د. رشيد هيبا - عنوان المونودراما: بــــين الغنـــا والمــــــوج حكايات شهرزاد...

تلخيص المونودراما

المونودراما تتحدث عن رفض شهرزاد لمسألة الحكي من أجل إنقاذ نفسها، أو خوفا من شهريار، لدى تطالب كل النساء بأن تحكي كل واحدة حكايتها كي تعيش ولا تموت، وقد اختارت شهرزاد، من النساء اللواتي، لهن تأثير إيجابي أو سلبي، كلا من عيشة البحرية التي كانت سليلة أسرة بغدادية وجاءت إلى المغرب واستقرت في مدينة أزمور، لتجد نفسها فيما بعد مجرد مزار يأتيه النساء والرجال من كل حدب وصوب، فقررت أن تتحول إلى عرافة.
تم شخصية خربوشة أو حادة الزيدية التي كانت تناضل بالكلمة والأغنية، وبفن العيطة العبدية، لتواجه طغيان القائد عيسى بن عمر ...
وبين هذه الشخصية أو أخرى، يتم اكتشاف مجموعة من المفارقات والتصورات حول المرآة، ونظرة المجتمع لها.

الشخصية الوحيدة : شهرزاد
تتحول إلى شخصيات أخرى امرأة في الثلاثينيات أو الأربعينيات، تحمل في صوتها طبقات متعددة: الحكواتية، الضحية، المقاومة والأم التي لم تولد بعد.
 الزمان : ليلة غير محددة، لكنها تتكرر كل مرة
 المكان : فضاء رمزي / غرفة نصفها قصر شرقي قديم (سرير + شمعدان – ستارة حرير)
ونصفها غرفة معيشة مغربية بسيطة (كرسي بلاستيكي – باب حديدي – مرآة مشروخة).
 الإضاءة تتغير حسب الحالة النفسية
 ضوء خافت، صوت ماء بعيد كأنه يتقطر من زمن بعيد.
 شهرزاد جالسة أمام المرأة، لا تضع مكياجا، بل تمسح شيئا غير مرئي من وجهها.
(صمت طويل)
(ثم تبدأ الكلام دون أن تنظر إلى الجمهور)
شهرزاد : لم اعد أريد أن أحكي
نعم أنا ... التي عشت حياتي كلها ما بين جملة وجملة ..
بين حياة مؤجلة وحياة تروى.
(ترفع صوتها قليلا) :
اليوم قررت أن أصمت...
(تضحك ضحكة قصيرة جافة)
أتدرون ماذا يعني أن تصمت شهرزاد؟
يعني أن تتوقف القصص عن إنقادي... وأن يتوقف الملك عن الانتظار... وأن يسقط الليل بلا حيلة.
لكنني لست خائفة
بصوت أقل حدة
أنا متعبة
(إضاءة تتحول، ويظهر ظل شهريار خلف الستارة دون أن يكون موجودا)
كنت أحكي لأعيش، لكنني اكتشفت أن الحياة التي تشتري بالحكاية... ليست حياة.
كل ليلة كنت أروي قصة... وأقتل امرأة في داخلي، كي أبقى حية إلى الصباح.
(تصرخ)
لكن إلى متى...؟
(تنهض، تمشي نحو الكرسي البلاستيكي)
أنا ما غادياش نعاود حتى شي خرافة وحتى شي حكاية
أنا اليوم غادي نكون هي الحكاية.
(شهرزاد، بصوت أقوى)
فبلادي... ماشي كل الحكايات كتسالي فالفجر بعضها كيبدا مع الصباح
فبلادي الحكاية ما كتساليش
كتفيق مع الضو وتزيد تعيش
ينتهي المقطع بموسيقى، موسيقى ورقصة كناوة)
اللوحة الأولى: بين دجلة وأم الربيع (لالة عيشة البحرية)
إضاءة خافتة تميل إلى الأزرق، صوت ماء خفيف في الخلفية، يمتزج بين خرير نهر، وهدير بحر.
 على الخشبة كرسي خشبي بسيط، ومصباح زيتي
 تدخل عيشة البحرية، ببطء، ترتدي جلبابا مغربيا بسيطا، لكنها تحمل وشاحا شرقيا فخما يوحي بماضيها.
عيشة (تتقدم ببطء، تلمس الوشاح) :
هذا ... لم يعد يشبهني
(تبتسم بحزن)
كان يلمع أكثر... حين كنت أطل من شرفات بغداد.
(إضاءة دافئة خفيفة، صوت عود بعيد)
بغداد ... يا دجلة القلب
كم كنت سخية معي
قصور، خدم، عطور، وأصوات ضحك لا تنام كنت أظن ان الدنيا خلقت لترضيني.
(تجلس، تنظر إلى الفراغ كأنها ترى ماضيها)
في تلك الليالي...
كنت أرقص بين المرايا
وأعد النجوم التي تنعكس في كؤوسي كل شيء كان في ذاك الزمان ينتمي إلى ألف ليلة وليلة
(بأسى)
لست أدري إن كانت شهرزاد تعلم بحالي؟
آه على أيامك يا بغداد، كنت ملاذا لكل من يعشقون الحياة...
وأنت يا شهرزاد لم نعد نسمع عن حكاياتك ما يشفي الغليل.
(بخوف)
لا تقولي لي أنك أصبحت بلا رأس، ...!
فقد تعود شهريار على قطع الرؤوس، وامتلاك الأجساد...
أرجو أن لا يكون السكوت عن الكلام المباح، ضريبة أخرى تدفعينها يا شهرزاد
(صمت قصير، يتغير الضوء إلى لون أكثر برودة)
ثم جاء هو من عالم الغيب ...
لا أفهم كيف جاء إلى بغداد...
هل كان سندبادا يرتوي من رحلاته السبع، أم كان ينتمي إلى عالم الجن...
قالوا إن أسفاره، لا تكون إلا عبر الريح المرسلة وسجادة طائرة ...
(متعجبة) : هذا ما يقال ! لكنه أتى، إلى بغداد يحمل زادا غريبا...
لم تكن جواري بغداد تغريه .... ولا حريرها القادم من الهند يستهويه...
(بنبرة حب)
بوشعيب ذلك الرداد الخفيف الذي، يجعل النفس في حالة نشوة علوية...
لم يكن يشه أحدا
(تنهض، تتحرك ببطء، وكأنها تتبعه في الذاكرة)
لا ذهب في يديه
ولا وعد في عينيه
فقط سكينة
ووقار ورهبة تمشي على الطريق
(تتحدث إلى نفسها)
شايلاه أسيدي بوشعيب الرداد...
