الخيال ليس ترفا تربويا، بل هو أساس كل إبداع علمي وفكري
في خضمّ الجدل الذي أثاره نص" الطاسيلي ...صحراء الجزائر" الذي كان أساسا لتقييم مكتسبات التلاميذ لنهاية الطور الثالث في اللّغة العربية ،والذي أفضى إلى النزوع نحو أفضلية النصوص التي تعالج أمكنة عايشها التلاميذ ، بحجّة أن الوضعيات تُبنى من صميم بيئة التلميذ وتكتسي صفة الدلالة ، فكان من بعض الأساتذة ، أن امتعضوا من النص المقترح بحجّة أنّ التلاميذ لا يعرفون الطاسيلي لأنّهم لم يزوروا المنطقة ، من هنا يتّضح أن الإشكال لا يكمن في النص ذاته، بل في التصوّر الذي نحمله عن فعل التعلّم . فحين يُختزل الفهم في ما يراه التلميذ ويعيشه فقط، نكون قد ضيّقنا أفق المعرفة، وأغفلنا أن أعظم ما في الإنسان قدرته على تخيّل ما لم يره بعد . لأنّ التعليم، في جوهره، ليس إعادة إنتاج للواقع، بل هو انفتاح على الممكن، وانتقال من المحدود إلى اللامحدود .
أكاد أجزم أنّ المعنى اكتمل في ذهني لمّا زرت أحد الأقارب . رننت في جهاز الإنترفون، وبينما كنت أنتظر فتح الباب، استوقفني طفل صغير يدرس في القسم التحضيري. سألته ماذا يفعل خارج البيت في هذا الوقت، فأجاب بعفوية أن باب العمارة أُغلق عليه قبل أن يتمكن من إخبار والدته. سألته : لماذا بقيت تلعب إلى هذا الوقت ؟ ألا تخشى اللّيل؟ وأردفت متعجّبة : ألا تخاف من الغول؟ أجاب بنعم ، لكن ما أدهشني حقّا هو حين طلبت منه أن يصفه . بدأ الطفل يرسم بكلماته صورة دقيقة ، ملامح، حركات، هيئة كاملة، وكأنّه يراه أمامه . حينها أدركت أن الطفل لا يتعامل مع الخيال كترف، بل كأداة للفهم، وأنه يبني عالمه المعرفي عبر التصوّر قبل الواقع .
من خلال الواقعتين ، أردت التركيز على فكرة أساسية تكمن في أنّ التعلّم لا يكتمل إلا حين يتحوّل إلى تجربة فكرية حيّة، وأنّ التفلسف بالحكاية ليس نشاطا هامشيا، بل مدخلا عميقا لبناء المعنى . فالحكاية، حين تُقدَّم بوصفها فضاء مفتوحا، لا تُلقّن الإجابات، بل تثير الأسئلة، وتدفع التلميذ إلى التأويل، والمقارنة، وإعادة البناء . فالتفلسف بالحكاية ابنُ الخيال ، من دونه تتحوّل الحكاية إلى خبر، ويتحوّل التفكير إلى مجرّد تكرار . وحيث يغيب الخيال، تموت الحكاية… وحيث تموت الحكاية، يتعطل التفلسف ، وحيث يتعطّل التفلسف يموت الابداع .
إن التلميذ الذي لم يزر الصحراء ليس عاجزا عن فهمها، بل هو مدعو لاكتشافها بطريقة أعمق، إذا ما أُحسن توجيه خياله. وهنا يتجلّى دور المعلّم الحقيقي، لا بوصفه ناقلا للنصوص، بل صانعا للمعنى، وموجّها للفكر. فالنص لا يُقرأ فقط، بل يُعاش، حين نمنحه امتدادات بصرية وسمعية وتخيلية ، باستحضار الوسائل والسندات الملائمة . وأفضل و أنجع ما أركّز عليه وأحثّ ،إقحام تكنولوجيا الإعلام والاتصال في الممارسات التعليمية التعلّمية ، لأنّ إدماجها يجعل التعلّم أكثر إيجابية ، ويحوّل المتعلم من متلقّ سلبي إلى فاعل مشارك، كما يعزز الفهم ويثبّت المعرفة في الذاكرة .
