يتكون الدكتور "عبد القادر القط" من تسعة كتب وديوان واحد وثمانية كتب مترجمة وعدة مناصب أكاديمية والمئات من الدراسات النقدية الإبداعية، أفرخت الآلاف من تلاميذه في أوراق مدرسية وقاعات المناقشات الجامعية وفصول المدارس، ومنذ حينها يسير ككيان كامل لشجرة توت وارفة وعظيمة من المقالات والدراسات الهادئة المهذبة التي تداور وتناور وتكشف وتنبش في الحياة الأدبية والفكرية، ومنذ كتابه النقدي الأول " في الأدب المصري المعاصر" والذي يتحدث فيه عن " البطل الإيجابي" في الرواية المصرية خاصة عند نجيب محفوظ ويوسف السباعي، وصولا لكتابه البديع " في الأدب العربي الحديث" وهو كتاب سهل ممتع لا يخنقك ولا يستدرجك إلى الأركان الضيقة الغامضة للكتابة النقدية المستحدثة والمفتعلة أيضًا، وفي هذا الكتاب يتضح منهج ورؤية وفكر الدكتور القط في جميع أعماله النقدية، حيث أتبع المنهج الوصفي التحليلي لنقد القصة والرواية والمسرحية، وسعي من خلاله لإظهار أبرز التيارات والقضايا الفنية في تلك الأعمال وسماتها الإبداعية، وكانت نتائجه التي توصل إليها هو أهمية شرح ودراسة بدايات ونهايات الأعمال بالإضافة إلى دراسة الزمان والمكان والشخصية واللغة والأسلوب، ونجده في بحثه هذا قد دمج بين الشكل والمضمون في العمل الإبداعي، كما أكد أنه يجب أن ننظر لأي عمل إبداعي كظاهرة فنية اجتماعية، ودراسة ظروف عصره التي نشأ وظهر فيه.
ولقد رأيت الدكتور القط في بيتنا مبكرًا، كان قد صدم مع "مستجاب الأب" بشأن قصته " الجبارنة"، كان مستجاب يلومه بأنه لم ينتبه إلى التصاعد الموسيقي اللغوي في القصة، وتخيلت أنه سوف يحدث خصام أو قطيعة، لكنه لم يفعل ذلك، بل قام مع الراحل الكاتب "فاروق خورشيد" بمناقشة المجموعة القصصية الأولي لمستجاب الأب " ديروط الشريف" وروايته الشهيرة " التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ" في " دار الأدباء" عام 1984، ثم كتب دراسة نقدية هامة عن مجموعته في مجلة "إبداع" يثني فيها على موهبة " مستجاب الأب" كما يثني مُعلم على تلميذه النجيب.
ومنذ ذلك الوقت لم يتركني الدكتور القط، ففي الصف الثالث الثانوي كنا ندرس كتابه في "البلاغة"، وكنت سعيدًا جدًا أنني أعرفه شخصيًا، لاكتشف بعد ذلك أن الدكتور - القط - أكبر من كل ذلك، فهو إبداع حقيقي وراسخ يسير على قدمين وليس كتب فقط أو دكتور يقف خلف منبر العلم في الجامعة، أو ناقد جالس على مكتبه لرئاسته لتحرير الكثير من المجلات، بل هو حالة إبداعية منتبهة جيدًا لكل ما يقدم في الساحة الأدبية وكل ما يأتي من الخارج، وهو حلقة وصل بين جيليين، جيل الأساتذة: طه حسين ومحمد مندور ولويس عوض وأمين الخولي وغيرهم، ثم قيادته للجيل الآخر الذي جاء بعده؛ علي شلش وشكري عياد وغالي شكري وشاكر عبد الحميد وسيد حامد النساج وجابر عصفور وآخرون. كما أنه وخارج أسوار الجامعة وميدان النقد الأدبي فقد كان أحد أعمدة الندوة الأسبوعية الشهيرة في " مقهى عبد الله" في الخمسينيات من القرن الماضي، والتي كان من روادها أحمد عبد المعطي حجازي ورجاء النقاش وأنور المعداوي ومحمود السعدني وآخرون.
