أ. د. عادل الأسطة - البصاص...

حدث ذلك فجأة
كان ذلك ظهيرة يوم جمعة، ولم يكن يتوقع ما جرى، جاء الشرطي وطلب منه أن يرافقه إلى مخفر الشرطة القريب، وبعد دقائق وجد نفسه في الزنزانة وحيداً، وفيها أنفق سبع ساعات بلا طائل، هذا ما اعتقده، فلم يفعل شيئاً سوى أنه كان وصديقه الذي غادر قبل لحظات يقفان في غرفته ويطلان، من نافذتها التي تشرف على ساحة بيت الجيران، على مخيم الحسين. وحين حاول أن يعرف سبباً لذلك اتهمه الشرطي دون أن يصغي إلى وجهة نظره، بأنه يتلصص على بيته ويغازل ابنته.
وفي الزنزانة أخذ يقرأ ما كتب على جدرانها غير مكترث كثيراً لامتحان الغد الذي كان يعد له، فهو يحفظ المادة، وإن كان بحاجة إلى مراجعتها ذلك المساء حتى تثبت في ذهنه جيداً، وقال مخاطباً ذاته: سوف أطلب من الأستاذ، إن استمر وضعي على ما هو عليه حتى الصباح، تأجيل الامتحان، ولما أنهى قراءة الكتابات كلها جلس على أرض الزنزانة يبحلق في الفراغ.
" هكذا إذن، أن تقبع في هذا المكان لأنك كنت تنظر من شباك غرفتك، وكأنك قلت لابنة الشرطي أن تقف لتنظر أيضاً إلى شباك غرفتك التي أقمت فيها حديثاً. وماذا لو ظلت تنظر إليك طيلة النهار؟ هل ستذهب إلى مركز الشرطة لتشتكي عليها بحجة أنها تنظر إلى شباك غرفتك، وتلك المرأة، سيدة المنزل التي تطل شرفتها على سطح البناية التي تقيم فيها، ألا تظل طيلة النهار جالسة على شرفة منزلها منتظرة زوجها حتى يعود من عمله. فَهَلْ يحق أن تتهمها بأنها تغازلك.
وضحك كثيراً حين قصّ عليه صديقه الذي يقيم في الغرفة. قصته، وصديقه المسيحي مع أهل البناية. في البداية غبط صديقه، على غرفته لأنه أخذ يقارنها بالغرف التي أقام فيها من قبل، وبتلك التي يقيم فيها الآن في وادي الحدادة. فقد بدت له الغرفة ممتازة جداً، فهي واسعة من ناحية وتقع في جبل الحسين من ناحية أخرى، وكان جبل الحسين، في بداية السبعينيات يعتبر حياً راقياً، من أحياء مدينة عمان التي كانت مدينة صغيرة، واستغرب، يوم دخل بيت جورج حبش الذي كان يقع أيضاً في جبل الحسين ذاته، أن يكون الحكيم شيوعياً وبرجوازياً في الوقت ذاته، ولم يكن يدرك أن من حق الشيوعي أن يحيا حياة حرة كريمة وأن يتمتع بقدر لا بأس به من الرفاهية، وأخذ وهو في بيت الحكيم، يهمس: " وها أنا الكادح ارتع بعض ساعات في بيتك، وأتعرف على عادات البرجوازية الفلسطينية الصاعدة، التي حلت مكانك" . وفيما بعد أخذ يصغي إلى شاب فلسطيني من اتباع الحكيم – وكان تعرف إليه عن طريق فتاة أراد الشاب أن يتزوجها ورفض أهلها لأنه ذو توجه سياسي – وهو يلعن البرجوازية الفلسطينية التي تلومه الآن لسلوكه ( لقد كنا في أيلول، نقاتل دفاعاً عن الثورة، وكان البرجوازيون يبحثون عن بيوت القادة ليشتروها. هكذا يكافأ الثوريون ).
