زعماء السودان

قصة قصيرة
في طريق العودة إلى الوطن، تتخذ الطائرة مسارًا مملاً رتيبًا يدعو إلى النوم والاسترخاء. غير أن جذوة الحنين تتقد، تحملني عبر مسالك الزمن البعيد إلى ضفة النيل الأزرق الغربية، إلى مسقط رأسي بُرِّي الشريف، تلك القرية التي تلتحم بالعاصمة لكنها أبدًا لا تذوب فيها.
كانت السماء إذ ذاك أكثر زرقة ، والخضرة اشد عمقا،. الشمس تشرق على أصوات البهائم، وأنين السواقي، وضحكات الأطفال، وباعة الخضروات. كنا، نحن الأطفال دون سن المدرسة، نخرج الأغنام من داخل المنازل لنسلمها لراعي القرية، الذي يطوف بها إلى التلال المحيطة، ثم يعود بها عند الغروب.
كان اسمه “عمى الناير”،. رجل في الثمانين من عمره، يحضر إلينا من شرق النيل. كان نحيلاً إلى حد لا يصدق، يرتدي نظارات سميكة، ويلف حول جسده ثوبًا قطنياً عتيقاً. لم أسمعه يتحدث أبدًا. كان فقط يشير بيديه، فيفهم الكل مراده. صمته كان طويلاً ثقيلاً، مثل ظهيرة الصيف في قريتنا.
في ذلك الغروب، عادت الأغنام إلى المنازل كعادتها، لكن “السوداء” — كما كنا نسميها — سقطت على الأرض أمام الدار. كانت على وشك الولادة. وما هي إلا ساعة حتى وضعت مولودها: ذكرًا بني اللون، في أكمل صحة وعافية. كم غمرتنا تلك الساعة من سعادة. كانت الدنيا بسيطة إلى حد الكمال.
هكذا تتقلب بنا الحياة في تلك القرية. كان الموت شيئًا نادرًا. كان الرجل يعيش حتى يرى أحفاد أحفاده. شاطئ النيل يستقبل الأفراح: الأعراس، والختان، بل وفيه متسع بكل حنية للغجر تحت ظلال أشجاره العملاقة.
لكن ذلك الغروب الآخر — الغروب الذي لن أنساه — لم تعد فيه الأغنام إلى المنازل. غاصت الشمس في بطن النهر، وإذا بالرجال يتحركون قلقين إلى التلال لمعرفة ما جرى.
وجدوا عمى الناير جالسًا على تل رملي مرتفع، ينظر إلى أفق يشقه خيط الغروب الأرجواني الأخير. كانت الأغنام تلتف حوله — جثثًا هامدة.
أخذ الرجال عمى الناير إلى القرية. هدؤوا من روعه، شرب الماء، وأكل كسرة خبز. ولم يقل شيئًا كانه ليس هنا. كانت نظاراته السميكة تعكس لهيب المصباح الوحيد.
ثم بدأ الناس يتحدثون. فقد أكلت الأغنام سمًا زعافًا ألقته مزارع الخواجات في التلال، لحماية مزروعاتهم. جمع الرجال العبوات البلاستيكية المسمومة، وقدموا شكوى جماعية إلى أقرب مركز شرطة. لكن الشكوى تبخرت، تاهت في دهاليز النسيان…. كان العدل في غياب تام في حضرة الذهب.
لم يبق لنا سوى “السوداء” وحدها، التي نجاها الله من الموت بفضل صغيرها الذي لا يكف عن الرضاعة طوال اليوم. كان يرضع ويلعب ولا يعلم أن أمه هي الوحيدة الباقية .
أخيرًا، حطت الطائرة. خرجنا إلى صالة الوصول. لم يتغير شيء منذ امد بعيد. الا لوحة جدارية ضخمة، عليها صور زعماء السودان منذ الاستقلال.رأيتهم جميعًا كانوا لدهشتى يشبهون عمى الناير بشكل مدهش نظاراتهم السميكة و صمتهم الثقيل ثم تلك النظرة الى افق يشقه خيط الغروب الارجوانى الاخير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...