أحمد بوزفور - من الحُـبِّ مَا قَـتَـل...

في حماسة أبي تمام أبياتٌ جميلةٌ منسوبةٌ لجعفر بن علبة الحارثي. وبالرغم من أن الأبياتَ تتحدث عن الحب، فقد أوردها أبو تمام في باب الحماسة وليس في باب الغَـزَل. ويبدو أنه أُعجبَ بما فيها من الصبر والتجلُّد ساعةَ القتل، فاعتبرها شعرَ حماسة.
وأقترح عليكم، صديقاتي/أصدقائي، النصَّ الشعريَّ أولا، وبعده الشرحَ، ثم الشاعرَ المبدع، وبعده ظروفَ إبداع النص، وتعليقاتٍ عليه:
الـنَّـصّ
ـــــــــــــــــ
1 ــ هَـوَايَ مَـعَ الـرَّكْـبِ اليَمانينَ مُـصْـعِـدٌ
جَـنِـيـبٌ، وجُـثْـمَـانِـي بِـمَـكَّـةَ مُوثَـقُ
2 ــ عَـجِـبْـتُ لِـمَـسْـراهَـا وأَنَّى تَـخَـلَّصَـتْ
إلَـيَّ، وبابُ السِّـجْـنِ دونِـيَ مُـغْـلَـقُ
3 ــ أَلَـمَّـتْ فَـحَـيَّـتْ، ثُـمَّ قَـامَـتَ فَـوَدَّعَـتْ
فَـلَـمَّا تَـوَلَّـتْ كَادَتِ الـنَّفْـسُ تَـزْهَـقُ
4 ــ فَـلَا تَـحْـسِـبِي أنِّي تَـخَـشَّـعْـتُ بعـدَكُـمْ
لِـشَيءٍ، ولا أَنِّـي من الموتِ أَفْـرَقُ
5 ــ ولا أنَّ نَـفْـسـي يَـزْدَهِـيـهَا وَعِـيـدُهُـمْ
ولا أَنَّنِي بِـالْـمَشْيِ في القيدِ أَخْـرَقُ
6 ــ وَلَـكِـنْ عَـرَتْـنِـي مِـنْ هَـواكِ صَـبَابَـةٌ
كَـما كنتُ أَلْـقَى منكِ إِذْ أنا مُطْـلَقُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشرح
ــــــــــــــــ
1 ــ الـرَّكْبِ اليَمانِـيـن: رُكَّـاب الإبل القاصدين نحو اليَـمَـن.
مُصْـعِــدٌ: هنا بمعنى: مُبْعِـدٌ.. يقصد مكاناً بعيداً.
جَنيب: البعيرُ الجنيبُ والمَجْـنوبُ هو البعيرُ الذي يقوده الراكبُ إلى جنب بعيرِه الذي يركبه، فكأن هوى الشاعرِ السجينِ بعيرٌ مجنوبٌ مع الركب المسافرين إلى اليمن.
2 ــ لا يقصد الشاعرُ هنا حبيبتَه، بل طيفَها الذي تخلَّصَ إليه داخل سجنه. وعادةً ما يعجبُ الشعراءُ من طيف الحبيبة
وَأَنَّى اهتَدَتْ والدَّوُّ بيني وبينها
وما خِلْتُ ساري الليلِ بـالـدَّوِّ يهـتـدي
كما يقول الحطيئة (والـدَّوُّ: الفَلاةُ الواسعة).
وغالباً ما يتحسر الشعراءُ حين يَصْحُـون فلا يجدون الطيفَ ــ كديناصور مونتي روسو ــ بجانبهم:
ولكنه زَوْرُ يُيَـقِّـظُ نائماً
ويُحِـدِثُ أَشْـجَـاناً بقلبكَ تَـجْـرَحُ
بكلِّ مَبيتٍ يَعْتَرينا ومنزلٍ
فَـلَـوْ أنها، إِذْ تُـدْلِجُ الليلَ، تُصبِحُ
كما يقول المُرَقِّـش.
3 ــ أَلَـمَّـتْ: زارَتْ زيارةً قصيرةً.. وكذلك هي زيارةُ الطيفِ عند الشعراء، قال الأعشى:
أَلَـمَّ خيالٌ من قُتَـيْـلَـةَ بعدما
وَهَى حبلُنا من حبلها فَتَـصَـرَّمَا
وكذلك هي زيارةُ العشاق. يقول نصيب:
بِزينبَ أَلْـمِـمْ قبل أن يرحلَ الـرَّكْـبُ
وقُـلْ: إنْ تَـمَـلِّـيـنـا فما مَـلَّـكِ القَـلْـبُ
وقد استعمل القرآن الكريمُ (اللمَمَ) للدلالة على صغار الذنوب: (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحشَ إلا اللمَـمَ ــ النجم: 32)
واستثمر الشاعرُ وَضَّاح اليمن هذه الآيةَ فقال:
(.. فما نَوَّلَتْ حتى تَضَـرَّعْـتُ عندها
وأنبأتُها ما رخَّـصَ اللهُ في اللَّـمَـمْ)
4 ــ تَخَـشَّـعْـتُ: خَـضَـعْـتُ
أَفْـرَقُ: أخافُ
5 ــ يـزْدَهيها وعيدُهم: يستخِفُّها: يجعلها الخوفُ خفيفةً تكاد تطير من الرعب. يقول قَطَرِيّ لنفسه:
أقولُ لها وقد طـارتْ شَـعَـاعاً:
من الأبطال ويحكِ لن تُـراعي
أَخْـرَق: لا يُتقنُ شيئاً. والسجينُ عادةً أَخْـرَقُ المِشْيَةِ في القيد. ولكن الشاعرَ لا يخاف ولا يضطرب مشيُه حتى في القيد.