وضحك كثيراً وهو يصغي إلى صديقه، وعقب على كلامه: " هذا غير معقول، هذه قصة لم أسمع بمثلها من قبل "، ولم يسمع، على الرغم من تجاربه في المخيم ومشاهدته لمعظم المشاكل التي عانى منها أهله، بقصة تشبه هذه، وربما يكون السبب في ذلك عائداً إلى أن المخيم الذي أقام فيه، لم يكن حتى نهاية السبعينيات، يتكون من بيوت ذات طوابق عديدة، وإنما كان لكل عائلة بيتها الأرضي الذي يفتقد درجاً يصعد المرء عليه ليصل إلى سقف البيت، ويتمكن لذلك من كشف بيت الجيران، ولم يكن أيضا يعرف حياة المدينة جيداً، على الرغم من أنه دخل بيوتاً في نابلس القديمة يكشف سكانها بعضهم البعض بطريقة لافتة، ولكنهم لا يكترثون لهذا، لأنهم من أبناء عائلة واحدة. ولعله لم يصغ إلى أحاديث تتمحور حول خلافات سببها البصبصة. لقد سمع وهو في المخيم، حكايات وحكايات وكان شاهداً على مشاكل كثيرة حدثت بين الجيران. شاهد مثلاً الشباب البالغين وهم يقفون أيام الخميس مساء قرب شباك حمام هذه الدار أو تلك، ليشاهدوا، من خلال الثقوب التي كانت تبرز بين ألواح الخشب الثلاثة التي يتشكل منها الشباك، جسد هذه الفتاة أو تلك، وليستمتعوا بذلك أيما استمتاع، حتى إذا ما كانوا وحدهم في منطقة حرجية خالية من السكان تذكروا المنظر ليجلب لهم اللذة، وسمع من أقرانه مثلاً أن جارهم الذي تزوج حديثاً كان يضاجع زوجته قرب المساء في ساحة منزله،وأنهم شاهدوه مراراً من تحت عتبة الباب، وطلبوا منه، حتى يصدقهم، أن يأتي ليرى هذا بأم عينه، وأصغى إلى الناس يتحدثون عن مشاكل كثيرة، مثل مغازلة شاب لفتاة، أو مضايقة رجل في أيام توزيع المؤن لامرأة تقف أمامه لاستلام حصتها، وشاهد هذا شخصياً يوم كان في الجامعة، فقد لاحظ صديقاً له يفعل ذلك، ولم يصمت هذا الزميل فقد قص عليه أكثر من هذا. وعاش شخصياً ما كان يحدث في أيام الصيف مساء: فجأة كان الجيران يخرجون من بيوتهم ليستفسروا عن من قذف الحجارة على بيتهم، وفجأة تبدأ المعارك بينهم، فيما ينظر الذين ضربوا الحجارة إلى المتقاتلين مستمتعين بالصراخ والشتائم ومد الأيدي واستدعاء الشرطة وتجمع أهل المخيم كله في مكان المشكلة، وما زال يتندر بقصة المرأة التي رأت شخصاً يضاجع حمارتها، فذهبت لأهله تطلب نصف رطل شعير مقابل ذلك.
" هذا غير معقول، هذا الذي تقصه لم أسمع به من قبل،أنه شيء جديد " قال لصديقه الذي أضاف: " أنهم يريدون أن يرحّلوا صديقي المسيحي ". وتابع صديقه بعد لحظة: " وأنا لا أستطيع أن أدفع ثمن أجرة البيت وحدي " وسأله: " فما رأيك في أن تأتي وتقيم معي؟ ".
لقد أعجبته الغرفة كثيراً، فالغرفة التي يقيم فيها كانت معبراً لا أكثر ولا أقل، ثمة بابان لها، أولهما في جهة الغرفة الغربية، وثانيهما في جهتها الشرقية، وهي تطل على واد لا يبعث الراحة في قلب الناظر إليه. فأمامها بيوت جرداء لا شجر حولها ولا تنظيم لها، ولولا الساحة الواسعة التي كان فيها ينفق ساعات يقرأ لشعر أنه مدفون في الحياة، وقد دهش يوم أقام فيها، لا لسوئها وإنما لأَنَّ صاحبها الأردني فضل أن يؤجرها بمبلغ عشرة دنانير، على أن يقيم شخصياً فيها، مكتفياً بالإقامة مع عائلته في البناء الأرضي، صاحبها هذا الذي لم يره إلا مرة واحدة، وذلك حين جاء في منتصف الليل شاهراً مسدسه لاعناً الطلبة وأباء آبائهم، هؤلاء الذين لم يتركوه ينام، وذلك بسبب احتفالهم الذي طال حتى ساعة متأخرة.