ومنذ تخرجه من الجامعة في عام 1938 وحتى رحيله في 2002، والدكتور القط قد وضع مشروعه النقدي الإبداعي في عقله رغم عمله الأكاديمي سواء موظفًا بمكتبة جامعة القاهرة أو بعثته الدراسية للحصول على الدكتورة من إنجلترا عام 1950، يسير صافي الرؤية واضح المعني نقي العبارة، يرتب لك أفكارك المتناثرة شرقًا وغربًا، ويضع يدك على المنابت الأساسية التي كانت الموطن الأول للنظريات الحديثة السائدة، لا يتعصب للعرب أو تراثهم، ولا ينعوج لسانه لحساب العجم كما هو رائج الآن، ولا يثير في وجهك الغبار والصراخ، ولا يدق في طريقك أوتاد علامات التعجب والتعالي والاندهاش والاستهزاء، ولا يقف خلف متاريس الاستاذية المدشنة بالمصطلحات غير المفهومة، يفهم ما يحتاجه أهل الأدب وما يدور في عقولهم. وقد ظلت محاولته لتأسيس نظرية جديدة لتراثنا النقدي بشكل لا يتجاهل المؤثرات الاجتماعية التي تخللت ذلك النقد وجددت مساره.
ولأنه كان مبدعًا قبل أن يكون ناقدًا، وشاعرًا قبل أن يكون متذوقًا له، فقد كتب مبكرًا ديوانه الشعري الوحيد" ذكريات شباب "، وبعد ذلك ترك كتابة الشعر، وقد وضع أمامه مهمة أكبر – وهو النقد الأدبي- ومن خلاله فتح معبر بين القديم والحديث ثم معبر آخر بين مصر وأوروبا، من خلال كتبه الهامة مثل؛" في الأدب المصري المعاصر"، و" في الأدب العربي الحديث"، و" قضايا ومواقف"، و" في الشعر الإسلامي والأموي"، و" الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر"، و" فن المسرحية" و" فن الترجمة"، و" الكلمة والصورة". بالإضافة على ترجماته الهامة مثل: مسرحيات لشكسبير؛ " ريتشارد الثالث"، و" هاملت" و" ريتشارد الثالث"، و" بريكليس" وأعمال أخري كثيرة.
ومنذ ستينيات القرن الماضي بدأ نجم وأسلوب ورؤية الدكتور القط تعلو في حياتنا الثقافية المصرية، بل وتجاوزها للحياة الأدبية العربية، وذلك من خلال العديد من المقالات النقدية المتفردة والتي تجذب الدارس والقارئ، ولا تجعلهما ينفران من النقد، وربما يعود أسلوبه الشهير والمحبب في النقد إلى أنه ذهب لأرض النقد بروح الشاعر الرهيف الرومانسي والذي كتب ديوان شعري ذات يوم، فلم يكن بيده خنجر لتمزيق النصوص أو يقف أمام مقصلة لقصف الأعمال الإبداعية وأصحابها.
ويعتبر كتابه الهام " شعراء الحركة الوجدانية في الأدب العربي" والذي نال عنه جائزة الملك فيصل العالمية " عام 1980، من أحد أفضل الدراسات النقدية للتراث الشعري العربي، حيث غير فيه من مسمي الحركة الرومانسية لهؤلاء الشعراء إلى الحركة الوجدانية، لأنه أكثر دلاله على تجربة كل شاعر فيهم، خاصة ظروف كل عصر والظروف الاجتماعية لكل شاعر حينها.
وقد أخذ عن الدكتور القط تشدده الحاد وبشكل قاطع ضد " قصيدة النثر" ومن يكتبها أو عرف بأنه عدو لها، والتي من خلال مسيرته كان يرفض أي قصيدة دون وزن أو قافية ولا يعده شعرًا، وهذا الموقف له من قصيدة النثر نشره في دراسة
مطولة ضمن أحد كتب "الندوة الأدبية" لجائزة الشاعر محمد حسن فقي عام 1996. ورغم ذلك الموقف المتشدد، إلا أنه قد تراجع عن هذا الموقف وفتح أبواب مجلة " إبداع " التي كان يرأس تحريرها، وسمح لكل شعراء قصيدة النثر بنشر أعمالهم على صفحاتها، بل وأظهر أبرز أصوات هذا الفن بصدر رحب.
