حسام المقدم - فصول قمر الضلوع...

حَسَنة واضحة بجوار الأنف، وملامح وجه مألوف من أيام الإعدادي، كأحد موضوعات القراءة الأساسية. تقاسيم ليست السبب الوحيد لانجذابي إلى صورة نجيب محفوظ، ذات ليلة شتوية، وأنا ملفوف ببطانية خشنة، في قلب دار طينية تدّخر حيطانها العريضة الدفء لأصحابها.
صورة في جريدة، والجريدة رفاهية في قُرانا الصغيرة. لا نشتريها وإنما تأتي في طريقنا بالصدفة، نلتقط أوراقها المكرمشة المرميّة، أو الملفوفة على كيلو فاكهة، وأحيانا تكون مقصوصة مثلثات ومفروشة على أدراج مكتبة بدائية لطالب مجتهد.
مأخوذا إلى الصورة كنتُ، منصرفا عن إزعاج إخوة يتزاحمون بالكلام والحركة حتى في وقت النوم. فردتها أمامي، ماسحا عليها، شادًّا للجوانب المثنية، وواصلت التدقيق: نجيب محفوظ على مقهى، يقرأ جريدة، بنظارة كبيرة في منتصف أنفه، وشفتين ممدودتين قليلا. اعتدلتُ لأكون في أجمل أوضاع القراءة: أمسك ورقة الجرنان تحت عينيّ، برأس مائل وجبهة مخططة فوق حاجبين مرفوعين.
فكرت وقتها، كطالب ثانوي، أن أي كاتب في الدنيا لابد أن يجلس بهذه الملامح المستغرقة، والهيئة الأنيقة بالبدلة المقلّمة والقميص السادة. أما الجريدة فلا غنى عنها في مشهد مكتمل أمضي معه بخيالي المتسلسل، وأرى صاحب الجلسة يتوقف عن القراءة لينظر لي من تحت النظارة، داعيا مرحبا بانضمامي إلى جواره.
**
على مقهى في شارع جانبي، بجوار كُليتي التي أزوغ من محاضراتها المملة؛ أجلس مع جريدة أتصفحها لأول مرة.
نصحني بها صديق أكثر مني معرفة بالثقافة والأدب. لاحظتُ أن عناوينها طويلة، ولا تعطى معنى مباشرا. مضيتُ في قراءة سطور حائمة، واضعا رِجلا على رِجل، خاطفا نظرات لكوب القهوة و"الوِش" الكثيف. انتشيتُ بالقعدة، وتجلّت لي كلمات وصور، راحت تُلاعبني بتكرار الظهور والتلاشي.
انتبهتُ على دَفعَة في قدمي. رفعتُ عينيّ لأجد شخصا بملامح كارهة للدنيا، يطلب مني أن أترك له الكرسي لأنه يجلس في هذا المكان من عشر سنوات، وغير مستعد لتغييره. لم أكد أرد حتى زعقَ فيّ لأُنزل رِجلي من باب الاحترام. تلجلجتُ وارتبكت، وفوجئت به يشدني من مكاني، يجرجرني بمعنى أصح، ويُقعدني في كرسي على جنب. سخنَ الدم في عروقي، انتفضت دقات قلبي، ولم ينبس لساني المشلول. الغريب أن لا أحد من الموجودين تدخلَ بكلمة.
تمالكت أعصابي وقمت منصرفا. لم أنظر لأحد، لم أكن أرى شيئا وسط ضباب كبسَ فجأة على كل شيء. بعد خطوات نزلت يد على كتفي، أخبرني وجه طيب أنني وقعت في يد واحد شرَّاني. طبطبَ على ظهري، وبعينيه وكل ملامحه قال: "معلش".
مشيت دون أن ألتفت، وتذكرت أنني نسيت جريدتي، لكني لم أعد.
**
المقهى صاخب بالناس وطلباتهم، ونحن ثلاثة متضامّين فوق ترابيزة جنب الحائط. أعاد صاحبنا فتح الكتاب وبدأ في قراءة نفس الفقرة، فانسابت النظرات الهائمة، واسترسلت الأحلام بكتابة مثل هذه، يخرج منها بخار لاسع، ونتذوق حروفها بنشوة. كلمات مقروءة في تعابير الوجوه حولنا، في التراب والدخان وسواد الطين، وهذا الجسد الريّان العابر منذ ثوان أمام أعيننا. قلت في نفسي: كتابة بنت عم، وصديقة، وواقفة بدلال على الناصية.
