بنتُ العقل، أمُّ كلّ الأشياء وكيمياء الله
أو
"انطُق أيّها الحَجَر"
(لِمَاذا أكتُبُ؟)
لطالما امتلكتُ رغبةً جامحةً في كتابةِ نصّ يَصِفُ العالَمَ بكُلِّ مكنونَاتِهِ. لطالما أردتُ أن أكتُبَ النَّصَّ المُتكاملَ الأمثلَ الأفضلَ الأجودَ الأشمل الأوسع والأكثر إيغالًا في النّبش والكشفِ والإفصاح عن إجابات للأسئلة الأكثر صعوبةً. أي، أنا أحلمُ أكثر الأحلام قسوة.
لِمَاذا؟ لأنّ الكتابة ابتكار، لأنّ فيها بَصْمَتِي، ولرغبة جامحة لي في الاحتكار، احتكار الحبر والخطّ والرّسم كما بِفِرْجَار، لأنّ فيها احتقارًا للجهل وَلِفَاقَةِ العقلِ ولأنّ فيها إشرافًا من عَلٍ على كلّ الأشياء. لأنّ الكتابة شَاقَّةٌ، إذ تستهويني الأمورُ المركّبة منذ صغري، فأعزفُ عن السّهل وأُهَرْوِلُ نحو تلك الصّعبة، والصّعبُ لا سهولةَ في القبض عليه.
الكتابة صناعةٌ، والتّمكُّنُ من صناعة فيه من النّشوة ما فيه. الكتابةُ سرٌّ مفضوحٌ فيه تَكْمُنُ أسرارٌ غيرُ تلك التي نظّن أنّنا أمسكنا بتلابيبها. شهوة الكتابة فيها تَسْيِيرٌ، والغريب أنّنا كلّما صرنا مُسيَّرينَ نعتقد أنّنا امتلكنا الخيار. تلابيبُ اللّغة قشورٌ وراءَ قشورٍ وطبقاتٌ على طبقات، كلّما عَرّيتُ سرًّا، انكشف لغزٌ آخر. الكتابة أمر غريب، مثل اللّغة، تَضَادٌّ وتناغمٌ، أُلفةُ الغرابة وغرابةُ الألفة.
اللّغة مسحوقٌ مرئيّ حينما تُكتبُ، ومسموعٌ حين تُنطقُ، إلّا أنّها مثل عنصر الله الخفيّ، لا يمكن الوقوف على كنهه، بل على أثرِه، وأنا أبحر في هذا الأثر بحثًا عن جوهره الدّفين.
ليست الكتابةُ زِنًا تَرْكِيبيًّا من مُفردات، بل هي عقلٌ يُبحرُ في سحر غير المعقول. اللّغةُ تستهويني لأنّ فيها من الرّومانسيّة ما فيها، فيها أَيَائِلُ وفيها صحارى وفيها جنّاتٌ ملوّنةٌ وفيها روائحُ نساءُ، والأكثر غرابةً كيف تكتبُ اللّغةُ رائحةَ امرأة أو كيف تخطّ مثلًا صوتَ شهوة أو رغبةً جامحةً في اعتلاءِ ذروةٍ ما من ذروات هذا الوجود المفضوحِ أسرارًا. الكتابةُ هي لغة الكُتُب المقدّسة، وهي ألواح حجريّة منذ آلاف السّنين.
اللّغة ابتعاد عن مرض التّكنولوجيا، بل هي أقوى تكنولوجيا، اللّغة هي تقنيّةُ الله موضوعةً في خلائِقِه.
اللّغةُ بَصْمةٌ. تَخَيَّلْ، كيف لك أن تعرف كاتبًا ما فقط من جُملٍ معدودة. اللّغة قَرْنِيَّةُ الكاتبِ يبصر بها ويضع تحليلًا لما يراه.
الكتابةُ محتوى وثراء وإنجابٌ، يا لجمالِ اللّغة التي قالت عن الفكرةِ بنتَ عقلٍ، وأنا عقلي ينجبُ الكثيرَ من البنات: بناتٌ تحبُّ جمالَ الكونِ وتنجبُ بناتٍ تلدُ بناتٍ وترفعُ من شأنِ بنات. والكُتّاب هم بُناة. بناةٌ ليسوا أحرارًا، لأنّ لا حريّةَ في هذا الوجود، ولربّما تكمنُ الحريّةُ في كتابة شيفراتٍ علّها تدلّ القارئَ على بوصلةٍ نحو الحقائق المستترةِ في الألواح المحفوظة.
كيف لأمر ما أن يجمعَ بين طهارةٍ ودناسةٍ؟ كيف لترتيب أحرفٍ بطرائق مختلفة لا نهائيّة، أن يَمَسَّ الُمقَدَّسَ ونقيضه؟
اللّغة صياحُ أصوات الأحرف، منطوقةً ومكتوبةً.
