عائشة أبو ليل - رثاء "الغائب الحاضر" ( محمد أحمد جوهر ) العم أبو أحمد

رحلَ العم أبو أحمد…
لا كغيابٍ عابر، بل ككسرٍ أصاب جهةَ الضوء في الروح،
كأنّ المنارات حين تنطفئ لا تترك ظلامًا فقط… بل تترك حيرةً في الطريق.
في صدر اللغة انحنى حرفٌ،
وتعثّر المعنى وهو يحاول أن ينهض من فاجعته،
كأن العربية، التي طالما تزيّنت بصوته،
تخلّت عنها فجأة نبرةُ الطمأنينة.

لم يكن قريبًا من الجميع…
ومع ذلك، سكن في البعيدين عنه كما تسكن الأنوار في القلوب دون استئذان.
عُرف من أثره، من تلك الكلمات التي لا تُقرأ فقط… بل تُعاش،
من ذلك الاتّزان الذي يشبه ميزانًا خفيًا لا يختلّ مهما مالت الكفّات.

في كتاباته… شيءٌ من صلاة،
شيءٌ من خشوع الحرف حين يُكتب بضمير،
شيءٌ من يدٍ خفية تُربّت على قلق العالم.
كأن المعنى عنده لم يكن قولًا… بل عهدًا،
وكأن الكلمة مسؤولية لا تُقال إلا بعد أن تمرّ بالقلب.



يا عمّ أبو أحمد…
الخسارات الكبيرة لا تُعلن عن نفسها بصخب،
بل تُسكن فينا فراغًا لا يُفسَّر،
كأن شيئًا كان يُمسك بتوازننا… ثم أفلت.
اتّسعت الدنيا بمروره،
ثم انكمشت فجأةً بعد رحيله،
كما لو أن القلب فقد مساحته السرّية.
خطاه لم تكن تُسمع… لكنها كانت تُشعر،
خفيفة كدعاءٍ صادق،
وعميقة كأثر آيةٍ في ليلٍ طويل.

وفي العطاء… لم يكن فعلًا يُؤدّى،
بل طبيعةً تتدفّق دون حساب،
كأن الجبر خُلُقٌ يسري في دمه.

والكتابة…
لم تكن استعراضًا،
بل محاولة هادئة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هشاشة العالم.
حروف تمشي على جراح الناس برفق،
تلامسها دون أن تُوقظ ألمها،
وتفتح في الجدار نافذةً من سكينة.
كم من قارئٍ مرّ به… فشعر أنه مفهوم،
أن في هذا العالم من يراه دون أن يلتقيه.
حضورٌ لا يحتاج وجهًا…
يكفيه أن يُترك أثرًا.
قليلُ الكلام… كثيرُ المعنى،
وصدقٌ لا يُقاس بكمّ،
بل بما يتركه من رجفةٍ في الداخل.

في حضوره، كانت الفوضى تهدأ دون أمر،
وفي نظرته، شيءٌ يعيد ترتيب الفوضى داخلنا،
كأن في الإنسان ما يستحق أن يُنقذ… وقد كان يرى ذلك بوضوح.

رحلَ العمٌ أبو أحمد فجأةً.......
كأن حرفًا سقط من جملة الحياة،
وكأن سطرًا كاملًا انمحى من كتابٍ كنّا نظنّه مكتملًا.

وكيف يغيب من يترك في المعنى حياة؟
كيف ينطفئ من جعل للكلمة روحًا؟
ليس الرثاء له لأنه رحل…
بل لأن حضوره كان ضرورة لا تُدرك إلا بعد الفقد.

العم أبو أحمد ...
نورٌ…
لا يلمع ليُبهر،
بل يستقرّ ليهدي،
هادئ… عميق… لا يُرى، لكنه يُحسّ.

بعده…
تصير القراءة بحثًا،
والكلمات آثارًا يُفتّش فيها عن بقايا دفء،
كأن الغياب لا يُصدّق…
وكأن من كتب بهذا الصدق، لا يمكن أن يكتمل رحيله.

الصبر؟
يأتي ناقصًا،

والقلوب؟
لا تتقن أن تشبه هذا الاتّساع.

فراغٌ لا يُملأ،
وجرحٌ لا يُرى… لكنه يُقيم.

نم مطمئنًا يا عمّ أبو أحمد…
فالأرض تحفظ خفّة العابرين الصادقين،
والقلوب لا تنسى من أعاد إليها توازنها،
والكلمات… ستبقى شاهدةً
أن هنا… مرّ نور،
ولم ينطفئ تمامًا.

سلامٌ عليك…
يوم استقامت بنا الحياة قليلًا على حواف كلماتك،
ويوم اختلّ شيءٌ عميق برحيلك،
ويوم تبقى…
في أثرٍ لا يُمحى،
وفي نورٍ يكفي… لنرى.

عائشة أبو ليل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...