(تقترب من حافة الخشبة)
سألته : ماذا تملك؟
فقال : ما يكفيني في الطريق نحو الحبيب
ضحكت يومها، لم أفهم كلامه... كان هو يعيش في السحاب، بينما كنت أعيش في الأرض
(تتوقف، تهمس)
لقد بكيت بعدك أسيدي بوشعيب سنين طويلة.
(صوت رياح خفيفة، تتحول تدريجيا إلى صوت أمواج الأطلسي)
تركته أول مرة ...
لم أحتمل فقره، ولا صمته
كنت أريد حياة تصفق لي ... لكن...
(تضع يدها على صدرها)
قلبي ... بقي هناك على قدميه
(تجلس على الأرض هذه المرة، أقرب للجمهور)
عدت إليه ... لا كأميرة
بل كامرأة تبحث عن كينونتها
قلت له: خذني كما أنا
فقال : اتركي ما ليس منك، وتعالي...
(إضاءة ذهبية خفيفة، كأنها بداية تحول )
وتركتك يا بغداد، يا بلاد دجلة والفرات ...
وبلاد ألف حكاية وحكاية ...
(تزداد حدة صوتها)
تركت المرايا
وتركت تلك العيشة التي كانت تشبه اسمي... ولا تشبه روحي.
(تقف ببطء، تنظر إلى الأفق)
جئت معه إلى مدينة صغيرة
ازمور
مدينة صغيرة، لكنها تسمع قلبي الآن..
(صوت أمواج أوضح، نسيم)
هنا ...
تعلمت أن الصمت ليس فراغا
بل امتلاء
وأن الحب
ليس ما يقال
بل ما يُتركُ لأجلهِ...
(تلمس الأرض كأنها تقبلها)
يا أم الربيع
غسلت ما تبقى من بغداد في داخلي
لكن ...
(تبتسم بحنين)
تركتَ لي ما يكفي لأحكي
(تلتفت للجمهور مباشرة)
أنا عيشة
التي كانت تمتلك كل شيء
فتركت كل شيء...
لتجد كل شيء
إرشادات مسرحية إضافية ... (تتوقف صامتة....)
 الصوت مزج بين موسيقى عراقية تقليدية (عود) وأصوات بحر مغربي مع كلمات باللهجة المغربية، لإبراز الانتقال.
 الإضاءة : الانتقال (من الدافئ (بغداد) إلى البارد (الضياع)، ثم إلى الذهبي الهادئ (السكينة في ازمور)
 يحب أن يكون الأداء داخليا، يعتمد على الصمت بقدر الكلام، مع استخدام نظرات بعيدة كأنها ترى الماضي.
 الإيقاع بطئ متأمل يساعد في النوسطالجيا

اللوحة الثانية : لا لة ولا َّلعنة
 ظلام، صوت ريح خفيفة، ثم يدخل إيقاع كناوة تدريجيا "كَمبْرِي عَمِيقْ + قراقب" منتظمة.
إضاءة خضراء، داكنة تكشف الشجرة
- جسد عيشة ملتصق، لكن رأسها مرفوع، عيناها مفتوحتان، وعلى كتفيها وشاح فيه خيوط مربوطة.
- أمامها طاولة صغيرة فيها شموع، بخور وقطع قماش طويلة كأنها خيوط...
- عيشة (تضحك ضحكة خفيفة، ما بقاتش ضحية فقط، ولات واعية بالدور الجديد...)
عيشة (بهدوء مخيف)
ها ... السكات ... سكات كبير كيدوي فودني فين مشات الأرض؟ فين مشى البحر اللي كنت كنحس بيه تحت رجلي؟ فين مشى سيدي بوشعيب الرداد مول السارية...
أنا ... عيشة البحرية
ولا غير إسم بقا كتعاود
كنت كنسافر فالسما بحال السحاب ... كنت كنغوص... كنطلع .. كنشم ريحة الملح
كنعرف الموجة من نفسها...
ودابا؟
لا موج... لا غرق ... لا نفس
الكسدة ديالي فين هي؟
كنحاول نلمس ... كنلقى غير الفراغ كيرد عليا.
واش هاذي هي الموت؟
ولا شي باب آخر تفتح بلا ما يسولني؟
كنتحرك ... ولكن، مكاين لا طريق، لا إتجَاهْ كنوقف... ولكن ما كاين لا أرض توقفني...
أنا غريبة ...
كنحس براسي خفيفة بحال البخار
ولكن ثقيلة بأسئلة ما عندها جواب
أنا ما بقيتش كنشوف بعيني
كنشوف بشي حاجة أخرى...
بحال إلى الوجود كامل ولى مريا
وأنا صورة ضايعة فيها
الوقت؟
ما بقا كيدوز ... وَلاَّ أنا يَمكَنْ اللِّي خرجت منو. لحظة كتبان بحال عام.
وعام كيدوز بحال نفس مقطوع.
كنسمع صوتي فدواخلي
واش سالات الحكاية
ويرجع صوت آخر يجاوب
لاَّ... راه تبدلات، ولكن...

(تصرخ)
ولكن شنو، أنا ما طلبتش هاذ التبديل
كنت عارفة شكون أنا
مرا من لحم ودم، كتغلط، كتخاف، كتضحك...
(تتساءل)
ودابا
(باستغراب): كنحس براسي فكرة... ظل ...
حاجة ما كتشدش
واش غادي نبقى هكا؟
بلا اسم حقيقي، بلا نهاية واضحة؟
كنحاول نبكي.. ما كاينش الدموع
كنحاول نغوت... الصوت كيتبلغ قبل ما يخرج
غير هاذا الصمت...
مالو ؟
هاذا الصمت اللي ولي هو جَلْدِي الجديد
(بحسرة)
آه يا عيشة مولات الموجه
إلى كنتي مزال عيشة
قولي ليا:
واش هاذي بداية ...
ولا تيه ما منو رجوع
(تقترب من الشجرة التي توجد فيها خيوط قماش كثيرة مستغربة)
إضاءة خافتة زرقاء تميل إلى الخضرة، كأنها ضوء تحت الماء، صوت ريح خفيف)
تتوجه عيشة ببطء نحو الشجرة مترددة
عيشة : (بصوت مبحوح، كأن الصمت ثقيل في حلقها):
هادي ... شنو هادي؟
شجرة ... ولا حكاية مربوطة؟
(تقترب ببطء، تمد يدها نحو خيط، لكنها تتراجع قبل أن تلمسه)
علاش هاد القماش كامل؟
ألوان... ولكن ما فيها فرحه
كيبانو بحال أرواح تشدات ... وما لقاتش طريق ترجع.