لعلّ التحوّل الأعمق اليوم هو أن الخيال لم يعد مجرد طاقة ذهنية، فبإمكان التلميذ أن يعبّر عن مكان بتوظيف خياله بالسرد والوصف ، من خلال ما قرأ وتناول من نصوص ( محور الأسفار) كما يمكنه أن يعيش الحكاية أو يعايش المكان بعد أن صار تجربة قابلة للعيش . ففي العوالم الرقمية، يمكن للتّلميذ أن يدخل الصحراء افتراضيا، أن يتجوّل بين صخور الطاسيلي، وأن يراها كما لو كان هناك. وهنا تتحقّق المفارقة الجميلة ، ما دافع عنه فيلسوف إرادة القوّة "فريدريك نيتشه" ـــــ حين دعا إلى عدم حرمان الإنسان من خياله ـــــ يجد اليوم امتداده في فضاءات رقمية تمنح هذا الخيال شكلا ووجودا. فالخيال لم يعد هروبا من الواقع، بل أصبح وسيلة لإعادة بنائه.
إن القول بأن الخيال ترف تربوي هو في حد ذاته جهل بطبيعة التعلّم . فالخيال ليس زينة، بل أصل ، هو الجذر الذي تنبثق منه المعارف، والمنبع الذي يتغذّى منه الإبداع . ومن هنا، فإن التفلسف بالحكاية لا يعتمد على الخيال فقط، بل ينبع منه، ويستحيل بدونه. فحين نمنح التلميذ حكاية مفتوحة، وندعوه إلى إكمالها، أو تغيير نهايتها، أو وصف عوالمها، فإنّنا لا ندرّسه فقط، بل ندرّبه على التفكير .
أؤكّد على أنّ الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تبسيط النصوص، بل في تعميق طرق تدريسها. نحن بحاجة إلى أساتذة متمرّسين في تفعيل الخيال، وفي توظيف الوسائط التكنولوجية بوعي، يربط بين المعرفة والتجربة، وبين الحكاية والتفكير . أساتذة يدركون أنّ الدرس ليس لحظة مغلقة، بل امتداد حيّ، وأنّ التلميذ ليس وعاء، بل أفقا مفتوحا واعدا . ووفق هاته القناعة ، لا يمثّل نص الصحراء أو غيره من النّصوص عائقا ، بقدر ما يشكّل فرصة لتوسيع مدارك التلميذ ، حينها لا يكون الخيال ترفا، بل ضرورة، ولا تبقى الحكاية وسيلة شرح، بل تتحوّل إلى أداة فلسفية لبناء العقل. وهكذا، يصبح التعليم فعّلا حيّا، يصنع إنسانا قادرا على أن يرى ما لم يره، وأن يتخيّل ما لم يعشه، وأن يحوّل المعرفة إلى تجربة نابضة بالحياة والمعنى .
من سلسلة التّفلسف بالحكاية
ليلى تبّاني ـــ الجزائر
في خضمّ الجدل الذي أثاره نص" الطاسيلي ...صحراء الجزائر" الذي كان أساسا لتقييم مكتسبات التلاميذ لنهاية الطور الثالث في اللّغة العربية ،والذي أفضى إلى النزوع نحو أفضلية النصوص التي تعالج أمكنة عايشها التلاميذ ، بحجّة أن الوضعيات تُبنى من صميم بيئة التلميذ وتكتسي صفة الدلالة ، فكان من بعض الأساتذة ، أن امتعضوا من النص المقترح بحجّة أنّ التلاميذ لا يعرفون الطاسيلي لأنّهم لم يزوروا المنطقة ، من هنا يتّضح أن الإشكال لا يكمن في النص ذاته، بل في التصوّر الذي نحمله عن فعل التعلّم . فحين يُختزل الفهم في ما يراه التلميذ ويعيشه فقط، نكون قد ضيّقنا أفق المعرفة، وأغفلنا أن أعظم ما في الإنسان قدرته على تخيّل ما لم يره بعد . لأنّ التعليم، في جوهره، ليس إعادة إنتاج للواقع، بل هو انفتاح على الممكن، وانتقال من المحدود إلى اللامحدود .
أكاد أجزم أنّ المعنى اكتمل في ذهني لمّا زرت أحد الأقارب . رننت في جهاز الإنترفون، وبينما كنت أنتظر فتح الباب، استوقفني طفل صغير يدرس في القسم التحضيري. سألته ماذا يفعل خارج البيت في هذا الوقت، فأجاب بعفوية أن باب العمارة أُغلق عليه قبل أن يتمكن من إخبار والدته. سألته : لماذا بقيت تلعب إلى هذا الوقت ؟ ألا تخشى اللّيل؟ وأردفت متعجّبة : ألا تخاف من الغول؟ أجاب بنعم ، لكن ما أدهشني حقّا هو حين طلبت منه أن يصفه . بدأ الطفل يرسم بكلماته صورة دقيقة ، ملامح، حركات، هيئة كاملة، وكأنّه يراه أمامه . حينها أدركت أن الطفل لا يتعامل مع الخيال كترف، بل كأداة للفهم، وأنه يبني عالمه المعرفي عبر التصوّر قبل الواقع .