كما يعتبر الدكتور القط من أوائل من انتبهوا إلى هذا الرافد الإبداعي الجديد في الدراما التليفزيونية، والذي توجه بكتابه " الكلمة والصورة"، حيث قدم فيه دراسات نقدية للأعمال التلفزيونية من خلال منظور أدبي لنقد الأعمال المرئية من خلال منهجي إبداعي نقدي، وقد حلل في هذا الكتاب الكثير من الأعمال التي شاهدناها على شاشة التليفزيون، ليصبح أول من شق الطريق لنقد أدبي تطبيقي لتلك الأعمال.
عبد القادر القط العملاق الجالس على فوهة الذاكرة والذي لا يمكن أن ننساه، والذي خسره ديوان الشعر العربي وكسبه معبد النقد الأدبي، كان قائدًا وأستاذًا وناظرًا لمدرسة نقدية أدبية عظيمة، أثرت في جيل كامل من المبدعين والنقاد أثناء حياته وبعد رحيله في 2002.
محمد محمد مستجاب
ولقد رأيت الدكتور القط في بيتنا مبكرًا، كان قد صدم مع "مستجاب الأب" بشأن قصته " الجبارنة"، كان مستجاب يلومه بأنه لم ينتبه إلى التصاعد الموسيقي اللغوي في القصة، وتخيلت أنه سوف يحدث خصام أو قطيعة، لكنه لم يفعل ذلك، بل قام مع الراحل الكاتب "فاروق خورشيد" بمناقشة المجموعة القصصية الأولي لمستجاب الأب " ديروط الشريف" وروايته الشهيرة " التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ" في " دار الأدباء" عام 1984، ثم كتب دراسة نقدية هامة عن مجموعته في مجلة "إبداع" يثني فيها على موهبة " مستجاب الأب" كما يثني مُعلم على تلميذه النجيب.
ومنذ ذلك الوقت لم يتركني الدكتور القط، ففي الصف الثالث الثانوي كنا ندرس كتابه في "البلاغة"، وكنت سعيدًا جدًا أنني أعرفه شخصيًا، لاكتشف بعد ذلك أن الدكتور - القط - أكبر من كل ذلك، فهو إبداع حقيقي وراسخ يسير على قدمين وليس كتب فقط أو دكتور يقف خلف منبر العلم في الجامعة، أو ناقد جالس على مكتبه لرئاسته لتحرير الكثير من المجلات، بل هو حالة إبداعية منتبهة جيدًا لكل ما يقدم في الساحة الأدبية وكل ما يأتي من الخارج، وهو حلقة وصل بين جيليين، جيل الأساتذة: طه حسين ومحمد مندور ولويس عوض وأمين الخولي وغيرهم، ثم قيادته للجيل الآخر الذي جاء بعده؛ علي شلش وشكري عياد وغالي شكري وشاكر عبد الحميد وسيد حامد النساج وجابر عصفور وآخرون. كما أنه وخارج أسوار الجامعة وميدان النقد الأدبي فقد كان أحد أعمدة الندوة الأسبوعية الشهيرة في " مقهى عبد الله" في الخمسينيات من القرن الماضي، والتي كان من روادها أحمد عبد المعطي حجازي ورجاء النقاش وأنور المعداوي ومحمود السعدني وآخرون.
ومنذ تخرجه من الجامعة في عام 1938 وحتى رحيله في 2002، والدكتور القط قد وضع مشروعه النقدي الإبداعي في عقله رغم عمله الأكاديمي سواء موظفًا بمكتبة جامعة القاهرة أو بعثته الدراسية للحصول على الدكتورة من إنجلترا عام 1950، يسير صافي الرؤية واضح المعني نقي العبارة، يرتب لك أفكارك المتناثرة شرقًا وغربًا، ويضع يدك على المنابت الأساسية التي كانت الموطن الأول للنظريات الحديثة السائدة، لا يتعصب للعرب أو تراثهم، ولا ينعوج لسانه لحساب العجم كما هو رائج الآن، ولا يثير في وجهك الغبار والصراخ، ولا يدق في طريقك أوتاد علامات التعجب والتعالي والاندهاش والاستهزاء، ولا يقف خلف متاريس الاستاذية المدشنة بالمصطلحات غير المفهومة، يفهم ما يحتاجه أهل الأدب وما يدور في عقولهم. وقد ظلت محاولته لتأسيس نظرية جديدة لتراثنا النقدي بشكل لا يتجاهل المؤثرات الاجتماعية التي تخللت ذلك النقد وجددت مساره.