(إضاءة مركزة على الخيوط، تتحرك أكثر مع صوت همسات خفيفة غير مفهومة)
أنا كنحس بيهوم ...
كل خيط فيه نفس مقطوع... فيه طلب ..
فيه سر مدفون.
(تدور حول الشجرة ببطء، كأنها تحاصرها بالسؤال)
قولي ليا...
أش جابك لهنا؟
كنتي شجرة عادية ... ولا حتى نتي تبدلتي بحالي؟
- صمت قصير، صوت خشخشة خفيفة من الأغصان.
- الإضاءة : تهتز لحظة، تميل إلى لون اصفر غريب.
- واش سمعتي؟
- ولاَّ غير أنا اللي وليت كنهدر مع الصنم
(تضحك ضحكة قصيرة متوترة)
واهذا هو الحماق
وليت أنا البغدادية، ولالة عيشة البحرية كنهدر مع شجرة.
وا الهبال هذا
(تقترب أكثر، هذه المرة تلمس خيطا، وفور اللمس، يصدر صوت خافت وعميق من الفضاء، لا تعرف عيشة مصدره... ولكنه يبدو انه يخرج من الجذور)
(عيشة تقلد صوت الشجرة)
ماشي أنا اللي تبدلت ...
اللي تبدل هو اللي شد فيا
(إضاءة خضراء داكنة من الأسفل، تعطي إحساسا بأن الشجرة تتنفس)
- عيشة (تتجمد لحظة، ثم تهمس)
شكون ... شد فيك ؟
- صوت الشجرة (عيشة تقلد صوتها)
عقول تعفنات ...
قلوب نسات النور
والنية تعقدات ... ورَبْطاتْ راسها فخيوط مخبلة ...
(الخيوط تتحرك بقوة أكبر، كأنها تستجيب للكلام)
عيشة (بصوت يرتجف فيه اعتراف)
بحالي...
(صمت ، الإضاءة يَخِفُّ أكثر، يبقى ضوء على وجهها فقط)
حتى أنا معرفتش
فين ضيعت الطريق ...
ولا شكون ربطني ... ولا علاش تْبَدَّلْتْ
ترفع عينيها نحو الأغصان)
قولي ليا ...
علاش أنا، ولات قصتي ماشي ديالي؟
علاش حسيت براسي كنولي سر ... ماشي امرأة
صوت الشجرة
حيث السر كيلقى السر
واللي فيه العُقَدْ ... كيتربط فالعقد
(إضاءة متقطعة، كأنها نبض)
عيشة (تشد خيطا بيدها، بقوة هذه المرة) :
وهذا ؟
هاذ الشيء اللي معلق فيك... واش يقدر يتحل
ولا كولشي كيولي بحالك ... واقف ... ساكت... ومشدود؟
صوت الشجرة (أعمق وأثقل)
اللي ربط ... هو اللي يَحلْ
وإلا تبقى الخيوط كتكاثر
حتى تولي الغابة كاملة عقدة وَحْدهَ
(صمت طويل، الريح تزداد، الإضاءة تميل للأحمر الخفيف)
عيشة : (ببطء، وكأنها تكتشف نفسها)
أنا ...
أنا ماشي غير ضايعة ...
(تنظر إلى الخيوط، ثم إلى يديها)
أنا ... حتى أنا خيط...
مشدودة، فشي حاجة أكبر مني
(تضحك ضحكة حزينة، طويلة، تذوب في الصمت)
شجرة ...
يمكن نتي وأنا ... ماشي مختلفين
غير نتِي سكتتي..
وأنا ... باقي كنحاول نفهم
(تنطفئ الإضاءة تدريجيا، يبقى فقط ضوء خافت على الخيوط وهي تتحرك ببطء، مع صوت همسات تتلاشي.
اللوحة الثالثة :
عنوان اللوحة : طقوس الظلال
 الركح مظلم... صوت، دقات خفيفة تشبه نبضا بطيئا، تدريجيا، يظهر ضوء أخضر داكن من الأسفل، يكشف الشجرة بخيوطها الكثيرة، دخان بخور يتصاعد... مع تصاعد الضوء، تظهر عيشة جالسة تحت الشجرة؟
 ترتدي عيشة قفطانا دداكنا مائلا إلى الأخضر والأسود، مطرز بخيوط حمراء، شعرها منفلت تتخلله خيوط قماش صغيرة مربوطة، في عنقها حلي تقليدية (خرز، تعاويد، عظام صغيرة)، يداها ملطختان بآثار حناء غير مكتملة، كأنها طقوس لم تنته.
 إضاءة مركزة على وجهها، تظهر نصفه مضاء والنصف الأخر في الظل.
عيشة (بهدوء وثقة جديدة) :
آه... دابا عاد فهمت
راه ماشي خاصني نلقى الطريق
راه خاصني نولي أنا الطريق...
(تأخذ نفسا عميقا، تلمس الأرض بيديها)
هنا ... تحت هاذ الشجرة، فين كاينة الأسرار المربوطة...
وأنا مربوطة معاها، هي مني وأنا منها غادي نجلس... ونسمع ... ونقول اللي بغاو يسمعو
(تضحك بخفة، نظرة ماكرة)
حيث الناس ما كيقلبوش على الحقيقة...
كيقلبو على الراحة ... ولو كانت كذبة.
(صوت همسات نسائية بعيدة، كأن نساء يقتربن الإضاءة تتوسع قليلا، ثم تعود تتركز عليها وحدها)
كنشوف العجب فهاذا البلاصة
عيالات جايبين الهم ... وربطوه فغصة شكون قال ليكم الشجرة كتسمع الدعاء ولا أنا وليت مفتاح؟
كاتربطو الخيط ... والقلب كيتوجع
واش الخيط غادي يحل ... عقدة فصدوركم
ولا غير الوهم بلاكم، وعمى عيونكم؟
أنا غير اسم ... حكاية ودازت
نتوما عطيتوها روح... وولات كتتزاد
حتى ولات عيشة ... كتحكم فالعباد
واش أنا عيشة ولا مزار
(ضوء خافت ، عيشة قرب الشجرة)
عيشة : أنا عيشة البحرية ...
وليت هنا ... تحت هاذ الشجرة،
كنستقبل الحكايات ... وأحولها إلى طقوس
(تقترب منها امرأة تبدو تعيسة، تتقمص عيشة صوتها)
للا... راجلي تْبَدَّلْ عليا ... وقلبي مقبوض...