من خلال الواقعتين ، أردت التركيز على فكرة أساسية تكمن في أنّ التعلّم لا يكتمل إلا حين يتحوّل إلى تجربة فكرية حيّة، وأنّ التفلسف بالحكاية ليس نشاطا هامشيا، بل مدخلا عميقا لبناء المعنى . فالحكاية، حين تُقدَّم بوصفها فضاء مفتوحا، لا تُلقّن الإجابات، بل تثير الأسئلة، وتدفع التلميذ إلى التأويل، والمقارنة، وإعادة البناء . فالتفلسف بالحكاية ابنُ الخيال ، من دونه تتحوّل الحكاية إلى خبر، ويتحوّل التفكير إلى مجرّد تكرار . وحيث يغيب الخيال، تموت الحكاية… وحيث تموت الحكاية، يتعطل التفلسف ، وحيث يتعطّل التفلسف يموت الابداع .
إن التلميذ الذي لم يزر الصحراء ليس عاجزا عن فهمها، بل هو مدعو لاكتشافها بطريقة أعمق، إذا ما أُحسن توجيه خياله. وهنا يتجلّى دور المعلّم الحقيقي، لا بوصفه ناقلا للنصوص، بل صانعا للمعنى، وموجّها للفكر. فالنص لا يُقرأ فقط، بل يُعاش، حين نمنحه امتدادات بصرية وسمعية وتخيلية ، باستحضار الوسائل والسندات الملائمة . وأفضل و أنجع ما أركّز عليه وأحثّ ،إقحام تكنولوجيا الإعلام والاتصال في الممارسات التعليمية التعلّمية ، لأنّ إدماجها يجعل التعلّم أكثر إيجابية ، ويحوّل المتعلم من متلقّ سلبي إلى فاعل مشارك، كما يعزز الفهم ويثبّت المعرفة في الذاكرة .
لعلّ التحوّل الأعمق اليوم هو أن الخيال لم يعد مجرد طاقة ذهنية، فبإمكان التلميذ أن يعبّر عن مكان بتوظيف خياله بالسرد والوصف ، من خلال ما قرأ وتناول من نصوص ( محور الأسفار) كما يمكنه أن يعيش الحكاية أو يعايش المكان بعد أن صار تجربة قابلة للعيش . ففي العوالم الرقمية، يمكن للتّلميذ أن يدخل الصحراء افتراضيا، أن يتجوّل بين صخور الطاسيلي، وأن يراها كما لو كان هناك. وهنا تتحقّق المفارقة الجميلة ، ما دافع عنه فيلسوف إرادة القوّة "فريدريك نيتشه" ـــــ حين دعا إلى عدم حرمان الإنسان من خياله ـــــ يجد اليوم امتداده في فضاءات رقمية تمنح هذا الخيال شكلا ووجودا. فالخيال لم يعد هروبا من الواقع، بل أصبح وسيلة لإعادة بنائه.
إن القول بأن الخيال ترف تربوي هو في حد ذاته جهل بطبيعة التعلّم . فالخيال ليس زينة، بل أصل ، هو الجذر الذي تنبثق منه المعارف، والمنبع الذي يتغذّى منه الإبداع . ومن هنا، فإن التفلسف بالحكاية لا يعتمد على الخيال فقط، بل ينبع منه، ويستحيل بدونه. فحين نمنح التلميذ حكاية مفتوحة، وندعوه إلى إكمالها، أو تغيير نهايتها، أو وصف عوالمها، فإنّنا لا ندرّسه فقط، بل ندرّبه على التفكير .
أؤكّد على أنّ الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تبسيط النصوص، بل في تعميق طرق تدريسها. نحن بحاجة إلى أساتذة متمرّسين في تفعيل الخيال، وفي توظيف الوسائط التكنولوجية بوعي، يربط بين المعرفة والتجربة، وبين الحكاية والتفكير . أساتذة يدركون أنّ الدرس ليس لحظة مغلقة، بل امتداد حيّ، وأنّ التلميذ ليس وعاء، بل أفقا مفتوحا واعدا . ووفق هاته القناعة ، لا يمثّل نص الصحراء أو غيره من النّصوص عائقا ، بقدر ما يشكّل فرصة لتوسيع مدارك التلميذ ، حينها لا يكون الخيال ترفا، بل ضرورة، ولا تبقى الحكاية وسيلة شرح، بل تتحوّل إلى أداة فلسفية لبناء العقل. وهكذا، يصبح التعليم فعّلا حيّا، يصنع إنسانا قادرا على أن يرى ما لم يره، وأن يتخيّل ما لم يعشه، وأن يحوّل المعرفة إلى تجربة نابضة بالحياة والمعنى .
من سلسلة التّفلسف بالحكاية
ليلى تبّاني ـــ الجزائر