د. إبراهيم عروش - بحثًا عن مصالحة مع الذات…

أعود كعادتي حين يثقل رأسي بما لا يُحتمل إلى تلك “الوزارة” الوحيدة التي لا تُغلق أبوابها، ولا تحتاج موعدًا مسبقًا، ولا تُعلّق على بابها لافتة “ارجع غدًا”: أمي.

كنت دائمًا أقول: إذا ضاقت بي الدنيا، اتجهت إلى أمي…
وكأنني، في الحقيقة، لم أغادرها يومًا منذ تلك الصيحة الأولى التي أعلنتُ بها دخولي إلى هذا العالم، يوم فهمتُ بالفطرة دون أن أدرس علوم الاتصال، و أن أول رقمٍ للطوارئ هو “أمي”، وأن كل الأرقام الأخرى مجرّد خدمات مدفوعة، تضعك أحيانًا في الانتظار حتى تملّ من الشكوى… أو من نفسك.

وحين يستقوي عليك الأخ، وتتفلسف الأخت، ويتحوّل أبناء الجيران إلى لجنة تحقيق دولية، يطلبون الأدلة والشهود وكأنك متهم في قضية رأي عام…
تكتشف أن العدالة الحقيقية ليست في المحاكم، ولا في المرافعات، بل في حضن أمٍ قد نسيها الزمن، ولم تنسَك.
أمٌّ، لو بلغ بها العمر عتيًا، تبقى أقوى من كل “النفوذ” الذي يتبجّح به الآخرون…
لأن نفوذها لا يُقاس بعدد الأرقام في الهاتف، بل بعدد الدعوات التي تخرج من قلبٍ لا يعرف الحقد، ولا يتقن سوى الرجاء.

نحن معشر الأبناء، مخلوقات غريبة تستحق دراسة علمية مستقلة:
ننسى أن الأم لا تُعوَّض، ونركض خلف أشياء تُستبدل بضغطة زر…
نُجيد المجاملة مع الغرباء، ونرتّب كلماتنا بعناية أمام من لا يعرفوننا،
لكننا نتلعثم حين يتعلق الأمر بكلمة بسيطة مثل: “سمحي ليّا، آمي”.
نُحسن إدارة صورتنا في مواقع التواصل، ونفشل في إدارة لحظة صادقة مع من ربّتنا دون “فلتر”.

نبحث عن التوازن الروحي في كتب الفلسفة، ونغوص في مقاطع “التنمية الذاتية”، ونحفظ اقتباسات الحكماء…
بينما الوصفة، في الحقيقة، مختصرة جدًا، ولا تحتاج لا اشتراك شهري ولا دورة تكوينية:
“اجبر خاطر أمك… وراقب كيف تستقيم حياتك رغم أنف الحاقدين، ورغم عناد الظروف، ورغم سوء تقديرك أحيانًا لنفسك.”

تحية؟ لا تكفي.
بل وقفة إجلال، وربما صمتٌ أطول من الكلام، لكل من يجبر خاطر أمه…
ولو كان في نظر الناس بسيطًا، محدود الإمكانيات، بلا منصب ولا لقب،
فهو عند الله كبير…
وعند أمه أعظم من كل الألقاب التي تُعلّق على الجدران، ولا تجد لها مكانًا في القلوب.

أما أولئك الذين يتباهون بالنجاح، ويؤجلون برّ الأم إلى “وقت لاحق”،
كأنهم يملكون عقدًا رسميًا مع الزمن…
فليعلموا أن “الوقت اللاحق” هذا، لا يخضع لجدولهم، ولا ينتظر ترقياتهم ولا مشاريعهم،
وقد يأتي يوم يبحثون فيه عن رقم “أمي”…
فلا يجدون سوى صمتٍ ثقيل،
صمتٍ لا يجيب، ولا يعيد المكالمة، ولا يمنح فرصة ثانية.

والمفارقة الساخرة المؤلمة ، أننا يومها سنصبح فجأة خبراء في الندم:
نستحضر كل كلمة كان يمكن أن نقولها ولم نقلها،
وكل حضن كان قريبًا فأجّلناه،
وكل “كيف دايرة؟” بخلنا بها، وكأنها ستنقص من رصيدنا البنكي أو من هيبتنا الاجتماعية.

إنها الأم…
ليست مجرد علاقة عائلية عابرة في شجرة النسب،
بل “اختصار الطريق” إلى الطمأنينة،
و”الواسطة” الوحيدة التي لا تُفسدك… بل تُصلحك،
والباب الذي إن طرقته بصدق، فُتحت لك أبواب لم تكن تعلم بوجودها أصلًا.

هي الكائن الوحيد الذي يؤمن بك… حتى حين تفقد أنت ثقتك في نفسك،
ويصفّق لك… حتى حين لا يسمع لك أحد،
ويدعو لك… حتى حين لا تطلب،
ويغفر لك… حتى قبل أن تعتذر.

فطوبى لمن أدركها وهي حيّة،
وطوبى لمن سبق لسانه إلى “الله يرضي عليك آمي” قبل أن يسبقه الندم،
وطوبى لمن فهم أن رضاها ليس واجبًا اجتماعيًا… بل نجاة شخصية.

قبل أن تتحول من بابٍ مفتوح…
إلى دعاءٍ في الغيب،
ومن صوتٍ يطمئنك…
إلى ذكرى تُربكك كلما مرّ طيفها.

هناك فقط…
ستفهم متأخرًا، وبأسلوب لا يقبل الإعادة:
أنك كنت تملك الدنيا… في حضن أمك،
وكنت تبحث عنها… خارج البيت



الصورة مع أمي زهرة المسناوي بعين أسردون بعد الاستراحة بزاوية بوعبيد الشرقي بأبي الجعد وزيارة الأقرباء الكرماء من آل بني عمير بالفقيه بنصالح

د. ابراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...