د. نورة بنيحيى - مذكرات مديرة مستشفى سابقة

[HEADING=2]1-[/HEADING]
[HEADING=2]لم أكن أعلم عندما تم تعييني على رأس إدارة المستشفى الإقليمي عين الشق, الذي يضم مستشفيين فأما الأول فهو مستشفى محمد السقاط الذي سيصبح إسمه فيما بعد مرادفا لإسمي, رغم أن الحقيقة هي أنه إضافة له كنت مديرة أيضا على المركز الوطني للجذام Centre National de Léprologie, الذي تشرف عليه مديرة معينة من طرف الوزير لكنها كانت مرؤوستي كما أن تسييره المالي كان يعود إلي , هذا ليس بمهم مقارنة مع الذي سأعرفه فيما بعد, و هو أن من أخلف على رأس هذا المستشفى لم يكن أبدا شخصا عاديا أو بمعنى أصح لم يكن ابن الشعب مثلي, لماذا.. لأنه ببساطة لم يكن سوى #صهر_الأمين_العام_السابق_لحزب_الإتحاد_الدستوري.. كانت أصعب فترة هي فترة تسليم السلط بين المدير السابق Le Directeur partant و المدير المعين Le Directeur entrant, هذه العملية تكون دوما صعبة, و صعوبتها تكمن دوما في الاختلالات المالية التي يرصدها المدير الجديد فيبقى لديه خياران, إما أن يقبلها و يصبح شريكا في سرقة المال العام أو يرفضها, و هنا تبدأ المتاعب.. في يوم تنصيبي فوجئت بحضور المدير السابق لحفل التنصيب و هو الذي مرت إحالته على التعاقد أكثر من 6 أشهر, و بالتالي لم يكن لديه الحق في الحضور.. كعادتي كنت أستمع جيدا و أتكلم قليلا.. لم أظهر إنزعاجي من دعوة المندوبة و رئيسة القطب الإداري له.. عاملته بأدب.. لم يتوقف عن مراقبتي, كان يدرس شخصيتي حتى يعرف كيف سيتعامل معي, خاصة و أنني كما يقال عني " من حزب الوزير ", المهم إنتهى الحفل باردا, استعملت فيه اللغة الخشبية ببذخ.. حالما إنتهى دعتنا المندوبة لاجتماع مصغر يضمنا نحن الأربعة ( المندوبة, أنا, المدير السابق و رئيسة القطب الإداري ) و كلنا نشترك في كوننا آمرين بالصرف ( يعني القضية فيها التصرف في المال العام ), بحركة ذكية توجهت المندوبة لرئيسة القطب الإداري و طلبت منها أن تعطيني Le cahier de passation de لكي أستلم السلط من المدير, بمعنى أن أوقع على تسلم العمليات المالية, التجهيزات ووو دون التأكد من صحة ما بداخل الكتاب.. لا أنكر أنني إبتسمت رغم أنني كنت أرغب بالضحك بصوت عال, فعلى ما يبدو أنهم إعتقدوا بأنه تم تعييني فقط لأنني كنت عضوة اللجنة المركزية لحزب الوزير و أنه يسهل التلاعب بي.. حركة لم تكن ذكية بالمرة لأنها جعلتني أطرح أول سؤال.. ما الذي يحاول هؤلاء الثلاثة تمريره بهذه السرعة...[/HEADING]
يتبع

***

2-
.. كان الوقت ليلا، و لم تتوقف أعداد كبيرة من التوافد على مصلحة المستعجلات و بالضبط على مكتبي طلبا للعلاج، رغم مرضي و عكازي الذي كان بجانبي لم أتوقف عن أداء مهامي، فجأة دخل رجل عرف نفسه أولا كرجل وقاية مدنية ثم لاحقا مستشارا بالوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة، مرفوقا برجل قوي البنية أسمر اللون، فقال لي بالحرف " لقد عملت اليوم و أريد أن أرتاح ثلاثة أيام ابتداء من الغذ، و هذا طبعا معناه أنه غير مريض، خاصة أنه لم يتسجل بمصلحة الاستقبال، فأخبرته أن ذلك غير قانوني، و لن أشهد الزور مهما كانت مكانته الاجتماعية، لكن لم يغادر المصلحة و ظل يحوم هنا و هناك، و في الأخير،فطن إلى طريقة أخرى إرسال مبلغ 50 درهم و بطاقته الوطنية كرشوة، و ٠ذلك عن طريق حارس الأمن، و ما أن دخل حتى أخبرته أن يعيد المال لصاحبه لأنني لست مرتشية و لا أحرر الشواهد الطبية إلا للمرضى، مباشرة بعد ذلك أدى ثمن الفحص و دخل علي و هو يدعي أن رأسه توجعه و يسعل بطرية مزيفة، ليجبرني على تحرير الشهادة، فوصفت له دواء للصداع، و طلبت له تحاليل دم و أشعة صدر، قلت له إن كنت مريضا سيظهر ذلك، فذهب و أخذ علاج صداع الرأس لكن لم يقم بالتحاليل و لا أشعة الصدر، همه الوحيد هو الحصول على الشهادة الطبية، فاستشاط غضبا و دخل هو و صديقه لمكتبي و بدأ يهددني بتدمير مسيرتي المهنية لأن وزير الصحة هو صديق له، فاتصلت بالشرطة التي جاءت في الحين، لكن هناك جهات تدخلت فتغيرت أقوال الشهود و تم التعامل معي خلال التقديم بطريقة لن أفصل فيها لأنهم يبحثون لي عن زلة لسان، فتحول عرض الرشوة لإتلاف أوراق إدارية، كنت دوما أنتظر أن ينتقموا مني بسبب خرجاتي منذ سنة 2015 أعدكم