6 ــ عَـرَتْـني صَبابَةٌ: أَصابَتْني أو حَـلَّـتْ بي فجأةً قال الراعي النميري:
قالتْ خَلَيْدَةُ: ما عَراكَ؟ ولم تكنْ
بعد الـرقاد عن الشُّؤون سَؤولَا
وبهذا المعنى فسروا قول النابغة للنعمان:
أتيتُكَ عارياً خَـلَـقاً ثيابي
على خوفٍ تُظَـنُّ بيَ الظُّـنونُ
من: عَرَوْتُ الرجلَ أعروه فأنا عَـارٍ: إذا زرته.. وبهذا التفسير يزول التناقضُ في بيت النابغة بين (عارياً) وبين (خَلَقاً ثيابي)
أما شاعرُنا فلا تحسبوا هذه الرعدةَ التي عَـرَتْـهُ خوفاً من خصومه أو من الحاكم، وإنما هي هَـزَّةٌ تعتريه كلما تذكر حبيبتَه، سواء كان سجينا أو طليقاً. وهي مثل تلك الهَـزَّةِ التي كانت تعتري أبا صخر الهذلي الذي يقول:
وإني لَتَعْـروني لِذكراكِ هَـزَّةٌ
كما انتفضَ العصفورُ بَـلَّـلَـهُ الـقَـطْـرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر
ـــــــــــــــــ
هو جعفر بن علبة الحارثي، من بني الحارث بن كعب، وهو حفيدُ الشاعر الجاهلي عبد يغوث بن وَقَّـاص الحارثي، المعروف بقصيدته المفضلية الرائعة في الرثاء الذاتي:
ألا لا تلوماني، كَفَى اللومَ ما بِـيَا
وما لكما في اللومِ خـيـرٌ ولا لِـيَا
ألم تعْـلــما أن المَــلامَــةَ نفـعُـهَـا
قليلٌ، وما لومي أخي من شِـمالِيَا
والتي يقول فيها بيتَه الشهير:
وتضحكُ مني شَيْخَـةٌ عَبْـشَـمِـيَّـةٌ
كـأنْ لـم تَـرَيْ قبلي أسـيراً يمانِيَا
وخليقٌ بحفيدِ شاعرٍ كهذا أن يكون شاعراً. وقد قال زهير:
وهل يُنبتُ الـخَـطِّـيَّ إلا وَشِـيـجُـهُ
وَتُـغْـرَسُ إلا في منابِـتها الـنَّـخْـلُ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظروفُ النـص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحكي أبو الفرج الأصبهاني في (الأغاني)، عن مصادره، قصةَ هذا النص بقوله:
( كان جعفر بن علبة يزور نساءً من (قبيلة) عقيل بن كعب، وكانوا متجاورين هم وبنو الحارث بن كعب، فأخذتْه عُقَيْلٌ فكشفوا دُبُرَ قميصه.. وضربوه بالسياط وكَـتَّـفـوه، ثم أقبلوا به وأدبروا على النسوة اللاتي كان يتحدث إليهنَّ، على تلك الحال ليغيظوهن، ويفضحوه عندهن، فقال لهم: يا قوم، لا تفعلوا، فإن هذا الفعلَ مُـثْـلَـةٌ، وأنا أحلف لكم بما يُثلجُ صدورَكم: ألا أزورَ بيوتَكم أبداً.. فلم يقبلوا منه، فقال لهم: فإن لم تفعلوا ذلك فحسبُكم ما قد مضى.. أو فاقتلوني وأريحوني، فأكون رجلا قد آذى قوماً في ديارهم فَـقَـتَـلوه.. فلم يفعلوا، وجعلوا يكشفون عورتَه بين أيدي النساء، ويضربونه، ويُغْـرون به سُفَهاءَهم، حتى شَفَوْا أنفسَهم منه، ثم خَـلَّـوْا سبيلَه.