الأمر الذي يدوّخُ في سياقِ الكتابة هو التّأويل. التّأويلُ سرُّ اللّغة غير المفضوح، فكيف لنا أن نمارسَ تأويلاتٍ لا متناهية لنصٍّ وُضِعَ قبل آلافِ السّنين، وكيف لبنتٍ صغيرةٍ ذكيّةٍ أن تمنحَ تفسيرًا ألمعيًّا جديدًا لنصٍّ مارسَ تحليلَه الكثيرُ من الباحثين؟ لأنّ عقلها جلبَ تأويلًا لم يجلبه إلّاها.
الكتابةُ ذروة تأتي بعد مشقّة وعناءٍ لا يوصفان، ولا شيء في اللّغة يُوصَفُ إلّا وَصفات من تركيباتٍ يمكنُ أن نمازجها، مثل كيمياء الله الموجودةِ في أشياء لا نُدركها.
اللّغة صوتُ طائرةٍ عاليةٍ جدًّا، غير مرئيّة، نستدلُّ على وجودها من صوتها فقط. اللّغة تحليق في عوالم موجودة وأخرى مُبتكرة.
الكتابةُ سلاسلُ من مخلوقاتٍ غير بشريّة تفرضُ وجودها على كينونتنا بكينونتها الخلّاقة. اللّغة فيزياء واللّغة علّاقةٌ نضع عليها آمالًا وخيباتِ آمال وتوقًا وأشواقًا لبناء عوالم أفضلَ من فردوس مفقود يواصلُ إيلامَنا.
أنا أكتُبُ لكي أحتقرَ نصّي فأبحث عن قراءة جديدةٍ تشفي غليلي، فأطمحُ لشيء أكثر سُمُوًّا.
تستهويني جدًّا فكرة أنّ لكلّ شيء وأمر وخطوة وغرض في هذا العالم اسمًا. أريدُ أن أعرفَ كلّ الأسماء. أن أحفظها، أُدركها، أعرفَ معناها وأتفنّن في خلطها. الكتابةُ خلطُ الأسماء كلّها بما نريدُ من نكهات.
الكتابةُ كُسرٌ في المعنى المُكتملِ.
الكتابةُ بحثٌ عن الكمال، ولُهاثٌ نحو استقرارٍ أبديّ بعد تيهٍ عُضَال.
الكتابةُ مخاطبة لنصّ تريدُ استنطاقه، الكتابةُ احْتِلامٌ ولعبةٌ لا ضمور فيها، فهي الجدّ وهي الهزل، وأنا مُحرِّكُ خيوطها وأنا أيضًا أَيْضُ وُجودها يَسْتَقْلِبُ ما لا يُسْتَقْلَبُ.
انطقي يا لغةً ما أريدُ. انطقيني فلعلّي على هذا الوجود الزّائل الزّائفِ أزيدُ من المعاني وأزيدُ.
أو
"انطُق أيّها الحَجَر"
(لِمَاذا أكتُبُ؟)
لطالما امتلكتُ رغبةً جامحةً في كتابةِ نصّ يَصِفُ العالَمَ بكُلِّ مكنونَاتِهِ. لطالما أردتُ أن أكتُبَ النَّصَّ المُتكاملَ الأمثلَ الأفضلَ الأجودَ الأشمل الأوسع والأكثر إيغالًا في النّبش والكشفِ والإفصاح عن إجابات للأسئلة الأكثر صعوبةً. أي، أنا أحلمُ أكثر الأحلام قسوة.
لِمَاذا؟ لأنّ الكتابة ابتكار، لأنّ فيها بَصْمَتِي، ولرغبة جامحة لي في الاحتكار، احتكار الحبر والخطّ والرّسم كما بِفِرْجَار، لأنّ فيها احتقارًا للجهل وَلِفَاقَةِ العقلِ ولأنّ فيها إشرافًا من عَلٍ على كلّ الأشياء. لأنّ الكتابة شَاقَّةٌ، إذ تستهويني الأمورُ المركّبة منذ صغري، فأعزفُ عن السّهل وأُهَرْوِلُ نحو تلك الصّعبة، والصّعبُ لا سهولةَ في القبض عليه.
الكتابة صناعةٌ، والتّمكُّنُ من صناعة فيه من النّشوة ما فيه. الكتابةُ سرٌّ مفضوحٌ فيه تَكْمُنُ أسرارٌ غيرُ تلك التي نظّن أنّنا أمسكنا بتلابيبها. شهوة الكتابة فيها تَسْيِيرٌ، والغريب أنّنا كلّما صرنا مُسيَّرينَ نعتقد أنّنا امتلكنا الخيار. تلابيبُ اللّغة قشورٌ وراءَ قشورٍ وطبقاتٌ على طبقات، كلّما عَرّيتُ سرًّا، انكشف لغزٌ آخر. الكتابة أمر غريب، مثل اللّغة، تَضَادٌّ وتناغمٌ، أُلفةُ الغرابة وغرابةُ الألفة.
اللّغة مسحوقٌ مرئيّ حينما تُكتبُ، ومسموعٌ حين تُنطقُ، إلّا أنّها مثل عنصر الله الخفيّ، لا يمكن الوقوف على كنهه، بل على أثرِه، وأنا أبحر في هذا الأثر بحثًا عن جوهره الدّفين.