(ترجع لصوتها، بنبرة فيها ثقة مصطنعة)
آه... تبدل؟
هادي ساهلة ألالة... تبديل القلوب عندو باب واحد : الخيط
(تخرج قطعة قماش)
شوفي ... هاذ الحرير...
حرير الهند ... كيشد حتى اللي هارب
(تقترب من الشجرة)
كنربطوها هنا ... فهاذ الغصن،
وعلى كل عقدة ... تقولي :
يبقى ... يسمع ... يرجع
(بصوت المرأة)
وغادي يولي كيف كان؟
(بابتسامة فيها مفارقة)
كيف كان ... ولا كيف بغيتيه يكون؟
حيث الفرق كبير... ولكن الخيط ما كيسولش
(تربط القماش ببطء، وكأنها تنجز طقسا ساحرا)
واحد ... جوج ... ثلاثة ...
هاهي العقدة شدات ...
(تغمض عينيها وكأنها تستحضر شيئا من عالم الغيب)
دابا ... كاين اللي ما كيبانش
كيتحرك ... كيدور ... كيقرب البعيد
(تفتح عينها فجأة بنبرة عادية)
ويقدر هاذ الخيط يدور الفكرة فراسك حتى تولي حقيقة
(بصوت المرأة، متعلقة بالأمل)
دابا الالة مولات الموجة غادي يبقى معايا؟
(تقترب منها، وتهمس)
يبقى ممكن
ولكن قولي ليا
إلى بقى حيث مربوط ... واش هاذي محبة
(صمت خفيف) (تضحك ضحكة صغيرة، ومرة، وليست ضحكة استهزاء..)
شوفي ... أنا كنربط الخيط،
وأنتي كتربطي فالأمل،
وهو يمكن حتى ما عارف والو.
(تنظر للشجرة)
هاذ الشجرة ... شحال سمعات ديال، بغيتو يبقى
وقليل اللي قال : بغيت نكون أنا بخير
(بصوت المرأة، ضعيف)
غير ما نبقاش بوحدي..
(تقف بنبرة هادئة)
هادي هي العقدة الكبيرة ...
ماشي ديال الحرير...
ديال قلة العقل...
(تسحب يدها من الغصن غاضبة)
ليت شهرزاد تركتكم تموتون كل ليلة ...
تتقدم إلى الجمهور
أنا عيشة البحرية ...
كنغلف الوهم بطقوس
وكنبيع الطمأنينة بالتقسيط
وكنخلي كل واحد يبيع الحكاية ديالو
(تتوقف)
هي غادي تمشي مرتاحة شوية...
حيث دارت شي حاجة
وأنا غادي نبقى هنا...
كنتسنى حكاية جديدة
(تعود إلى الشجرة، وتنظر إلى فتاة في العشرينات من العمر، تتوسل إلى الشجرة كي تساعدها في إيجاد رجل...)
عيشة : آه يا شجرتي
يا اللي حَفَّظِْتني سر البنات، وخَبيتي دمعات الليل فهاذ الخيوط ...
(تشد خيطا أحمر)
هذا ديال اللي بغا راجل طويل
(تشد خيطا أخضر)
وهذا ديال اللي بغا غير شي ظل راجل...
ظل وخلاص...
(تتوقف، تنظر للجمهور)
وشفتوها؟
ديك الشابة، عينيها عامرين خوف، وقلبها عامر...
كتقول : يا الشجرة عاونيني نلقى راجل ...
ولو نصف راجل ...
(صوت الشابة، خافت متردد)
أنا هنا ... كنسمعك...
واش غادي تعاونيني؟
(تعود عيشة لصوتها وتبتسم بسخرية خفيفة)
نعاونك؟
ولا نعاون الوهم اللي ساكن فيك
(تدور الفتاة حول الشجرة، كأنها تبحث عنها)
فينك أمولات الموجات؟
أنا باغية راجل، أي راجل، وخا يكون ظل ولا حتى خيال... راني عييت
(عيشة تشد خيطا بقوة)
قولي لي الصراحة، شنو واقع
(صوت الشابة)
الوالد ما عندو حرمة حتى لشي حاجة، كيسكر ... كيضرب الوالدة... كيهرس الدار....
ولكن ماشي هاذا هو المشكل
عيشة : عرفت المشكل ديالك... كيتحرش بيك
صوت الشابة (متعجبة): أنتي مرا مبروكة كولشي كيهدر عليك
عيشة (بأسى) : بل تحولت إلى مشعوذة ودجالة
صوت الشابة: نعم أبي يفعل ما ذكرت امولاتي، عندما تخرج أمي باش تخدم فالفلاحة النهار كامل، كيدخل للدار سكران، وكا ...
عيشة (بغضب): بلا ما تكملي عارفة وكنعرف ولكن ابنتي، الخيط ما غاديش يحل ليك هاذا الكارثة.
صوت الشابة (تصرخ) : أنا كنتعلق ولو بقشة ماشي غير خيط.
فاش كانكون في الغرفة ديالي، وكنسمع الخطوات ديالو، والوالدة مكايناش، قلبي كيموت.
خطوات ما فيها رحمة ولا حنان
كنموت كل دقيقة وكل نهار
مات فيا كولشي
عيشة (تقول زجلا)
يا روُحْهَا طاحت وسْكاتْها فْضَحْهَا
كتخبي الجرح والدمعة تجرحها
ليلها شاهد والحيط حافظ سرها
ومن بعد الكسر... حتى هي ما عرفات راسها
صوت الشابة (تبكي) :
ما قلت حتى لشي حد ...
الوالدة ... كاتشوف... وما كتشوفش
عيشة (بصوت منخفض، غاضب)
الصمت ... شريك فالجريمة ...
(تقترب نحو الفتاة وتضمها إليها)
واش الراجل، هو اللي غادي ينسيك ابنتي
كتسولي الشجرة على راجل باش ينسيك؟
(تضحك ضحكة قصيرة، مرة)
واش النسيان كيتشرى؟
واش الراجل دواء ... ولا غير ضمادة
فوق جرح مفتوح؟
(تقترب خطوة، بنبرة حازمة)
سمعي ليا مزيان
ما كاين حتى راجل غادي يمحي ذاك الشيء اللي وقع...