***


3-
.. كنت قد أخرجت البعض من أمتعتي، و قررت أن أذهب للعيش في شقة إكتريتها، بعد تفكير طويل و عميق، لم آخذ الكثير من أشيائي عمدا، و عندما ضغطت على زر الكهرباء ليعم الظلام بالمكان الذي عشت فيه سبع سنوات، بدأت دموعي تنهمر بغزارة، و تسمرت قدماي كأنها أرادت أن تعطي لي فرصة أن أبكي بصمت و أمسح دموعي، حتى لا يراني جيراني في لحظة ضعفي تلك، لم أخرج ورقة الكلينيكس بل فعلت ما يفعله الأطفال، مسحت دموعي بيدي ثم بملابسي، و رسمت ابتسامة على شفتي حتى أظهر قوية كما أردت دوما أن يراني الآخرون، أقفلت الباب على كل الأمور السعيدة و الشقية التي عشتها بهذه الشقة التي إشتريتها لتكون لي عيادة فيما بعد، لم أقم بكرائها لأحد لأنني تركتها مليئة بالأشباح و بالقهقهات و الشجارات و الدموع و لحظات سعادة لا توصف، هنا عشت عشقا لا يعيشه سوى توائم الشعلة يعني سعادة لا تعيشها إلا في الجنة، لدرجة أنك تنسى أن تشكر الله الذي أنعم بها عليك، فيقرر معاقبتك و ينتزعها منك حتى تتعلم الدرس جيدا، هنا أيضا عشت مشاعر فقدان شقيقتاي و إبنتي لينا، بكيت حتى لم أعد أبصر جيدا، فأصبحت مجرد جثة تمشي على رجليها، فلا الجمال بقي و لا الجسد حافظ على رشاقته، ما الذي تبقى مني يا ترى، نزلت السلالم أنا و إبني الوحيد الذي ظل لجانبي ناتان، لم أكن أحب أن أناديه بكلبي أبدا لأنه في الوقت الذي انكسرت و سقطت فيه و لم يلتفت أحد إلي كان هو من ينظر إلي بحب كأنه يقول لي كل شئ سيكون على ما يرام أمي، نزلنا و صعدنا للسيارة، و انطلقنا بعد أن ذكرني بأن أفتح له النافذة كما تعود، غصت في ذكرياتي و أنا أقود ببرود لم أعرفه يوما، فمن كان يعرفني يعلم أنني من الشخصيات المتعاطفة، دوما عاطفتي تسبقني، لكن نورة تغيرت بمائة و ثمانين درجة، و هذا أمر طبيعي بعد كل ما عشته، كثيرا ما كنت أتساءل هل أصبحت شخصيتي هيوكا، ربما، فكل ما كنت أومن به سقط مع خيانة الأصدقاء، الأحباب و الأقارب، فقط شعور واحد لم يتغير هو عشقي الأبدي لأمي غير البيولوجية أمينة، توأم روحي و شمس حياتي، لأجلها تخطيت الضعف و الهوان و وقفت على رجلي من جديد، لأنه لم يكن أبدا من الممكن أن تكون قد ضحت بنفسها من أجل أن تصنع مني شخصا تفتخر به لأصبح مجرد ثوب يمسح فيه الناس أرجلهم، مجرد التفكير في الأمر جعل برودي يختفي و ترتفع نبضات قلبي بسبب الغضب، لم أغضب من أحد بل من نفسي، كيف عشت كل هذه السنين و أنا أعتقد أنها المدينة الفاضلة، لا ثم ألف لا، لا توجد هناك مدينة فاضلة بل حياة كلها مصالح و متجردة من الإنسانية شعارها المال ثم المال...
يتبع

***


[HEADING=2] [/HEADING]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...