ليست الكتابةُ زِنًا تَرْكِيبيًّا من مُفردات، بل هي عقلٌ يُبحرُ في سحر غير المعقول. اللّغةُ تستهويني لأنّ فيها من الرّومانسيّة ما فيها، فيها أَيَائِلُ وفيها صحارى وفيها جنّاتٌ ملوّنةٌ وفيها روائحُ نساءُ، والأكثر غرابةً كيف تكتبُ اللّغةُ رائحةَ امرأة أو كيف تخطّ مثلًا صوتَ شهوة أو رغبةً جامحةً في اعتلاءِ ذروةٍ ما من ذروات هذا الوجود المفضوحِ أسرارًا. الكتابةُ هي لغة الكُتُب المقدّسة، وهي ألواح حجريّة منذ آلاف السّنين.
اللّغة ابتعاد عن مرض التّكنولوجيا، بل هي أقوى تكنولوجيا، اللّغة هي تقنيّةُ الله موضوعةً في خلائِقِه.
اللّغةُ بَصْمةٌ. تَخَيَّلْ، كيف لك أن تعرف كاتبًا ما فقط من جُملٍ معدودة. اللّغة قَرْنِيَّةُ الكاتبِ يبصر بها ويضع تحليلًا لما يراه.
الكتابةُ محتوى وثراء وإنجابٌ، يا لجمالِ اللّغة التي قالت عن الفكرةِ بنتَ عقلٍ، وأنا عقلي ينجبُ الكثيرَ من البنات: بناتٌ تحبُّ جمالَ الكونِ وتنجبُ بناتٍ تلدُ بناتٍ وترفعُ من شأنِ بنات. والكُتّاب هم بُناة. بناةٌ ليسوا أحرارًا، لأنّ لا حريّةَ في هذا الوجود، ولربّما تكمنُ الحريّةُ في كتابة شيفراتٍ علّها تدلّ القارئَ على بوصلةٍ نحو الحقائق المستترةِ في الألواح المحفوظة.
كيف لأمر ما أن يجمعَ بين طهارةٍ ودناسةٍ؟ كيف لترتيب أحرفٍ بطرائق مختلفة لا نهائيّة، أن يَمَسَّ الُمقَدَّسَ ونقيضه؟
اللّغة صياحُ أصوات الأحرف، منطوقةً ومكتوبةً.
الأمر الذي يدوّخُ في سياقِ الكتابة هو التّأويل. التّأويلُ سرُّ اللّغة غير المفضوح، فكيف لنا أن نمارسَ تأويلاتٍ لا متناهية لنصٍّ وُضِعَ قبل آلافِ السّنين، وكيف لبنتٍ صغيرةٍ ذكيّةٍ أن تمنحَ تفسيرًا ألمعيًّا جديدًا لنصٍّ مارسَ تحليلَه الكثيرُ من الباحثين؟ لأنّ عقلها جلبَ تأويلًا لم يجلبه إلّاها.
الكتابةُ ذروة تأتي بعد مشقّة وعناءٍ لا يوصفان، ولا شيء في اللّغة يُوصَفُ إلّا وَصفات من تركيباتٍ يمكنُ أن نمازجها، مثل كيمياء الله الموجودةِ في أشياء لا نُدركها.
اللّغة صوتُ طائرةٍ عاليةٍ جدًّا، غير مرئيّة، نستدلُّ على وجودها من صوتها فقط. اللّغة تحليق في عوالم موجودة وأخرى مُبتكرة.
الكتابةُ سلاسلُ من مخلوقاتٍ غير بشريّة تفرضُ وجودها على كينونتنا بكينونتها الخلّاقة. اللّغة فيزياء واللّغة علّاقةٌ نضع عليها آمالًا وخيباتِ آمال وتوقًا وأشواقًا لبناء عوالم أفضلَ من فردوس مفقود يواصلُ إيلامَنا.
أنا أكتُبُ لكي أحتقرَ نصّي فأبحث عن قراءة جديدةٍ تشفي غليلي، فأطمحُ لشيء أكثر سُمُوًّا.
تستهويني جدًّا فكرة أنّ لكلّ شيء وأمر وخطوة وغرض في هذا العالم اسمًا. أريدُ أن أعرفَ كلّ الأسماء. أن أحفظها، أُدركها، أعرفَ معناها وأتفنّن في خلطها. الكتابةُ خلطُ الأسماء كلّها بما نريدُ من نكهات.
الكتابةُ كُسرٌ في المعنى المُكتملِ.
الكتابةُ بحثٌ عن الكمال، ولُهاثٌ نحو استقرارٍ أبديّ بعد تيهٍ عُضَال.
الكتابةُ مخاطبة لنصّ تريدُ استنطاقه، الكتابةُ احْتِلامٌ ولعبةٌ لا ضمور فيها، فهي الجدّ وهي الهزل، وأنا مُحرِّكُ خيوطها وأنا أيضًا أَيْضُ وُجودها يَسْتَقْلِبُ ما لا يُسْتَقْلَبُ.
انطقي يا لغةً ما أريدُ. انطقيني فلعلّي على هذا الوجود الزّائل الزّائفِ أزيدُ من المعاني وأزيدُ.