(صاحب العصا.. والوجوه المتعددة)

قبل أن أشرع في الكتابة عن تلك الشخصية غريبة الأطوار، راقبتُه عن كثب؛ رجلٌ لم تطأ قدماه المدارس يوماً، لكن لسانه يقطر حكمةً ورزانةً تجعل أعظم المتعلمين ينصتون له في جلال.

في شارعنا، يمتلك سطوةً فطرية وهيبةً لا تُنازَع؛ تراه في الأفراح واقفاً كحارسٍ للزمن، قابضاً على عصاه الأبنوسية، يفضُّ العراكات بنظرةٍ واحدة، ويضمن أن تنتهي الليلة بسلامٍ دون صخبٍ أو دماء.

وفي المآتم، هو "المايسترو" الذي يقسم الأدوار بدقةٍ متناهية؛ هذا لمكتب الصحة، وذاك لإحضار المُغسل، وآخرون لحفر القبر.

وبعد مواراة الثرى، يقرر هو وحده شكل العزاء؛ فإن لمح في القوم "عزوةً ومالاً" أمر بنصب المندرة، وإن رآهم بسطاء، قال بوقار: "عزاؤكم بالقلوب.. من حضر فقد أدَّى الواجب".

لكن هذا "الحكيم" الذي لا تراه إلا بجلبابه الأبيض وعمامته الناصعة في صلاة الجمعة، يخفي خلف قناع الوقار عوالم أخرى.

يشرب "الحشيش" في خلوةٍ مقدسة، لا يجرؤ أحدٌ على مشاركته سجارته. وفي الزوايا المعتمة، يطلب من الشباب -في سرية تامة- أن يسمعوه مقطعاً إباحياً، كأنه يسترق النظر لحياةٍ حُرِم منها.

يبتلع حبات "الترامادول" بانتظام، لا لكي يغيب، بل ليحافظ على جسده من الانهيار، كي تظل قامته مفرودة أمام الناس.

أما اللغز الأكبر، فيتجلى حين يخلع جلده تماماً؛ يلقي بالعصا والعمامة والجلباب، يرتدي قميصاً وبنطالاً عصرياً، ويمشي غريباً على "كورنيش النيل". هناك، يغرق في كؤوس "البيرة"، يضحك بمرارة ثم ينفجر بالبكاء، في مشهدٍ يعجز أعظم الممثلين عن تجسيده.



حتى في موسم الانتخابات، يظل لغزاً أخلاقياً؛ يتهافت عليه المرشحون طلباً لدعمه، فيأخذ أموالهم بيمينه، ليوزعها بشماله على فقراء شارعنا.

حتى اللحظة، ما زلت أسأل نفسي بذهول: هل هورجلاً سيئاً يتخفى في ثياب الحكمة، أم حكيماً أتعبته القيود فقرر أن يمارس بشريته في الخفاء؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...