ولا يغسل الليل اللي ساكن فيك
اللي ساكن فيك... خاصك نتي تواجهيه
(تشير نحو الشجرة)
شوفي هاذ الخيوط
كل وحدة مربوطة بأمل... أو بكذبة صغيرة وكلهوم كيقولو نفس الحاجة
"شي حد يجي ينقدني"
(تسكت لحظة)
ولكن شكون ينقذك من صمتك؟
كنعرف ...
الكلام صعيب....
والبوح كيحرق
ولكن الصمت
كيقتل بشوية ... بشوية
(زجل خافت)
يا كلمة محبوسة فالفم
طلقيها قبل ما يطول الألم
راه السكوت ماشي ستر
السكوت ... كيزيد فالظلم
(تعود للشجرة، تفك خيطا)
فكي أول عقدة
قولي أول كلمة
ومن بعد ...
غادي يتبدل كولشي
(تنظر نحوها أخر مرة)
واختاري
إما تبقاي معلقة
ولا تولي حرة
موسيقى على إيقاع كناوة مع تحول عيشة إلى راقصة تطلق شعرها كأنها في عالم آخر...
اللوحة الرابعة : الرجوع للصمت
الشجرة في وسط الركح، أغلب خيوطها ساقطة على الأرض
الضوء باهت يميل على الرمادي، كأن الحياة انسحبت من المكان
صوت ريح أقوى من السابق، بنبض خافت كأنه أنفاس متقطعة
(تدخل عيشة البحرية ببطء شديد منهكة، تحمل بعض الخيوط المتقطعة)
عيشة : ساليت
ما بقى ما يتقال
ولا ما يتربط
(ترمي الخيوط أرضا)
حتى هاذ الخيوط ... ولات كتضحك عليا
(تنظر نحو الشجرة بحزن عميق)
فين مشات ديك ليام ...
اللي كانت الكلمة فيها تكفي...
والنية توصل
والصبر عندو قيمة ...
(تتنهد)
أيام بوشعيب الرداد
ولا غير حكاية كنواسي بها راسي
(تضحك بسخرية هادئة)
دابا ...
البنت كتجي مجروحة ...
والأم ساكتة
والأب ضايع
وكيطلبو مني ندير معجزة ...!
(تقترب من الجمهور)
أنا ماشي معجزة ...
أنا غير وحدة ... كانت كتأمن ....
(تصمت )
ودابا حتى الإيمان تعب...
(تجلس قرب الشجرة، تلمس التراب)
كنحس القبر كيناديني
ماشي هروب ...
ولكن رجوع ...
رجوع للصمت اللي مافيهش كذوب ...
ما فيهش طقوس للبيع...
وما فيهش خيوط معلقة بين الوهم والحقيقة.
(بزجل خافت، كأنه وداع)
يا دنيا دوزي كيف الريح
خذي الضحك وخلي المجروح
اللي كان يعالج بالكلام
ولي ساكت ... وطلب يريح
(ترفع رأسها ببطء)
يمكن أنا ما خاصنيش نبقى هنا ...
حيث إلى بقيت ...
غادي نولي فعلا عرافة
ونصدق الكذبة اللي كنبيع
(تقف وتنفض يديها من التراب)
لا ...
أنا نرجع لقبري
حيت الحقيقة تماك ... ما شي هنا
(تنظر نحو الشجرة آخر مرة)
وخلي هاذ الخيوط
تشهد ...
أنا الناس...
هما اللي علقوا حياتهم ... فيك
وخلاوها تتشابك
(تتجه، ببطء نحو الظلام، صوت الريح يهدأ تدريجيا)
عيشة البحرية (بصوت يتلاشى) :
اللي بغا النور
يقلب عليه فدواخلو
ماشي فيا ...
(الضوء ينطفئ تدريجيا)
(الركح منقسم بصريا إلى مستويين)
يمين الخشبة : غرفة شهرزاد الملكية مع أثواب حريرية معلقة واكسوسوارات تحيل على زمن ألف ليلة وليلة.
يسار: منصة فارغة صغيرة، كأنها تنتظر صوتا جديدا
إضافة منقسمة (ذهبية في جهة غرفة شهرزاد وزرقاء مسلطة على المنصة موسيقى من فن العيطة، متقطعة ...
شهرزاد (بصوت متغير كأنه يستعيد هوية أخرى)
شهرزاد : كفى...
(صمت قصير)
كفى من الحكي ... حتى أبقى أنا حية
وحكاياتهم ... ستموت فيه صدورهم كنت أحكي لتأجيل موتي
(تبتسم بمرارة)
أما الآن ... فقد أصبح الحكي يؤجل حياة الآخرين
(تتقدم نحو يسار الخشبة، الضوء الذهبي يقوى)
شهرزاد: الليلة ...
لن احكي ... سأسكت
(موسيقى ترتفع من فن العيطة مع كلمات) :
خربوشة قالت والحق ما يتخبى
صوتك جبل فوق راس العديان
غنيتي والريح تشهد فالميدان
والمظلوم يلقى فيك الأمان
خربوشة قالت والحق ما يتخبى
اللي ظلم الناس يجي اليوم ويتربى
لا جاه ولا مال يقدر يغطي
صوت الحقيقة، إلا طلع ما يتخبى
(خشبة شبه مظلمة، صوت العيطة، خَارجْ من عمق الأرض، إيقاع البندير بطئ، كنبض بعيد، ضوء ضعيف يكشف عن امرأة جالسة على الأرض، ظهرها للجمهور، تلبس لباسا تقليديا، بدويا مرتبط بمنطقة أسفي، قفطان بسيط بألوان ترابية، حزام عريض، ومنديل ملفوف على الرأس).
(صمت، همس داخلي بالفصحى):
كان اسمي ... شهرزاد.
أحكي لأنقد رأس من السيف...
وأؤجل الموت إلى فجر آخر...
(تتحرك ببطء، وتقوم، ثم تدور نصف دورة، والضوء يزداد)
ولكن ...
إلى عييت من الحكاية؟
إلى رفضت نكون غير صوت كيهرب من السيف...
ووليت أنا السيف ؟
(ضربة قوية على البندير، الإيقاع يتغير، تصبح وقفتها أكثر انتصابا وصلابة)
(بصوت حاد  التحول) :
ما بقيتش شهرزاد...
أنا حادة
أنا حادة الزيدية ...
أنا، واش عرفتوني شكون أنا؟
أنا خربوشة
(الموسيقى تزداد، تحضر العيطة بقوة، خربوشة تمشي بخطوات ثابتة وثقة)
هنا ماشي قصور
هنا الأرض عطشانة... والكرامة غالية
هنا ما كنحكيوش الحكايات...
