعود الانزواء والصمت أزاء الحوارات السياسية الساخنة..... من هذا الرجل .....؟؟...... ولماذا تعمد ان يجلس قبالتي .....؟؟؟ شعر بانقباض داخلي وهو يردد في سره ربما لا يعرفني .... لكن المصادفة تلعب دورها فكان قبالتي دون قصد ....!! خطرت فكرة جديدة في ذهنه .... فقد يكون من طرف صديقه الذي أقرضه مبلغا من المال قبل مدة ..... فبعدت عنه المدة ورغب ان يذكره ..... أغمض عينيه ثم ضغط بقوة على رأسه بيديه نافرة الاوردة والشرايين...... وبدون مقدمات..... أطلق قهقهة عالية ..... انتبه لها الحاضرون وكذلك الرجل الجالس قبالته .... لكنه لم يعره اهتمامه .... كان يبحث عن نسيم يداعب مسامات روحه الترفه التي تتوق للحقيقة وسط أجواء اللامعنى.... ما الذي أثار قريحتك فضحكت هذه الضحكة المجلجلة....؟؟؟ .... قال عامل المقهى اكتفى ان يومئ له بيده ان يصمت ..... وهو يحدق بعيني الرجل الغريب راودته فكرة أخرى لكنها جنونية وخارج نطاق المنطق... فقد خيل له ان يكون هذا الرجل المهيب ذو الطلعة البهية والقامة الفارعة هو ملك الموت بعينه ... جاء ليقبض روحه المتعبة وجسده النحيل الذي لايقوى على مجهود سوى الجلوس هنا في المقهى المظلم .... أنتفض مذعورا لهذه الفكرة الحمقاء ..... اتجهت قدماه صوب الرجل الغريب.... فألقى تحيته و جلس بجانبه .....مضت دقائق صمت.... دون ان يتمكن من صياغة جملة مفيدة واحدة..... التفت اليه الرجل الغريب قائلا ..... هل عرفتني ....؟؟ ثم تابع قوله .... أنا أعرفك .... لكني ترددت في الدخول معك في حديث.. ..... وإني لأتساءل مندهشا .... ما الذي أتعبك....؟ كأن وجهك يشكو من حالة الاضطهاد المزمنة....!! ..... كنت أراقبك .... خلتك مريضا أو رجلا معتو........ عفوك سيدي تلعثم لسان الرجل النحيل وعقد ما بين حاجبيه قائلا .... من أنت ...؟؟ الرجل الغريب .....أنا ( ... .. ) جارك وصديقك قبل عشرين عاما ..... لكني تنقلت في ارض الله الواسعة الكبيرة .. ..... و أخذت عهدا قطعته على نفسي ان أعود لمسقط رأسي في الوقت المناسب ..... حاولت جاهدا إقناع أسرتي بذلك ..... وها انا اعود .... أخذت متابعة اجراء معاملتي الرسمية ...... لكن وضعك المريب نفسيا وصحيا هزّ بدني ......وذكرياتي المخزونة عنك تقول كنت الموظف الأنيق الظريف الروح الذي يشغل اهتمام النساء في الدائرة ........ انتابتني الحيرة ورافقني القلق والخوف تجاه قراري .... فبماذا تنصحني .....؟ وكيف تطلب الحكمة والنصيحة من رجل معتوه بنظرك و في عداد الموتى .....؟؟ يمكنك ان تسأل الحوذي صاحب العربة .... فهو من نثق به دائما .... يغرقان بحديث عن الماضي .... وذكريات الطفولة البريئة ... بالمناسبة ما أخبار فتاتك التي كنت تحدثني عنها .... هل هي زوجك الان ......؟؟ تنفس الرجل النحيل عميقا ثم أبتسم وأطرق رأسه أرضا ..... تلك مضت بطريقها وضيعتها مني الحروب ..... اما زوجي فامرأة ريفية من قريتنا ... .... باغته دخول ابنه الصبي ..... وكان شاحب الوجه يرتدي دشداشة قصيرة متهرئة ..... حافي القدمين ..... تنتشر بقع بيضاء على أديم وجهه .... ينفخ لبانا بين شفتيه .... رافعا صوته لبيع السجائر ولفائف المناديل الورقية دون ان يقترب من أبيه أو حتى يكلمه ..... هذا البائع أبنك .... اليس كذلك ....؟؟ نعم انه صورة أخرى بحاجة للدرس والمناقشة .....!!! يراه الحوذي صاحب العربة كل يوم لكنه لا ينبس ببنت شفة ...... أنظر في أسفل شاشة التلفاز فقد قرأت خبرا مفاده ان العراف قد تنبأ بحدوث عاصفة رملية وجفاف شديد في هذا العام .... ولكن قطيع الغزلان المتقافزة فوق سفوح التلال قالت .... ان الامر ليس صحيحا ...... مما أثار نوبة الفرح في نفسي ولكن ليس لدي سبب مقنع لتوضيح الاشياء واستجلاء الحقيقة لحد هذه اللحظة ......!!! واني في انتظار من يأتيني بنبأ من سبأ .... فلعل الهدهد يمر من هاهنا ... ..... انطلق صدى صوت السياب ليقتحم أبواب ضمائرنا وليلامس بحنان عذابات قطيع الغزلان المتقافزة فوق سفوح التلال ..... ولا يهدأ الداء عند الصباح ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى ولكنّ أيّوب إن صاح صاح: سنية عبد عون رشو

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...