خير جليس عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... بين جبتين ، لا أخلعني

جلستُ اليوم في المعرض، لا كمن يبيع الكتب، لكن كمن يُوقّعها ، أمام نسخي المصطفّة كاعترافات مؤجّلة، أحاول أن أرتدي جبة الكاتب، لكنها كانت أوسع من قلبي، وأضيق من عادتي ، مددتُ يدي لأوقّع، فامتدّت بي الذاكرة نحو الرفوف، تلك الزوايا التي كنتُ أرتّب فيها العناوين كما يُرتَّب الحنين، نحو وجوه القرّاء الذين لا يسألونني: ماذا كتبت؟ لكن ، ماذا وصل من جديد؟
كلما هممتُ أن أكون كاتبا ، تسلّل من داخلي بائع الكتب، يهمس للزائر ، هذا العنوان نفد، وذاك صدر حديثا ، وهذا يشبهك دون أن تدري.
حتى الزوار لم يعترفوا بتحوّلي، ظلّوا يسألونني عن الكتب لا عني، عن المستجدات الثقافية، و عن أحدث ثمرات المطابع ، لا عن يومياتي، فأدركتُ أني لم أُبدّل جلدي، لكنني فقط غيّرتُ مكاني على الطاولة.
أنا لا أكتب لأغادر مهنتي، لكن لأحفظها من النسيان، ولا أوقّع كتابا فحسب ، لكن أبصم على أني ما زلتُ هناك واقفا بين رفّين، أبيع حلماوأكتبه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...