هنا كنغنيو ... كنصرخو .... وكنقاومو!
(تضرب على صدرها)
أنا بنت هذا التراب
صوتي خارج من الزعتر والريح وأمواج البحر... ومن وجع العيالات اللي كيكتموا الدموع فخمارهم.
(إيقاع العيطة بتسارع: ترفع يدها)
(تغني بالعيطة):
آه يا لا لا
الحق ما كيموت
والظلم غير ساعة ...
(تتوقف فجأة – صمت )
بهدوء ثقيل)
فني ماشي زينة
ماشي فرجة ندوزو بها الوقت
فني موقف
فني شهادة
أنا ماشي شهرزاد نحكي لسيدي شهريار أنا منين كنطلع للخشبة ديال الغنا
ما كنلبس غير لباس البادية
كنلبس التاريخ ديال النسا...
اللي سكتو، ولكن ما ذابوش فبحر الرجال
(وقفة قصيرة)
خربوشة ماشي غير مرا كتغني
خربوشة كتسكن فيا
فكل رعشة فالصوت ...
فكل نفس كيتقطع...
فكل كلمة كتخرج بحال شي رصاصة
(تلتف حول نفسها ببطء، كأنها تضم الفضاء)
كنغني ... ماشي غير باش نتسمع
كنغني باش نقول :
راه الصوت ديال المرا ما خاصوش يبقى محبوس...
(بهدوء عميق)
أنا ما كنقلدش خربوشة، أنا كنكملها .
(تنظر إلى الجمهور مباشرة)
وإلا كان شي واحد غادي يبقى من بعدي ..
ماشي أنا ...
غادي يبقى هاذ الصوت
اللي كيرفض يسكت
أنا
صوتي سابقني ... وأنا مازلت كنلحقو
كيقولوا : خربوشة ... (تبتسم بسخرية خفيفة)
واش هذي غير سمية؟ ولا جرح مفتوح كيغني؟
(تلمس حنجرتها)
هنا ساكن الخوف
وهنا ...(تضع يدها على صدرها)
ساكن اللي ما كيموتش.
أنا ما كنتش باغيا نكون حكاية
ما كنتش باغية الناس يَرَدْدُو وصوتي ويبكيو...
كنت غير كنغني باش نسمع راسي.
باش نصدق أنني مازالة حية.
(صمت قصير، ثم بنبرة أعمق)
كيقولو : الصوت نعمة
ولكن ما قالوش أنه كيولي نقمة
إلى ولى شاهد عليك...
كيحكي عليك ...
كيعري خوفك قدام العالم
أنا كنغني...
ماشي حيث قوية،
ولكن حيت إلا سكت ... نموت
تضحك ضحكة خافتة ممزوجة بلألم)
شفت الموت... آه شفتو
واقف كيتسنى، بحال واحد الضيف الثقيل عارف انه غادي يدخل بلا استئدان.
ولكن أنا ...
كنغني باش نأجلو
كنغني باش نْقُولو : مازل، مازال عندي ما يتقال
(تتقدم خطوة نحو الجمهور)
واش كتسمعوني؟
ولا غير الصدى ديال الخوف ديالي؟
كل عيطة كنطلقها...
هي حرب ...
كل نغمة ... سيف
وكل كلمة ... جرح كيتفتح باش ما يتعفن
(تغمض عينيها، كأنها تسترجع لحظة بعيدة)
كنت كنغني للناس ...
واليوم ... كنغني ليا
كنجاوب على ذاك الصوت اللي فيا
كيَهْمَسْ، سيري عندو... أنتي غير امرا
(تصرخ)
ألاَّ
ما غاديش نمشي عندو
وما غاديش نستسلم
إلى كان الموت قدر
فالغناء اختيار
وأنا اخترت
باش نغني يا ناس
اللوحة الأولى: المواجهة
خشبة شبه فارغة (فراغ = قمع/ وحدة)
كرسي واحد في الخلف يرمز لسلطة عيسى بن عمر)
منديل / وشاح موضوع على الأرض أو في يدها
أرضية داكنة بدون تفاصيل
ظلام شبه كامل/ صوت خافت جدا من الأعلى (أزرق أو أصفر باهت)
الكرسي في الخلف يبقى نصف ظلام (إحالة على المراقبة)
موسيقى / غناء يبدأ، خربوشة تغني أغنيتها الشهيرة) :
واخايتي لِكْ أليام
واليام اليام، أيام القهرة والظلام
وافينك اعْوِيسَة، فين الشان والمرشان
شحال غَبْرْتي من عباد
شحال صفيتي من سياد
بلا شفقة وبلا تخمام
حركتي الغلة وسبيتي الكسيبة
وصكتي النسا كيف النعام
يتمتي الصبيان بالعرااام
وايلييي
خربوشة (بصوت منخفض حاد)
(تنتظر إلى جهة الكرسي الفارغ)
آه... جيتي؟
ولا غير ظلك اللي كيدوز قدامي؟
(تضحك بسخرية، تدور حول نفسها ببطء)
كيقولو : القايد .... القوة .... الحكم ...
وأنا كنشوف غير ... (تقترب من الكرسي الفارغ)
اعْوِيسَة (يتهكم)
حتى السمية ثقيلة عليك
عيسى كبيرة عليك ... كبيرة بزاف
(تضرب الأرض بقدميها)
أنا صوت ...
وأنت غير صدى خاوي كيرجع من الجبال
(ترفع رأسها حزينة، تبدأ بنغمة غنائية خفيفة حزينة لكن متعدبة)
" أش داني للغربة ودموعي على خدي واش الزمان خان ولا الناس تبدلو عليا
(تقطع الغناء فجأة بنبرة حادة)
ولكن لا
أنا ما تبدلتش
أنا اللي فضحتك
(تقترب أكثر من الكرسي، كأنها تهمس للقائد الغائب في أذنه)
خفتي من صوت مرا؟
خفتي من كلمة
خفتي من عيطة عبدية
(تصمت ثم تنفجر ضاحكة)
واش هاذي هي السلطة ديال اعويسَة
تخاف من عيطة؟
آه نسيت، نتا ما كتسمع غير صوت راسك...
(صمت قصير، تم تبتسم بسخرية)
كيقولوا: خربوشة كتغني...
وما عرفوش ... بلي العيطة نار
الا شعلات... ما كتطفاش
(تحمل بنديرا وتضرب بإيقاع خفيف)
العيطة العبدية ماشي غير نغمة
راه تاريخ مكتوب بالدمع وبالدم
أنا غنيت على الظلم
على القايد للي حسب راسو فوق الناس
ونسيتي بلي الصوت... إلى طلع يوصل حتى للسما
(تقترب خطوة من الجمهور)
كنت كنغني ... وهما كيخافو
حيث الكلمة إلى خرجات من القلب.