بانتهاء القراءة لم ينطق واحد منا. ظللنا تماثيل آدمية، تتقلّب في أغوارها الشابة جُمل ومشاريع نصوص، وتنفتح لها نوافذ خلف نوافذ في قادم الأيام والسنوات.
**
في الندوة شبه إجماع على تردّي الأمور، من حديث الثلاثة على المنصة إلى مُداخلات الحاضرين في القاعة.
نظرتُ لصديقي، يبدو ضجرا مثلي بهذا الجو القاتم. وجدته يقوم ويطلب الكلمة: "اسمحوا لي، لو كان نجيب محفوظ معنا، فبِمَ سيرد لو سألناه: وما آخِر كل ذلك؟"
سمعتُ همهمات تستحسن السؤال، وأخرى تتلوى مستاءة، إلى أن تقدّمَ رجل لا نعرفه، صامت مهيب بشعر أبيض. وقف ثابتا أمام الميكروفون، وتكلّمَ بكلام انعقدت بعده ألستنا:
"ما آخِر كل ذلك؟ لا آخِر لشيء إلا في نهاية الزمان، فلا تنتظروا وابقوا في البدء. مهما حدث كُونوا كأنكم في البدء."
**
ذات فجر صيفي، والقمر بدر عاشق ينثر نوره اللبني على الموجودات؛ قرأت مقولة الشيخ عبد ربه التائه: "كابدتُ من الشوق ما جعل حياتي لهفة مكنونة في حنين".
لساعات بعدها لم أذق طعم النوم، وأحسست بالكلمات تخرج من سطورها وتنشطر حروفها. سأكتب عن: الشوق، اللهفة، القمر الراقص في الضلوع. سماح، رشا، دعاء.. اختلط الزمن عليّ، هل أقدر على الترتيب؟ سأموت قبل أن أفهم قرار رشا بالابتعاد الكامل والاختفاء بمجرد أن بلغَت الأربعين، ما الذي يُميّز الأربعين عن الثلاثين عن الخمسين؟ هل تمشي بنا أعمارنا، أم نمشي بها؟ آه لو رأيت سماح، المجنونة الحلوة، صاحبة أدفأ جسد في الوجود. سأكسر دماغها الناشف، لإصرارها على اصطناع خلافات حول أمور صغيرة، أمور ظلت تكبر حتى ارتفع السد وحجب كل شيء. أتنهد من أعماقي، فتنفتح بوّابة حنيني إلى دعاء.. حضور القطيفة، بساطة الزهرة وعفويتها. لم أعرف، حتى الآن، من أي عالم أتت هذه الإنسانة، كيف تلتقي طراوة الندى بالنار؟ أضاعها سخطي الدائم وقلبي الحامي، وثقة زائفة قالت عنها دوما إنها أنانية.
بعد سنوات من الضّنى في الطريق؛ أعدتُ قراءة كلمات الشيخ التائه، فسمعت صوت ناي بعيد يطوف بي، ويدعوني إلى مكان ما. أغمضتُ عينيّ وقلت: لعله يأخذني إلى الحنين المكنون ذاته.
**
ليس صعبا أن يكون المقهى في الغرفة، فكوب قهوة وقعدة على كرسي مريح، مع صوت أم كلثوم في الخلفية؛ مفردات تصنع أبسط مقهى خصوصي، وتضيف إلى اختيار العزلة روح الخُلوة.
فجأة ينشق الحائط ويخرج نجيب محفوظ، بكل هدوئه وابتسامته الحاضنة. لم تتغير ملامحي لمرآه، منذ سنوات أستدعيه بإلحاح، وأنتظر حضوره.
أخيرا جاء:
"أهلا يا أستاذ، أشرقت الأنوار."
"نور في قلبك، كيف الأحوال؟"
"الحال غير مرتاح."
"الراحة منكَ وبك، اصبر."
"ها هي أم كلثوم ترد بالنيابة عني: للصبر حدود."
"لكل شيء حدود، العقل نفسه له حدود، والروح.."
" الروح قلقة والقلب مضطرب يا أستاذ."
"لهما طلب الرضا والسعي إليه."
لم يزد حرفا. تراجعَ خطوتين، واختفى في الحائط كما ظهر. تسرّبَ خلف صورته المثبّتة في مكانها من سنوات.
***
حسام المقدم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...