ولم تمض إلا أيامٌ قليلةٌ حتى عاد جعفر ومعه صاحبان له.. فلما كان في نُقْرَةٍ من الـرمل، أناخَ هو وصاحباه. وكانت عقيل أَقْفَى خَلْقِ اللهِ لأَثَـرٍ (يتتبعون الهاربَ من أثره)، فتبعوه حتى انتهوا إليه وإلى صاحبيْه، والعُقَيليون مُغْـتَـرُّونَ ليس مع أحدٍ منهم عَصا ولا سلاحٌ، فَوَثَبَ عليهم جعفر بنُ علبةَ وصاحباه بالسيوف فقتلوا منهم رجلاً وجرحوا آخرَ وافترقوا.. فاسْتَـعْـدَتْ عليهم (عُقَيْلٌ) السَّرِيَّ بنَ عبد الله الهاشمي عاملَ (الخليفة العباسي) المنصور على مكة: (اشتَكَتْ إليه منهم)، فأحْضَرَهم وحَبَسَهم، فَأَقادَ من الجارحِ (صاحبِ الشاعرِ الذي جَـرَحَ العقيلي)، ودافَعَ عن جعفر بن علبة ــ وكان يحبُّ أن يَـدِرَأَ عنه الـحَـدَّ (القتلَ قِصاصاً) لِخُـؤولةِ أبي العباس السفاح (الخليفة الذي كان قبل المنصور) في بني الحارث، (وكان العباسيون يسمون السفاحَ: ابنَ الحارثية)، ولأن أخت جعفر كانت زوجةَ السَّرِيّ (عامل الخليفة على مكة).. إلى أن أقامَ عليه العقيليون قـسَـامَـةً (شهوداً يُقسمون): أنه قَـتَـلَ صاحبَهم، وتوعدوا الـسَّـرِيَّ بالخروجِ إلى أبي جعفر (المنصور) والتَّـظَـلُّـمِ إليه، فحينئذ دعا بجعفر فَأَقادَ منه.. (سجنهُ أولا، وفي السجن نظم هذا النص. ثم سلمه لأولياء القتيل فقتلوه).
وقال أبوه علبةُ لامرأته: أم جعفر، قبل أن يُقتلَ جعفر:
لَعَـمْـرُكِ إنَّ الليلَ يا أُمَّ جعفـرٍ
عَـلَـيَّ، وإنْ عَلَّلْتِني، لَـطَـويـلُ
فأجابَتْه:
أبا جعفـرٍ أسْلَـمْــتَ للقــوم جعفـراً
فَـمُـتْ كَـمَـداً، أو عِـشْ وأنت ذَلِيلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليقات
ـــــــــــــــــــــ
1 ــ نساء بني عُـقَـيْـل لا يتحدثن مع الشعراء حبا، ولكن (ليقتلنَ البريء المُغَـفَّـلا).
وقد شكا منهن قديماً الشاعرُ الجاهلي بشر بن أبي خازم الأسدي في قوله في إحدى مفضلياته:
(فإنْ تَـكُـنِ العُـقَـيْـلِـيـاتُ شَـطَّـتْ
بهـنَّ وبالـرَّهينـاتِ الـدِّيَــارُ
فقد كانت لنا ولـهُـنَّ، حـتَّى
زَوَتْنا الحربُ، أيامٌ قِـصـارُ)

2 ــ قصة جعفر بن علبة الحارثي تنويعٌ عباسي على قصة هدبة بن خشرم العذري في العصر الأموي. وهدبةُ شاعـرٌ عذري قتلَ رجلا في قصة نسائية، فشكوْه إلى عامل الخليفة فأقاد منه وسلَّمَهُ إلى وليِّ القتيل فقتله. تماماً متل قصة جعفر.
ويبدو أن الرواةَ كانوا يصنعون للشعر خلفياتٍ سرديةً لها أنماطٌ تتكرر. ونجد ذلك مثلا في قصة امرئ القيس وقصة مهلهل. وفي كل منهما شعرٌ رائعٌ، ونمطُ قصةٍ متشابهٌ.

3 ــ قِـصَـصُ الحبِّ القاتلِ كثيرةٌ في التراث العربي القديم حتى إنَّ الشيخ أبا محمد جعفر بن أحمد السَّـرَّاج ألف مجلداً ضخماً في هذه القصص أعطاه عنواناً دَالّاً: (مَـصَـارعُ الـعُـشَّـاق). وقد وجدتُ في كتاب (الكشكول) للبهاء العاملي قصةً طريفةً أختم بها هذه التعليقات:
(كان بعضُ الأعراب يهوى جاريةً، وكانت تَتَـجَـنَّى عليه ولا تُكلمه، فأَدْنَـفَـهُ الهوَى إلى أن حضرتْه الوفاةُ، فقيل لها: إنه قد أتلفه حـبُّـكِ، فَهَلَّا زرتِه وفيه رَمَـقٌ؟ فأتتْ إليه وقبضتْ بعضادة الباب وقالت: كيف حالُك؟ فأنشدَ:
ولَـمَّا دنَـا مِـنِّي الـسِّـيَـاقُ تَعَـطَّـفَـتْ
عليَّ، وعندي عن تَعَـطُّـفِـها شُـغْـلُ
أَتَـتْ وحِـيَـاضُ الموتِ بيني وبينها
وجَـادَتْ بوصلٍ حين لا ينفعُ الوَصْلُ)
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...