كتولي سيف
(بصوت أقوى)
أنا خربوشة!
ما نركعش ... ما نسكتش
حتى إلى دفنوني
غادي تبقى العيطة كتدوي فالحجر...
وفالبحر ... وفالقلوب الهايمة
فالعقول التايهة...
(تبدأ في المشي ببطء، خطواتها غير مستقرة)
جا عندي القايد، بالكسدة ديالوا الميتة
قال ليا: حبسي هاذ العيطة ... راه كتحرضي الناس ... راه صوتك كيشعل العافية فقلوبهوم
(تضع يدها على صدرها بقوة )
ايوا شنو ندير؟ نطفيها؟ نطفي هاد الشيء اللي كيغلي هنا؟
(تتنفس بسرعة كأنها تختنق)
أنا ما كَنْغَنيشْ ألقايد، غير باش نغني..، أنا كنعيط... كنعيط على الحق.. كنعيط على الوجع اللي ما لقا حتى واحد يسمعو.
(تقترب من مقدمة الخشبة، تنظر للجمهور مباشرة)
قال ليا : إلا ما سكتيش... غادي نعرف كيفاش نسكتك، وكان عارف...
عارف بلي المرا فهاذ البلاد... خاصك غير تلوح عليها شي كلمة... باش يدفنوها الناس وهي حية.
(تخفض رأسها قليلا، صوتها أهدأ، لكنه أشد)
خفت ... إيه ، خفت.
(صمت طويل)
ماشي منو هو ... خفت من ذاك الصمت اللي بغى يحطني فيه... من ذاك الليل بلا صوت .. بلا عيطة ... بلا روح.
(ترفع رأسها فجأة.. عيناها تلمعَان)
ولكن أكثر حاجة خوفاتني، هي إلا صدقتوا
إلا آمنت بلي أنا غير مرا... غير جسد كيتملك، غير حاجة وصافي...
(تضرب الأرض بقدميها)
لا
أنا صوت ... أنا عيطة كتخرج من الحلق ديال الأرض.
(نبرة صوتها ترتفع تدريجيا)
إلى هاذ عويسة، خنق صوتي اليوم، غدَّا غادي يخرج صوتي من ألف حنجرة... إلى حبسني... راه ما يقدرش يحبس الوجع.
(تتوقف فجأة، صمت، تنظر بعيدا، كأنها ترى مصيرها)
ولكن واش نقدر نتحمل الثمن؟
(ترتعش قليلا، تمسك ذراعيها)
الجسد كيخاف... والروح كاتتمرد
(تجلس ببطء على الأرض)
أنا بيناتهم ... مشدودة بحبل رقيق...
يا إما نغني... يا إما نسكت ونموت بشوية.
(ترفع رأسها ببطء، صوتها يعود هادئا لكنه حاسم)
واش سمعتي القايد، حتى إلى سكت اليوم ...
راه العيطة تْعلْمَاتْ تطير...
(ظلام... صوت بندير بطيء، الضوء يطلع تدريجيا)
خربوشة (بصوت مبحوح)
واش سمعتي يالقايد؟
يا اللي كيحسب الأرض ديالو... والناس ديالو، وحتى الصوت ديالنا خاصو يسكت
(تضرب البندير)
كيجي وقت الجباية ..
الدار اللي ما تخلصش ... تتحيد منها الأرض والزرع... والفرحة.
(تقف، تنظر بعيدا)
شفتي الواد؟
حتى هو ولى كيخاف يجري
من كثرة ما شاف الظلم
(تغني)
داده يا داده عارنا على اللي ينسانا
اللي ما ينسانا سيد كريم هو مولانا
(تكررها ثم تقطع فجأة)
خربوشة (تمشي ببطء، تحني رأسها)
كيقولو: سكتي يا خربوشة
ولكن انا... إلى سكت،
شكون غادي يقول الحق؟
(تقترب من الجمهور)
كاين اللي باع صوتو
وكاين اللي باع أرضو
وأنا ؟
بعت خوفي... وشريت العيطة
(ترفع رأسها كأنها تنادي القبيلة)
خربوشة (بغضب)
القايد ما كيبغيش اللي يقول لا
حيث "لأ" كتوجع أكثر من السيف
(تضحك بسخرية)
كيظن هاذ عوِيسَة بلي السلطة كتبقا
ولكن ما عارفش بلي العيطة كتبقى أكثر
(تجلس بنبرة حزينة)
شحال من دار بكات، وتيتمات
شحال من قلب تحرق
وشحال من عزبة كلاوها الذياب
غير حيث قالو للقايد ما قالت خربوشة
(تغني)
حركتي الغلة وسبيتي الكسيبة
وصكتي النسا كيف النعام
يتمتي الصبيان بالعرام
وايلييي
كي الشيخ، كي العبد، كي المقدم
كَاعْ منك طالبين التسلام
وافينك أعويسة فين الشأن والمرشان وايلييي
خربوشة (ترفع رأسها) :
أنا حادة الزيدية، وصوتي هو سلاحي
(تضرب البندير بقوة)
وهاذا الصوت كيهز الجبال
(تقف بثبات)
الظلم ما يدوم
والقايد غادي يبقى غير حكاية ...
أنا إلى تدفنت حية
كلامي مزال حي
والعيطة مازالة كتدندن
وخا هاذ الأيام ولاَّتْ العيطة غير ديال (ترقص) (أضواء)
آيلي، ايلي مال حبيبي مالو عليا ما بيدي ما ندير يا بابا
ايلي، ايلي، دوار عمامي وكاع زهواني
آجي عندنا وأجي، أجي عندنا للدار الحاكمة عليا يا با با ... الله ... (ظلام)
المشهد الأخير : التحول
خشبة شبه فارغة، سجادة شرقية، مرآة كبيرة مائلة، صندوق خشبي.
تدخل شهرزاد ببطء، بثوب بسيط، تحمل دفترا قديما، تنظر للجمهور طويلا دون كلام.
 إضاءة زرقاء خافتة.