وقال لصاحبه: " أنت محظوظ لأنك وجدت هذه الغرفة، وأخذ يقص عليه عن الغرف التي أقام فيها في السنتين المنصرمتين اللتين أنفقهما هنا وهو يدرس في الجامعة الأردنية: " كانت الغرفة الأولى التي أقمت فيها في منطقة الجبيهة الباردة في الشتاء جداً، ولما شعرت بالوحدة وبعد المنطقة عن المدينة، فكرت بالرحيل إلى صويلح، وهناك رأيت دكان حلاقة قرر صاحبها تحويلها إلى غرفة ليؤجرها للطلبة، ولكنني لم أتفق مع صاحبها على الرغم من إن أصدقائي الذين حثوني على استئجارها ظلوا يسخرون من حياة الطلبة والغرف التي يستأجرونها، فعدت إلى المخيم قائلاً: من المخيم ابتدأنا وإلى المخيم نعود، وهناك أقمت في غرفتين لمدة عام، ولم يكن مخيم الحسين، كما تراه، بأفضل من مخيمنا، ولما انتهى العام الدراسي الأول تركتهما لتؤجرهما صاحبتهما العجوز التي تقتات من وراء أجرتهما، وفي العام الثاني أقمت في جبل النزهة مع صديق من المخيم ذاته، وبقينا في الغرفة التي لا حمام لها عدة أشهر حتى وجدنا شقة في جبل الحسين، بالقرب من المخيم، وسرعان ما غادرتها، لأمور خاصة، لأقيم في وادي الحدادة، في الغرفة التي رأيتها، هكذا هي غرف الطلبة، ولا مساكن في الجامعة لهم، والسبب في ذلك، كما اسمع، أن الحكومة، بعد أيلول، تخشى من تجمعات الطلبة، ولهذا أوجدت الجامعة سكناً للطالبات فقط" .
ولم يتردد في القبول على الرغم مما سمعه من صديقه، حمل أغراضه القليلة، ووضعها في السيارة، وأقام في غرفة واسعة على سطح بناية تتكون من طابقين: أرضي وأول، وشعر صديقه بارتياح كبير، قال له: الآن ربما تنتهي المشاكل على الرغم من قناعتي بأنها كانت مفتعلة، وأن الاتهامات التي وجهت له لم تكن صحيحة، وكان أصحاب البناية يقيمون في الطابق الأول، فيما كان بعض الطلبة، وكان واحد منهم يدرس في قسم علم الاجتماع، يقيمون في الطابق الأرضي، وتعرف إلى سكان الطابق الأول: امرأة سجانة وابنتاها وزوجة ابنها التي قدمت من مصر، ولم يكن في البيت سوى طفل صغير، وعرف، فيما بعد، أن إحدى بنات المرأة تدرس الطب في الجامعة، فيما كانت الأخرى التي طلقها زوجها ربة بيت.
وظل، وهو في الزنزانة يحملق في الفراغ، هبط الليل، ولم يستطع النوم، وفي الحادية عشرة مساء جاءه صديقه الذي عاد لتوه من اربد وعرف القصة من صاحبة البيت، وتوسط لدى الشرطة علهم يطلقون سراحه بكفالة. وغادر الزنزانة على أن يعود في اليوم التالي لاستلام هويته، فيما أنفق الليل كله يفكر فيما جرى، ولم يكن قادراً على استيعاب أي سطر، كانت عيونه وهي تمر على صفحات الكتاب لا ترى سوى الزنزانة والشرطي وابنته.
وقال لصديقه: " كنت أعتقد أنها مؤامرة من السجانة لولا أنها تدخلت معك في الأمر لإطلاق سراحي " وقص عليه الحكاية كما حدثت، وتابع حديثه : " ويبدو أن ما قلته لي عما حدث مع صديقك كان مجرد كذبة، أنهم يريدون الغرفة " وأصر صديقه على نفي ذلك، ذاهباً إلى أن الشرطي الذي يغازل النساء بعيداً عن بيته يخاف على أهل بيته، وأنه سمع من السجانة أنه متشدد جداً، على الرغم من أن ابنته لا تمانع في أن يغازلها شاب ما.