ولأنه كان مبدعًا قبل أن يكون ناقدًا، وشاعرًا قبل أن يكون متذوقًا له، فقد كتب مبكرًا ديوانه الشعري الوحيد" ذكريات شباب "، وبعد ذلك ترك كتابة الشعر، وقد وضع أمامه مهمة أكبر – وهو النقد الأدبي- ومن خلاله فتح معبر بين القديم والحديث ثم معبر آخر بين مصر وأوروبا، من خلال كتبه الهامة مثل؛" في الأدب المصري المعاصر"، و" في الأدب العربي الحديث"، و" قضايا ومواقف"، و" في الشعر الإسلامي والأموي"، و" الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر"، و" فن المسرحية" و" فن الترجمة"، و" الكلمة والصورة". بالإضافة على ترجماته الهامة مثل: مسرحيات لشكسبير؛ " ريتشارد الثالث"، و" هاملت" و" ريتشارد الثالث"، و" بريكليس" وأعمال أخري كثيرة.
ومنذ ستينيات القرن الماضي بدأ نجم وأسلوب ورؤية الدكتور القط تعلو في حياتنا الثقافية المصرية، بل وتجاوزها للحياة الأدبية العربية، وذلك من خلال العديد من المقالات النقدية المتفردة والتي تجذب الدارس والقارئ، ولا تجعلهما ينفران من النقد، وربما يعود أسلوبه الشهير والمحبب في النقد إلى أنه ذهب لأرض النقد بروح الشاعر الرهيف الرومانسي والذي كتب ديوان شعري ذات يوم، فلم يكن بيده خنجر لتمزيق النصوص أو يقف أمام مقصلة لقصف الأعمال الإبداعية وأصحابها.
ويعتبر كتابه الهام " شعراء الحركة الوجدانية في الأدب العربي" والذي نال عنه جائزة الملك فيصل العالمية " عام 1980، من أحد أفضل الدراسات النقدية للتراث الشعري العربي، حيث غير فيه من مسمي الحركة الرومانسية لهؤلاء الشعراء إلى الحركة الوجدانية، لأنه أكثر دلاله على تجربة كل شاعر فيهم، خاصة ظروف كل عصر والظروف الاجتماعية لكل شاعر حينها.
وقد أخذ عن الدكتور القط تشدده الحاد وبشكل قاطع ضد " قصيدة النثر" ومن يكتبها أو عرف بأنه عدو لها، والتي من خلال مسيرته كان يرفض أي قصيدة دون وزن أو قافية ولا يعده شعرًا، وهذا الموقف له من قصيدة النثر نشره في دراسة
مطولة ضمن أحد كتب "الندوة الأدبية" لجائزة الشاعر محمد حسن فقي عام 1996. ورغم ذلك الموقف المتشدد، إلا أنه قد تراجع عن هذا الموقف وفتح أبواب مجلة " إبداع " التي كان يرأس تحريرها، وسمح لكل شعراء قصيدة النثر بنشر أعمالهم على صفحاتها، بل وأظهر أبرز أصوات هذا الفن بصدر رحب.
كما يعتبر الدكتور القط من أوائل من انتبهوا إلى هذا الرافد الإبداعي الجديد في الدراما التليفزيونية، والذي توجه بكتابه " الكلمة والصورة"، حيث قدم فيه دراسات نقدية للأعمال التلفزيونية من خلال منظور أدبي لنقد الأعمال المرئية من خلال منهجي إبداعي نقدي، وقد حلل في هذا الكتاب الكثير من الأعمال التي شاهدناها على شاشة التليفزيون، ليصبح أول من شق الطريق لنقد أدبي تطبيقي لتلك الأعمال.
عبد القادر القط العملاق الجالس على فوهة الذاكرة والذي لا يمكن أن ننساه، والذي خسره ديوان الشعر العربي وكسبه معبد النقد الأدبي، كان قائدًا وأستاذًا وناظرًا لمدرسة نقدية أدبية عظيمة، أثرت في جيل كامل من المبدعين والنقاد أثناء حياته وبعد رحيله في 2002.
محمد محمد مستجاب