(صوت يقول شعرا)
قلتها لك عن السحب
قلتها لك عن شجرة البحر
عن كل موجة، عن الطيور في الأوراق
عن حصى الأصوات
عن الأيادي الأليفة
عن الغناء الذي يخيف
عن العين التي تصبح وجها أو منظرا
ويعيد لها النوم سماء لونها
أنت فقدان كل شيء
لكي تبهري ذكرى الليالي
علي أن أفقد كل شيء
كي أرى نفسي وأنا أحيا
شهرزاد (تهمس)
أتسمعون؟
لا شيء؟
(تضحك بخفة)
هذا هو الصوت الذي تربينا عليه...
صوت ... "لا شيء"
(تقترب من المرآة تلمس وجهها)
قالوا : احكي... لكن لا تُزْعجي أحدا
قالوا : كوني ذكية... لكن لا تتفوقي على الرجال...
قالوا: كوني جميلة ... لكن لا أحد يرى جمالك
(تلتفت فجأة للجمهور)
وأنا كنت أحكي لأعيش لكن اليوم...
أحكي كي لا أموت صامتة
(إضاءة أقوى قليلا... موسيقى عود شرقية خفيفة)
شهرزاد : تعرفون شهريار؟
(تبتسم بسخرية)
ذلك الرجل الذي خاف من خيانة واحدة ... فخان الحياة كلها.
(تتمشى)
كان يقتل امرأة كل صباح
ويقول : أنا الضحية"
(تضحك بخفة، ثم تصمت)
في البدء،
كان المساء أخرساً
كان يهبط مثل حجر ثقيل
لا يقول شيئا
ولا يَسْمَعُ أحدا
كنت أجلس في عتمته،
أربتُ على كتفه كطفل مذعور
وأهمس له :
"إحكِ" ...
(صمت قصير)
لم يكن يعرف،
كان يخاف من صوته
مثلنا تماما
(تقترب خطوة)
فعلمته ...
كيف يولد من الحكاية؟
كيف ينساب بين الكلمات؟
كيف ينجو
(تصرخ)
كفى، يا شهريار...
لم يعد المساء وحده من يتكلم
(تلتفت كأنها ترى وجوها غير مرئية)
صاروا كثيرين....
أولئك الذين خرجوا من النفق
ووجوه بلا أسماء
نساءكن يمشين في العتمة
وهن يعتقدن أن لا صوت لهن
(بهمسة)
لكنهن تعلمن
كل واحدة منهن
حملت حكايتها كشمعة
وخرجت
ليس لأن النفق انتهى
بل لأن الصوت... فتح فيه بابا
تضاء بقعة خفيفة شهرزاد تعود أمام المرآة)
أنا ...
هل مازلت أنا
(تلمس وجهها)
أم أنني فعلا صرت حكاية
تعبت من رواية نفسها؟
(تضحك بسخرية خفيفة)
كان يكفيني رجل واحد...
رجل واحد يريد قتلي كل صباح
أما اليوم ؟
(تفتعل كأنها تحمل هاتفا خلويا ضوءه ينعكس على وجهها)
آلاف الرجال
يقتلون النساء
بزر إعجاب
(تمشي ببطء)
كنت احكي
لأنجو
وهن اليوم ؟
تحكين ...
من أجل اللايكات
يحكين
(تضحك)
الفيلتر داير خدمتو مزيان..
(بصوت شعري)
يا ليل
هل مازلت تخاف الحكايات ؟
أم صرت تختبئ
داخل شاشة زرقاء؟
أنا شهرزاد ...
أعد النجوم قصصا
وهن ...
يتابعن عدد المعجبين ...
(تجلس على الصندوق)
دعني أحكي لك ...
حكاية قديمة.
(تغير نبرتها وكأنها تحكي للأطفال)
يقال إن امرأة في زمن سحيق
كانت تحفظ ألف قصيدة
لكنهم
أحرقوا لسانها
لأنها تذكرت أكثر مما ينبغي...
(تصمت، ثم تبتسم بمرارة)
اليوم ؟
لا أحد يحرق الألسنة
فقط ... يكتبون تعليقا
(بنبرة خفيفة)
واحدة كتبت
"النساء ناقصات عقل"
ردت عليها أخرى:
صحيح ... لكننا نعرف كيف نشحنه
(تضحك)
(تقترب من المرآة)
أيتها المرأة في المرآة
هل أنت أنا؟
أم نسخة محدثة؟
هل تحتاجين إلى حكاية..
أم إلى كلمة مرور...
(تُحَدِّقُ في الهاتف بسخرية)
أنا شهرزاد...
أول " صانعة محتوى" في التاريخ
(وقفة)
لكن الفرق؟
أنا كنت أملك رجلا واحدا..
وهن اليوم ؟
عندهن جمهور يقول:
"اختصري الفيديو لو سمحت..."
(تمشي وكأنها تقلد فتاة عصرية)
هاي بنات! اليوم رح نحكي قصة قبل النوم
(تتوقف فجأة)
التعليقات
فيها فيلتر
وين الروتيني
ليش صوتك حزين؟ اعملي طاقة ايجابية
(تضحك)
يا سلام!
حتى الحزن...
لازم يكون له مونتاج!
(تجلس)
في زمني...
كنت اقول "بلغني ايها الملك السعيد"
اليوم
"جماعة الخير، اسمعوا القصة بسرعة قبل ما ينتهي الشحن....!"
(بمرارة)
كنت أؤجل الموت
وهن كن يؤجلن النوم
(تقترب من المرآة)
أنا كنت أحكي ألف ليلة ...
وهن اليوم؟
ألف " ستوري" في يوم واحد
(تفتح الهاتف كأنها تصور)
روتيني قبل النوم مع شهرزاد..
(تبدأ تمثيل مبالغ فيه)
تحكي قصة
نشرب شاي، وللا حتى القرينة الكحلا...
ننجو من الموت
(تتوقف)
بسيط... وسريع!
(تقترب من الجمهور)
لكن اسمعوا هذه النكتة (تبتسم)
واحدة سألت أخرى:
لو كنت في زمن شهرزاد، ماذا كنت ستفعلين؟
قالت :
أمر سهل ... كنت سأعمل بثًّا مباشرا، وأجعل الملك شهريار يشترك في قناتي..
(تضحك بصوت عال)
(تخفض صوتها)
ربما ...
لو كنت معهن اليوم ...
قد أفعلها ...
(ترفع الهاتف)
مساء الخير...
أنا شهرزاد ...
واليوم لن احكي قصة ...
(تبتسم )
اليوم أنتم من سيحكي
(تطفئ الإضاءة إلا بصيص من النور على وجهها)
يا أيها الليل
(همس)
علمهم...
أن الحكاية ليست ما يقال...
بل ...
ما يبقى
حين ينتهي الكلام

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...