وكانت المرأة المطلقة تصعد بين الحين والحين إلى سطح البناية، وتنظر إليهما نظرات حقودة، فلم تكن، خلافاً لأختها الطالبة، تبادلهما وداً بود.وتعاطفت زوجة أخيها معها، على الرغم من أن هذه المرأة المصرية التي كان زوجها في الخليج، لم تكن تستطيع الخروج عن طبيعتها، فكانت تبادلهما، أحياناً، عبارات لا تخلو من مجاملة.
ولم يختلف الأمر حين غادر الشاب المسيحي. اختفت المشكلة التي حدثه عنها صديقه لفترة، ولكنها عادت لتبرز من جديد، أخبرت المطلقة أمها بأن ملابسها الداخلية سرعان ما تختفي بعد أن تنشرها على السطح. ويوم قالت هذا، وكان صديقه في اربد، قال للأم ولابنتها: يمكن أن تربطا حبلاً بين طرفي النافذة وتعلقا الملابس هذه عليه وتنتهي القصة، ولم يكن يشك في صديقه، الذي أخبره عن علاقته الغرامية بفتاة من المخيم أهداها، ذات نهار، بعض الملابس الداخلية، وأصر على رؤيتها وهي ترتديها، وأصرت المطلقة على نشر ملابسها على السطح قائلة: من لا يعجبه الأمر فليرحل.
وكان طالب علم الاجتماع القادم من الخليل يلح على المرأة صاحبة البيت بتأجيره الغرفة، تارة بحجة أنه يريد أن يتفرغ لدراسته، وبخاصة أن سنته هذه هي السنة الأخيرة، وطورا بحجة أن أهله سيأتـون لزيارته حتى يحتفلوا أيضاً، في نهاية العام، بمناسبة تخرجه.
وحين اقترح على صديقه البحث عن غرفة أخرى، لأنه كان غير قادر على استيعاب ما يجري، أصر صديقه على رفض ذلك قائلاً: نبقى حتى نهاية العام الدراسي ثم نغادر في منتصف حزيران، فما تزعمه ابنتها ليس أكثر من حكاية اخترعتها حتى يخلو لها الجو.
في اليوم التالي، بعد أن عاد من الجامعة توجه إلى مركز الشرطة في جبل الحسين لاستعادة هوية الجامعة التي تخصه، قال له الشرطي: طالب جامعي وتفعل هذا، ورأى أن شرح الأمور كما جرت ضرب من العبث، ولم يفلسف الأمور كثيراً، فلم يقل ما كان يفكر فيه: إذا كان الشرطي يخاف على بناته، فعليه أن يتركهن في غرفتهن، وليس من حق أحد أن يمنع الأخر النظر من نوافذ البيوت التي أقيم فيها، وآثر الصمت لأن غريمه، هذه المرة، هو الشرطي، وليس عبثاً أن قال الناس: إذا كان القاضي غريمك فلا تشتك إلا لله.
أكتب، قال له الشرطي، وأضاف: " أنا الموقع أدناه أتعهد بأَلا أبصبص من الشبابيك مرة أخرى "، وكاد ينفجر ضحكاً لولا أنه خاف من لكمة تأتيه فجأة، اعتذر في البداية عن الكتابة لأنه لا يريد أن يكتب ما يدينه، فما كان من الشرطي إلا أنه نادى على زميله قائلاً: خذه إلى الزنزانة، فغمزه الشرطي وهمس في أذنه: أكتب، وسوف تمزق الورقة بعد مغادرتك.
وسار باتجاه الغرفة، غير مكترث إلى لافتة البقالة التي تعرف، من قبل، على صاحبها. ولم تكن اللد التي كان يقرأ اسمها ليتذكر وطنه سوى رمز فارغ من محتواه، ولم يفكر كثيراً في زيارة أقربائه الذين أقاموا في بيت جورج حبش. واخذ يصعد الدرج وهو يفكر في أمر المطلقة وطالب علم الاجتماع والشرطي والسجانة التي أخذت، فيما بعد، تمنع عنه وعن صديقه المياه بحجة أنها لا تصل أيضاً إليها، ولم ير من بعد، من نافذة غرفته التي ظلت مغلقة حتى منتصف حزيران، مخيم الحسين.

ملاحظة: كتبت في 17/12/1996 ونشرت في جريدة البلاد ( القدس ) بتاريخ 18/6/1997.





ا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...